معاملتها مع الضرائر والأقارب
لا يوجد شيء في حياة امرأة أشد مرارة وأنكى جرحا من وجود ضرة لها، وكانت عائشة (ض) لها ثماني ضرائر، ولكن حياتهن كلها كانت صافية نظيفة، لم يعكر صفوها شيء من الحقد أو الشحناء، وذلك لما أكرمهن الله تعالى بنبيه محمد - ﷺ - ورفع من مكانتهن وأعظم من شأنهن.
وكان جملة من تزوج بهن الرسول - ﷺ - بعد أم المؤمنين خديجة الكبرى (ض) عشر نساء، وقد كان زواجه - ﷺ - بهؤلاء النسوة في مناسبات مختلفة، ولعدد من الأسباب والمصالح. ومن ضمنها كانت أم المساكين زينب بنت خزيمة (ض)، التي تشرفت بالزواج بالنبي - ﷺ - في سنة ٣هـ، وعاشت شهرين أو ثلاثة أشهر فقط، أما التسع البواقي فقد قدر لهن العيش إلى ما بعد وفاة النبي - ﷺ -، والجدول الآتي يوضح سنوات زواج أمهات المؤمنين بالنبي - ﷺ -، وبهذا تتبين لنا الفترة التي عايشت فيها عائشة (ض) صويحباتها وضرائرها.
أسماء أمهات المؤمنين سنة زواجهن
١ - سودة بنت زمعة السنة العاشرة من البعثة.
٢ - حفصة بنت عمر الفاروق السنة الثالثة من الهجرة.
٣ - أم سلمة السنة الرابعة من الهجرة.
٤ - جويرية (من أثرياء قبيلة بني المصطلق) السنة الخامسة من الهجرة.
٥ - زينب بنت جحش القرشية السنة الخامسة من الهجرة.
٦ - أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان السنة السادسة من الهجرة.
٧ - ميمونة السنة السابعة من الهجرة.
٨ - صفية السنة السابعة من الهجرة.
١ - أم المؤمنين خديجة (ض) هذا وقد كان النبي - ﷺ - رزق حب أم
[ ١٠٤ ]
المؤمنين خديجة (ض)، وكان لها مكانة رفيعة في قلبه - ﷺ -، وكان دائما يذكرها بالخير عند عائشة (ض) - رغم أنها انتقلت إلى رحمة الله تعالى قبل زواجه - ﷺ - بعائشة (ض) - فكانت تغار عليها غيرة لم تنطو على مثلها لشريكاتها اللواتي يعشن معها، لأنها شغلت قلب النبي - ﷺ - بعد وفاتها، فلم يزل يذكرها ويحب لحبها من كان يزورها أو يراها، وكان شديد الكلف بها والتطلع إليها، تقول عائشة (ض): «ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتوزجني، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن» (١).
وكل ما سجلته لنا كتب الأحاديث من مآثر وخدمات أم المؤمنين خديجة (ض) الدينية والدعوية؛ من مواساتها للنبي - ﷺ - ومساعدتها له ومؤازرتها إياه، كل ذلك مروي عن طريق عائشة (ض).
٢ - سودة (ض): وقد تزوج الرسول - ﷺ - عائشة وسودة في الوقت نفسه تقريبا، بفارق يسير من التقديم والتأخير، إلا أن دخوله بعائشة (ض) قد تأخر إلى ما بعد الهجرة، حيث إنها بقيت في بيت أمها بمكة لمدة ثلاث سنوات ونصف سنة تقريبا، وفي هذه الفترة (فترة تأخير بنائه بعائشة) كانت سودة (ض) هي الزوجة الوحيدة للنبي - ﷺ -. فلما بنى الرسول - ﷺ - بعائشة (ض) في سنة ١هـ كانت سودة (ضرتها) موجودة، وكان من المتوقع أن تكون هذه الفترة فترة المنافسة بينهما، ونيل الحقوق دون مشاركة غيرها، إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك كليا، فكل ما حدث في هذه الفترة يدل على وحدتهما ومودتهما وإخلاصهما ووفائهما، بل كانت سودة (ض) صديقة لعائشة ورفيقتها في الأمور المنزلية (٢)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب بأرقام ٣٨١٦، ٣٨١٧، ٣٨١٨، وكتاب النكاح برقم ٥٢٢٩، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٣٥، والترمذي في سننه كتاب البر والصلة برقم ٢٠١٧، وكتاب المناقب برقم ٣٨٧٥، وابن ماجه في سننه كتاب النكاح برقم ١٩٩٧. [هلكت: ماتت].
