والبيت الذي بنى فيه النبي - ﷺ - بعائشة (ض) لم يكن قصرا عاليا رفيعا مفخما، وإنما كان عبارة عن حجر وغرف صغيرة في حي بني النجار، مبنية حول المسجد النبوي الشريف، بناها النبي - ﷺ - لتكون مساكن له ولأهله، وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء، ومن بينها كانت حجرة عائشة (ض) بناها النبي - ﷺ - شرقي المسجد (٢)، وكان بابه من هذه الحجرة واقعا داخل المسجد النبوي على جهة الغرب، وكأن المسجد النبوي صار فناء لها.
وكان النبي - ﷺ - يصغي إلى عائشة رأسه وهو معتكف في المسجد، فترجله (٣)، وأحيانا يطلب شيئا فيمد يده من المسجد إليها فتناوله إياه، وكان
_________________
(١) = ١٦٧/ ٢ برقم ١٤٥٣، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب ٦٦/ ٤ برقم ٤٨٢٥ ط: دار الكتب العلمية بيروت ١٤١٧ هـ ت إبراهيم شمس الدين.
(٢) من أمثلة شدة مواظبتها على العمل بتعليم النبي - ﷺ - ما رواه أحمد في مسنده عن عائشة قالت: صليت صلاة كنت أصليها على عهد النبي - ﷺ - لو أن أبي نشر فنهاني عنها ما تركتها ١٣٨/ ٦ برقم ٢٥١٢٢، وهناك أحاديث تدل على تعلمها أمور دينها من النبي - ﷺ -. يراجع: مسند الإمام أحمد بن حنبل ١٣٨/ ٦ و١٤٧/ ٦ و٦/ ١٥١.
(٣) يراجع للتفصيل: خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى للإمام السمهودي الباب الرابع فصل ٤.
(٤) أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة (ض) قالت: كان النبي - ﷺ - يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد، فأرلجله وأنا حائض. وفي لفظ للبخاري: «ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله» وفي لفظ لمسلم «كان رسول الله - ﷺ - إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرلجله». انظر صحيح البخاري كتاب الاعتكاف برقم ١٩٢٤/ ١٩٢٥، صحيح مسلمم كتاب الحيض برقم ٦٨٣/ ٦٨٢، سنن أبي داود كتاب الصيام برقم ٢٤٦٧، ٢٤٦٩، سنن الترمذي كتاب الصوم برقم ٨٠٤.
[ ٧٠ ]
عرض الحجرة ست أو سبع أذرع، جدارها من الطين، وسقفها من جريد النخل، قصير حيث يناله كل من يقف، مغشاة من خارج بمسوح الشعر، لكي تكون وقاية من المطر، ولم يكن للباب مصراعان وإنما مصراع واحد من عرعر أو ساج (١)، إلا أنه لم يغلق على أحد ليوم واحد طوال الحياة.
وكان في جنب الحجرة مشربة أقام فيها الرسول - ﷺ - شهرا كاملا زمن الإيلاء (٢)، وكان جهاز بيت النبى - ﷺ - وأثاث حجرته محتويا على سرير وحصير، ووسادة من أدم حشوها ليف، وأهب معلقة، وقربة، وإداوة للماء والتمر، وقصعة لشرب الماء (٣).
ومما لا شك فيه أن مسكن النبي - ﷺ - كان منبعا للأنوار الربانية، ومنهلا للفيوض النبوية إلا أنه كان خاليا من المصابيح الدنيوية، فلم يكن هناك سراج ولا مصباح يضيئ البيت وينوره بالنور والضياء الظاهري (٤)، تقول عائشة (ض): «كان يأتي علينا على عهد رسول الله - ﷺ - أربعون ليلة ما يوقذ في بيت رسول الله - ﷺ - مصباح ولا غيره» (٥).
