كانت عائشة (ض) من أحب الناس إلى رسول الله - ﷺ -، وكان الصحابة (ض) أجمعين قد علموا حبه إياها وأقروا لها بذلك، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله - ﷺ - كانوا يتحرون يوم عائشة (ض) (١)، وقد أثار ذلك غيرة أمهات المؤمنين، ووقعت الغيرة التي لا محيص منها بين الزوجات، فدعون فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - فأرسلنها إلى رسول الله - ﷺ - فقالت له: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر، فكلمته، فقال: «يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه فأبت أن ترجع» (٢). ثم توسلن بأم سلمة (ض) أن تكلم النبي - ﷺ -، فلما دار عليها كلمته، فقال: «لا تؤذيني في عائشة، فإنه لم ينزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن إلا في لحاف عائشة» (٣).
أهديت للنبي - ﷺ - ذات مرة هدية فيها قلادة من جزع، فقال: «لأدفعنها
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الهبة برقم ٢٥٨١، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٤١، والترمذي في سننه كتاب المناقب برقم ٣٨٧٩.
(٢) صحيح البخاري كتاب الهبة برقم ٢٥٨١.
(٣) صحيح البخاري كتاب المناقب برقم ٣٧٧٥، سنن النسائي كتاب عشرة النساء برقم ٣٩٥٠، سنن الترمذي كتاب المناقب ٣٨٧٩.
[ ٧٧ ]
إلى أحب أهلي إلي»، فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة، لكن حب النبي - ﷺ - الزكي الطاهر الخالص لم يظهر قط في لمعان الزينة الظاهرية وروعة المجوهرات الغالية، فدعا أمامة بنت زينب فعلقها في عنقها (١).
وهذا عمرو بن العاص (ض) قد بعثه النبي - ﷺ - على جيش ذات السلاسل، فلما أتى سأل: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقال: من الرجال؟ فقال: أبوها (٢).
دخل مرة عمر (ض) على حفصة فقال: «يا بنية لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله - ﷺ - إياها، يريد عائشة» (٣). ومرة شرد بها الجمل أثناء الطريق، فقلق النبي - ﷺ - وهو يقول: «واعروساه» (٤).
ودخل النبي - ﷺ - في بيتها فقالت: وارأساه! فقال رسول الله - ﷺ -: «بل أنا وارأساه»، ومنذ ذلك الحين بدأ مرض النبي - ﷺ - الذي توفي فيه (٥).
وكان - ﷺ - يتفقد في مرض موته - وفي رواية «ليتعذر» - أين أنا اليوم، أين أنا غدا، استبطاء ليوم عائشة (ض) (٦)، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/ ١٠١ برقم ٢٤٧٤٨ و٦/ ٢٦١ برقم ٢٦٢٩٢.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المناقب برقم ٣٦٦٢ وكتاب المغازي برقم ٤٣٥٨، ومسلم كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٣٨٤، والترمذي في سننه كتاب المناقب رقم ٣٨٨٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح باب حب الرجل بعض نسائه برقم ٥٢١٨، ومسلم في صحيحه كتاب الطلاق برقم ١٤٧٩، والترمذي كتاب تفسير القرآن برقم ٣٣١٨.
(٤) أخرج الإمام أحمد في مسنده عن عائشة (ض) قالت: خرجنا مع النبي - ﷺ -، فلما كنا بالحرة، انصرفنا وأنا على جمل، وكان آخر العهد منهم، وأنا أسمع صوت النبي - ﷺ - وهو بين ظهري ذلك السمر، وهو يقول: واعروساه الحديث، ٢٤٨/ ٦ برقم ٢٦١٥٥.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المرضى برقم ٥٦٦٦، وابن حبان في صحيحه باب مرض النبي - ﷺ - ١٤/ ٥٥١ برقم ٦٥٨٦، والدارمي في سننه باب وفاة النبي - ﷺ - برقم ٨٠.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز برقم ١٣٨٩، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٤٣.
[ ٧٨ ]
في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت عائشة: «فمات في اليوم الذي كان يدور علي أي بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري» (١).
كان النبي - ﷺ - يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: «اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (٢) (يعني به حب عائشة).