(٢) انظر: صحيح البخاري كتاب الطلاق رقم ٥٢٦٨ قصة العسل، وفيها: قالت عائشة: فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلت مغافير الحديث.
[ ١٠٥ ]
ولما كبرت سودة (ض) وأسنت فرقت أن يفارقها الرسول - ﷺ - وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله - ﷺ - لعائشة فوهبت يومها لها، فقبل ذلك رسول الله - ﷺ - منها (١).
كانت عائشة (ض) تمدح سودة كثيرا وتقول: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في سلاخها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة (٢).
٣ - حفصة (ض): وأم المؤمنين حفصة (ض) دخلت في كنف الرسول - ﷺ - في السنة الثالثة من الهجرة، وعاشتا معا في ظل حبيبهما المصطفى - ﷺ - حوالي ثماني سنوات، فإحداهما كانت فلذة كبد أبي بكر الصديق (ض)، والأخرى كانت قرة عين عمر الفاروق (ض)، كانت حياتهما نموذجا حيا صادقا للتوادد والتلاطف والتحابب، يكون لهما رأي (٣) واحد في الأمور المنزلية، وكانتا أصدق صديقتين تتفقان وتتكاشفان كلما وقع الخصام في بيت النبي - ﷺ -، وتؤيد إحداهما الأخرى في كل الأمور بإزاء غيرهما من أزواج النبي - ﷺ -، ومع ذلك كله فبسبب نطاق الحب ودائرة العشق لا تكاد تتحمل فيه الواحدة الأخرى ولا ترضى بقسمة هذا الجوهر الغالي في غيرها، لما فيها من المنافسة والغيرة على أترابها كما قال الشاعر:
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري كتاب النكاح برقم ٥٢١٢، وصحيح الإمام مسلم كتاب الرضاع برقم ١٤٦٣ ومستدرك الحاكم ٢٠٣/ ٢ برقم ٢٧٦٠، وسنن سعيد بن منصور ١٤٠١/ ٤ برقم ٧٠٢، وسنن البيهقي الكبرى ٧٤/ ٧ برقم ١٣٢١٢ و٢٩٧/ ٧ برقم ١٤٥١٣
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الرضاع برقم ١٤٦٣، وابن حبان في صحيحه ١٢/ ١٠ برقم ٤٢١١، والبيهقي في السنن الكبرى ٧٤/ ٧ برقم ١٣٢١١، والنسائي في السنن الكبرى ٥/ ٣٠١ برقم ٨٩٣٤، وإسحاق بن راهويه في مسنده ٢٠٧/ ٢ برقم ٧١٢.
(٣) يتبين اتحادهما في الرأي واتخاذهما موقفا واحدا في كل القضايا بما ورد في الأحاديث الصحيحة في قصة الهدايا وحادث التحريم والإيلاء، تقول عائشة في قصة العسل: فتواصيت أنا وحفصة (صحيح البخاري كتاب الطلاق برقم ٥٢٦٧)، وفي سنن الترمذي عن صفية بنت حيي قالت: دخل علي رسول الله - ﷺ - وقد بلغني عن عائشة وحفصة كلام الحديث، (كتاب المناقب برقم ٣٨٩٢، وكذلك سنن النسائي كتاب عشرة النساء برقم ٣٩٥٨ و٣٩٥٩).