هذا ولم يكن في البيت أحد غير رسول الله - ﷺ - وعائشة (ض)، وبعد فترة جاءت جارية (بريرة (ض» اشترتها عائشة (ض) واشترطت أن يكون ولاؤها
_________________
(١) يراجع: الأدب المفرد للبخاري باب البناء ٢٧٢/ ١ برقم ٧٧٦، والطبقات الكبرى لابن سعد، وخلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي الباب الرابع الفصل الرابع، ووفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ١/ ٤٥٨.
(٢) سبق تخريج حديث الإيلاء، انظر: صحيح البخاري برقم ٢٤٦٨.
(٣) انظر: صحيح البخاري بأرقام ٤٩١٣، ٢٤٦٨، ٥٣٨٨، ٩٠٥.
(٤) تقول عائشة (ض): كنت أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصلاة برقم ٥١٣، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة برقم ٥١٢، والنسائي في سننه كتاب الطهارة رقم ١٦٨، ومالك في الموطأ كتاب النداء للصلاة برقم ٢٥٨.
(٥) أخرجه الطيالسي في مسنده ص ٢٠٧ رقم ١٤٧٢، كما أخرجه إسحاق بن راهويه ٢/ ٣٣٥ رقم ٨٩١.
[ ٧١ ]
لها (١). وفي بداية الأمر حينما لم تكن من أزواج النبي - ﷺ - إلا سودة وعائشة، كان - ﷺ - يبيت عند عائشة ليلة بعد ليلة، ولما تشرفت الأزواج المطهرات الأخريات بهذا الشرف، وأكرمهن الله تعالى به، وكبرت سودة (ض) جعلت يومها من رسول الله - ﷺ - لعائشة، فكان رسول الله - ﷺ - يقسم لعائشة يومين من تسعة أيام، يومها ويوم سودة (٢).
ولم يكن هناك اهتمام كبير بأمور البيت، ولم تعد لديهم حاجة إلى ذلك، وقلما يوقد في بيت رسول الله - ﷺ - نار، تحكي لنا عائشة (ض) حياتها اليومية ومعيشتها فتقول: «ما شبع آل محمد - ﷺ - من خبز بر مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله ﷿» (٣)، وكانت تقول: «ليأتي على آل محمد - ﷺ - الشهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا»، وفي رواية: «لقد كان يأتي على آل محمد - ﷺ - الشهر، ما يرى في بيت من بيوته الدخان» (٤)، «كانوا يعيشون على التمر والماء» (٥).
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري كتاب الصلاة برقم ٤٥٦، كتاب البيع بأرقام ٢١٥٥، ٢١٥٦، ٢١٦٨، كتاب الهبة رقم ٢٥٧٨، كتاب العتق برقم ٢٥٦٣، كتاب الشهادات برقم ٢٦٣٧، ٢٦٦١، كتاب الشروط رقم ٢٧١٧، وصحيح الإمام مسلم كتاب العتق برقم ١٥٠٤.
(٢) تنظر الأحاديث الواردة في هذا السياق في: صحيح البخاري كتاب الهبة برقم ٢٥٩٤ و٢٦٨٨، كتاب الشهادات، كتاب النكاح برقم ٥٢١٢، وصحيح مسلم كتاب الرضاع برقم ١٦٦٣، وسنن أبي داود كتاب النكاح برقم ٢١٣٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأطعمة رقم ٥٤٢٣، ومسلم في صحيحه كتاب الزهد والرقائق برقم ٢٩٧٠، وسنن النسائي كتاب الضحايا رقم ٤٤٣٢، وابن ماجه في سننه كتاب الأطعمة برقم ٣٣٤٤.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢١٧/ ٦ برقم ٢٥٨٦٧ و٢٣٧/ ٦ برقم ٢٦٠٤٦، والطيالسي في مسنده ص ٢٠٧، وقد ورد في صحيح البخاري كلمة «الشهر» كتاب الرقاق رقم ٦٤٥٨.
(٥) تقول عائشة (ض): كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا، إنما هو التمر والماء الحديث. كتاب الرقاق من صحيح البخاري برقم ٦٤٥٨، وفي رواية: قالت ردا على سؤال عروة ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء. (كتاب الرقاق برقم =
[ ٧٢ ]