إن العباقرة تبدو معالم عبقريتهم منذ نعومة أظفارهم في كل ما يصدر منهم من الأقوال والأفعال، وتتلمع آثار رفعتهم وعلامات سعادتهم على نواصيهم، تنبئ عن المستقبل الباهر والرائع لهم، وتوحي بأنهم يصنعون العظائم.
وأم المؤمنين عائشة (ض) كانت من هؤلاء العباقرة، فسيما الرفعة وعلو الدرجة والسعادة كان يلوح منذ صباها في سائر أعمالها وحركاتها، لكن كما
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصلاة برقم ٤٧٦ وكتاب الحوالة برقم ٢٢٩٨ وكتاب المناقب رقم ٣٩٠٦ وكتاب الأدب رقم ٦٠٧٩، والإمام أحمد في مسنده ٦/ ١٩٨ برقم ٢٥٦٦٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح برقم ٥١٠٣، ومسلم في صحيحه كتاب الرضاع برقم ١٤٤٥، والإمام أحمد في مسنده ١٧٧/ ٦ برقم ٢٥٤٨٢، والإمام مالك في الموطأ كتاب الرضاع رقم ١٢٧٩، والدارمي في سننه كتاب النكاح رقم ٢٢٤٨.
(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الحيض برقم ٣٢٠، والبخاري في صحيحه كتاب الغسل برقم ٢٥١، والنسائي في سننه كتاب الطهارة برقم ٢٢٧.
[ ٤١ ]
هو معروف فإن الطفل هو الطفل في فطرته وطبيعته، مهما بلغ أوج السعادة وقمة الشرف، فهو يحب اللعب نظرا لسن طفولته. وعائشة (ض) كذلك كانت تحب اللعب كثيرا، فكانت جواري الحي تجتمع عندها وتلعب معها، إلا أنها رغم هذه الطفولة وصغر السن لا يفوتها أن تراعي أدب النبي - ﷺ - في كل لحظة، وغالبا ما يحدث أن تكون ملهوفة على لعبها ومعها صواحبها إذ يأتيها النبي - ﷺ - فجأة، فتسرع في إخفاء اللعبة عنه، وتنقمع صواحبها، لكن الرسول الحبيب - ﷺ - الذي كان حنونا على الأطفال، محبا لهم، رؤوفا بهم، وشفيقا عليهم، يأمرهن أن يلعبن معها.
تقول عائشة إنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله - ﷺ -، قالت:
«وكانت تأتيني صواحبي، فكن ينقمعن من رسول الله - ﷺ -، فكان رسول الله - ﷺ - يسربهن إلي يلعبن معي» (١) وكان أحب اللعب إليها هو اللعب بالبنات والعرائس والأراجيح.
وذات مرة كانت تلعب بالبنات إذ جاءها الرسول - ﷺ -، ورأى بين البنات فرسا له جناحان من يمين وشمال، فسألها: ما هذا يا عائشة؟ فقالت: فرس، فقال: وهل يكون للفرس جناحان؟ فردت عليه مرتجلة: أما كانت لخيل سليمان (س) - أجنحة؟ فضحك الرسول - ﷺ - (٢) على هذا الرد الارتجالي المقنع، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على قوتها الفائقة الطبيعية في الإسراع في
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه باب في فضل عائشة برقم ٢٤٤٠، وابن حبان في صحيحه ١٧٣/ ١٣ برقم ٥٨٦٣ ط: مؤسسة الرسالة بيروت ١٤١٤ هـ، والبيهقي في السنن الكبرى باب ما جاء في اللعب ٢١٩/ ١٠، كما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الأدب برقم ٦١٣٠ وفيه «يتقمعن» بدل «ينقمعن».
(٢) مشكاة المصابيح باب عشرة النساء من كتاب النكاح برقم ٣٢٦٥، ٩٧٤/ ٢ تحقيق ناصر الدين الألباني، وقد رواه أبو داود في سننه باب في اللعب بالبنات برقم ٤٩٣٢ وفيه أن هذه الواقعة كانت عند رجوع النبي - ﷺ - من غزوة تبوك أو خيبر، وتبوك كانت في السنة التاسعة وخيبر كانت في السابعة من الهجرة، وعلى هذا فيكون سنها في ذاك الوقت ثلاث عشرة سنة أو خمس عشرة سنة. كما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢١٩/ ١٠.
[ ٤٢ ]
الجواب، والثقافة العالية التي كانت تتمتع بها، وسعة اطلاعها على الأمور الدينية، والذكاء المتوقد، وسرعة إدراك الأمور.
إن طبيعة الأطفال في كل عصر تكون واحدة حيث إنهم لا يبالون بشيء، ولا يهمهم أمر، ولا تلفت نظرهم قضية حتى السن السابعة والثامنة، ويكونون بعيدين كل البعد عن الأمور الفكرية. إلا أن السيدة عائشة (ض) قد اختلفت طبيعتها عن الآخرين في هذا الشأن، فنرى أنها كانت تحفظ كل ما حدث أيام طفولتها، وتخزنه في ذاكرتها، وتفقه من أحاديثه - ﷺ - ما تيسر لها أن تفقه، ثم ترويه، وتستخرج منه الأحكام، وتستنبط منه الجزئيات الفقهية، كما أنها كانت تشرح الحكم والمصالح من واقعات الطفولة الجزئية، حتى لو قرعت أذنيها آية من كتاب الله أثناء لعبتها فإنها كانت تذكرها.
تقول (ض): لقد أنزل على محمد - ﷺ - بمكة وإني لجارية ألعب ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] (١).
وعندما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة لم تكن عائشة تجاوزت الثامنة من عمرها لكنها كانت تفهم وتعي وتحسن الحفظ لأسرار وقائع الهجرة النبوية والجزئيات المتعلقة بها، ولم يدانها أحد من الصحابة في حفظ هذه الوقائع بالترتيب المسلسل كما حفظته هي (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه تفسير سورة القمر برقم ٤٨٧٦، وبرقم ٤٩٩٣ باب تأليف القرآن.
(٢) يراجع أبواب الهجرة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما.
[ ٤٣ ]
الفصل الأول