[ ١٠٦ ]
«باسايه ترانمي بسندم»
«حتى ظلك فإني أغار عليه»
وما كانت تتوقف هذه المنافسة بينهما حتى في السفر، وإلى هذا يشير حديث عائشة الآتي:
«إن النبي - ﷺ - كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي - ﷺ - إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك، تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبت، فجاء النبي - ﷺ - إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجلها بين الإذخر وتقول: يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئا» (١).
٤ - أما أم سلمة (ض): فكانت هي التي امتازت بصفات عالية من العقل وقوة الإدراك وملكة في الفهم وبعد في النظر بين أزواج النبي - ﷺ - بعد عائشة (ض)، ومشورتها التاريخية التي أشارت بها على النبي - ﷺ - في صلح الحديبية بخصوص (٢) نحر الهدي لتستحق أن تسجل بأحرف من الذهب،
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كتاب النكاح حديث رقم ٥٢١١، وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة رقم ٢٤٤٥.
(٢) وذلك أن النبي - ﷺ - لما فرغ من كتابة المعاهدة أمر أصحابه بالنحر والحلق، قال ذلك ثلاث مرات، فلم يقم منهم أحد، فدخل رسول الله - ﷺ - على أم سلمة (ض) وهو شديد الغضب، فقالت: ما لك يا رسول الله؟ مرارا وهو لا يجيبها، ثم ذكر لها ما لقي من الناس وقال لها: «هلك المسلمون، أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا، وفي لفظ قال: عجبا يا أم سلمة، ألا ترين إلى الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه، قلت لهم انحروا واحلقوا ثم أشارت عليه - ﷺ - أن يخرج ولا يكلم أحدا منهم، وينحر بدنه ويحلق رأسه، ففعل، فلما رأى الناس رسول الله - ﷺ - قد نحر وتحلق، تواثبوا ينحرون ويحلقون». انظر تفاصيل الروايات والأحاديث الواردة في الموضوع: صحيح ابن حبان ١١/ ٢٢٥ برقم ٤٨٧٢، سنن البيهقي الكبرى ٥/ ٢١٥ برقم ٩٨٥٦، مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٣٨٣ برقم ٣٦٨٤٠، مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٤٠، مسند الإمام أحمد ٤/ ٣٢٥، المعجم الكبير للطبراني ٢٠/ ١٤ برقم ١٣.
[ ١٠٧ ]
وتبقى تذكارا رائعا في تاريخ النساء. ودرجتها في فهم المسائل، ومكانتها في استنباط الأحكام الفقهية بعد عائشة (ض) (١)، ولذلك نراها قد احتلت مرتبة رفيعة لدى النبي - ﷺ - رغم كبر سنها، ولم يعكر صفاء علاقتها مع عائشة طوال هذه الفترة إلا حادث واحد بسيط فقط، وهو ما حكته لنا عائشة (ض) تقول: اجتمع صواحبي إلى أم مسلمة، فقلن: يا أم سلمة والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله - ﷺ - أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان، أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أم مسلمة للنبي - ﷺ - قالت (أم مسلمة): فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له، فقال: «يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها» (٢).
٥ - وأما جويرية (ض): فلم تذكر لنا كتب الأحاديث والسير أي خلاف بينها وبين عائشة (ض)، سوى أن عائشة قد انبهرت بجمالها لما رأتها لأول وهلة، ولنسمع وصفها بلسان عائشة تقول: وكانت امرأة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينا النبي - ﷺ - عندي إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي - ﷺ -، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت الحديث (٣). فخافت عائشة على نفسها علها تسبب نقصان مرتبتها، والتقليل من مكانتها وأهميتها، وسرعان ما زاحت هذه الفكرة وزالت هذه الوسوسة، وثبت أن ذلك كان خطأ، إذ لم تكن أسباب مكانتها العالية، وعظم مرتبتها وسمو درجتها ورفعتها ذاك الجمال الظاهري أو الحسن الرائع الذي يبهر العقول ويجلب النفوس.
_________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٩٢ - ٨٦.
(٢) صحيح البخاري كتاب المناقب برقم ٣٧٧٥، سنن الترمذي كتاب المناقب برقم ٣٨٧٩، سنن النسائي كتاب عشرة النساء برقم ٣٩٥٠.
(٣) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ترجمة جويرية ٨/ ١١٧ - ١٦١، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٨/ ٤ برقم ٦٧٨١.
[ ١٠٨ ]
٦ - أم المؤمنين زينب بنت جحش (ض): كانت بنت عمة الرسول - ﷺ -، أبية، أنوفة، فيها شيء من الحدة من أجلها فارقها زوجها الأول، كانت (ض) أقرب النساء قرابة من رسول الله - ﷺ -، ولذلك فإنها كانت تعتبر نفسها أحق وأجدر بالاحترام، والاهتمام من غيرها من الأزواج.
تقول عائشة (ض) وهي تصفها: «وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله - ﷺ -» (١) وقد أرسلها بعض الأزواج إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلتني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت (عائشة): ثم وقعت بي، فاستطالت علي، وأنا أرقب رسول الله - ﷺ -، وأرقب طرفه، هل يأذن لي فيها، قلت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله - ﷺ - لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحيت عليها، قالت: فقال رسول الله - ﷺ - إنها ابنة أبي بكر (٢).
ولما كان النبي - ﷺ - يعتكف في العشر الأواخر من رمضان يضرب له الخباء، فيدخله - ﷺ -، وكانت عائشة أيضا يضرب لها الخباء في فناء المسجد، وذات مرة ضرب لها الخباء، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي - ﷺ - رأى الأخبية، فقال: ما هذا؟ فأخبر، فقال: آلبر تردن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال وفي رواية مسلم «فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان » (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات برقم ٢٦٦١، وكتاب المغازي ٤١٤١، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٤٢.
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه باب فضل عائشة برقم ٢٤٤١، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٩٩/ ٧ برقم ١٤٥٢٦، والنسائي في السنن الكبرى ٥/ ٢٨١ برقم ٨٨٩٢، وأحمد في مسنده ٨٨/ ٦ برقم ٢٤٦١٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الاعتكاف برقم ٢٠٤١، ومسلم في صحيحه كتاب الاعتكاف برقم ١١٧٣، وأبو داود في سننه كتاب الصوم برقم ٢٤٦٤، والنسائي في سننه كتاب المساجد برقم ٧٠٩، وابن ماجه في سننه كتاب الصيام برقم ١٧٧١.
[ ١٠٩ ]
وذات ليلة جاءت زيب إلى بيت عائشة - ولم يكن يومئذ مصباح في
البيوت - إذ دخل النبي - ﷺ - فمد يده إليها، فقالت عائشة (ض): هذه زينب، فكف النبي - ﷺ - يده فتقاولتا، حتى استخبتا وأقيمت الصلاة، فمر أبو بكر على ذلك فسمع أصواتهما فقال: اخرج يا رسول الله إلى الصلاة، واحث في أفواههن التراب، فخرج النبي - ﷺ -، فقالت عائشة: الآن يقضي النبي - ﷺ - صلاته فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل، فلما قضى النبي - ﷺ - صلاته أتاها أبو بكر فقال لها قولا شديدا، وقال: أتصنعين هذا (١)؟.
ولا يظنن ظان من هذه القصص أن قلوبهن لم تكن صافية تجاه ضرائرهن وصواحبهن، فكانت العلاقات بينهن على أحسن ما تتسنى العلاقات بين أناس تجمعهم معيشة واحدة، فعائشة وزميلاتها كن يغرن ويتنافسن لا محالة كما تغار النساء في كل مكان، ولكنهن لم ينسين قط أنهن نساء نبي يتأدبن بأدبه، ويتطلعن إلى رضاه، وكل ما روي لنا من غيرة زوجات النبي إن ذكرنا أنهن نساء من طينة الأنوثة الخالدة، فلن ينسينا أنهن نساء نبي يتأدبن بأدبه ولا يجاوزن بالغيرة ما يجمل بهن في كنفه ورعايته، وإن تسع أخوات شقيفات من أب واحد وأم واحدة ليقع بينهن من شحناء الغيرة إذا اجتمعن في بيت أسرتهن أضعاف ما روي لنا من غيرة زوجات النبي - ﷺ - في عشرتهن الطويلة.
ومما لا مراء فيه أن شرف الصحبة يجعل الإنسان يحتل مكانة عالية مرموقة ودرجة سامية، ولكنه لا يغير من طبيعته وجبلته شيئا، كذلك حال المرأة فإنها بطبيعتها وفطرتها لا ترضى بأن تشاركها واحدة أخرى في حبها، ولا تقبل فيه أية قسمة، لكن حال زوجات النبي - ﷺ - تختلف عن عامة النساء، فكن يحمن حول حمى المصباح الوحيد - وهو مصباح حب النبي - ﷺ - - بينما قلوب جميعهن كانت تستضيء من سراج واحد، وتستنير من مصباح واحد، ورغم ذلك كله كن نموذجا رائعا ومثالا نادرا للملاطفة والمداراة والتحابب فيما بين الضرائر، سوى
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الرضاع برقم ١٤٦٢. [الاستخاب: ارتفاع الأصوات].
[ ١١٠ ]
ما روي عنهن في بعض الأحوال الاستثنائية والمواضع العاطفية.
وهذه زينب بنت جحش (ض) لما بنى بها النبي - ﷺ - هنأتها عائشة (ض) وباركتها (١).
ولما حاولت بعض القلوب المنافقة الحاقدة اتهام عائشة (ض) في حادث الإفك شاركتهم حمنة بنت جحش - شقيقة زينب - في هذه المؤامرة، إلا أن زينب (ض) لم تزل قدماها عن طريق الصواب قيد شبر لأية لحظة، وظلت على موقفها ثابتة، ولما سألها الرسول - ﷺ - عن أمر عائشة (ض): يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟ فاستعاذت بالله وقالت: «أحمي سمعي وبصري؛ والله ما علمت إلا خيرا»، وقد كان بوسعها أن تقول في هذه المناسة ما تقوله الضرة المحنقة، وتسقط قرينتها وتخسرها بكلمة واحدة، لكن شرف صحبة المصطفى - ﷺ - جعلها أعلى وأرفع بكثير من هذه الدنايا، فلم ينبس فمها بكلمة باطل، ولذلك نرى عائشة (ض) كانت تذكرها بكلمات من الشكر والامتنان، وتقول: «فعصمها الله بالورع» (٢).
ومرة كان رسول الله - ﷺ - في سفر فاعتل بعير لصفية، وفي إبل زينب فضل من الإبل، فقال رسول الله - ﷺ - لزينب: «إن بعير صفية قد اعتل فلو أنك أعطيتها بعيرا؟ قالت: أنا أعطي تلك اليهودية، فغضب رسول الله - ﷺ - فتركها شهرين أو ثلاثا حتى رفعت سريرها، وطنت أنه لا يرضى عنها، قالت: فإذا أنا بظله يوما بنصف النهار، فدخل رسول الله - ﷺ -، فأعادت سريرها» (٣).
_________________
(١) أخرج البخاري في صحيحه عن أنس (ض) قصة بناء النبي - ﷺ - بزيب وفيها: فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدث أهلك بارك الله لك الحديث (كتاب تفسير القرآن برقم ٤٧٩٣).
(٢) يراجع: صحيح البخاري كتاب الشهادات برقم ٢٦٦١، صحيح الإمام مسلم كتاب التوبة برقم ٢٧٧٠.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه مختصرا باب ترك السلام على أهل الأهواء برقم ٤٦٠٢، وأحمد في مسنده ١٣١/ ٦ برقم ٢٥٠٤٦ و٢٦١/ ٦ برقم ٢٦٢٩٣، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٣/ ٤، والطبراني في المعجم الأوسط ٩٩/ ٣ رقم ٢٦٠٩، وفي الكبير =
[ ١١١ ]
مما لا شك فيه أن ذكر محاسن الأموات ومآثرهم يمنح حياتهم الخلقية الدوام والسرمدية وعائشة (ض) كانت خير مثال لذكر محاسن ضرائرها وقريناتها، تقول (ض): قال رسول الله - ﷺ - لأزواجه: أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا، قالت: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة الرسول - ﷺ - نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي - ﷺ - وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي - ﷺ - إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله. (١).
وقد سبق أن ذكرنا ما حدث ذات مرة بين عائشة وزينب (ض) ووصل الأمر إلى غاية الضيق والكره والاستياء، وها هي عائشة (ض) تحكي لنا تلك القصة المرة بأسلوب حلو غني بالحب والإخلاص، لا يشوبه شيء من الحقد أو الكره أو الاشمئزاز، فهي تسرد القصة وتمدحها، تقول (ض): «فأرسل أزواج النبي - ﷺ - زينب بنت جحش زوج النبي - ﷺ - وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله - ﷺ -، ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من
_________________
(١) = ٢٤/ ٧١ برقم ١٨٨، قلت: ذكر المؤلف أن زينب بنت جحش لما وجد عليها الرسول - ﷺ - (لمخاطبتها صفية باليهودية) طلبت من عائشة التدخل في الموضوع وإرضاء الرسول - ﷺ - ففعلت عائشة ذلك، وعزاه إلى مسند الإمام أحمد ٦/ ٩٥، لكن تبين بمراجعة مسند الإمام أحمد وغيره من كتب المسانيد والسنن أن التي طلبت من عائشة التدخل في الموضوع هي صفية لما وجد عليها الرسول - ﷺ - لأمر ما، وليست زينب. وها هو نص رواية أحمد: عن عائشة (ض) أن رسول الله - ﷺ - وجد على صفية بنت حيي فى شيء، فقالت: يا عائشة أرضي عني رسول الله - ﷺ - ولك يومي، فقالت: نعم، فأخذت خمارا لها مصبوغا بزعفران فرشته بالماء ليفوح ريحه، فقعدت إلى جنب رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ - إليك يا عائشة، إنه ليس يومك، قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واخبرته بالأمر، فرضي عنها (منسد الإمام أحمد ٦/ ٩٥ برقم ٢٤٦٨٤، السنن الكبرى للنسائي ٥/ ٣٠٠ برقم ٨٩٢٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة مختصرا برقم ٢٤٥٢، وابن حبان في صحيحه ١٠٨/ ٨ برقم ٣٣١٤، والحاكم في المستدرك ٢٦/ ٤ برقم ٦٧٧٦، والطبراني في الأوسط ٢٣٣/ ١ برقم ٦٢٧٦.
[ ١١٢ ]
زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حد كانت فيها، تسرع منها الفيئة » (١) الحديث.
٧ - أما أم المؤمنين أم حبيبة (ض)، فلم تسجل لنا كتب الأحاديث عنها شيئا في تعاملها مع عائشة (ض) بالموافقة أو بالمخالفة، إلا أن كتب أسماء الرجال تنص على أنها استدعت عائشة (ض) عند وفاتها فقالت: قد كان ويكون بيننا وبين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت (القائلة هي عائشة): غفر الله لك ذلك كله، وتجاوز، وحللك من ذلك، فقالت (أم حبيبة): سررتني سرك الله (٢).
٨ - وكذلك أم المؤمنين ميمونة (ض) لم تذكر لنا كتب الأحاديث شيئا من تعاملها مع عائشة (ض)، وقد ثبت في كتب الرجال أنها لما ماتت قالت عنها عائشة (ض): أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم (٣).
٩ - أما صفية بنت حيي (ض) فقد نالت شرف صحبة النبي - ﷺ - وحظيت بالبقاء في كنفه لمدة ثلاث سنوات فقط، وكانت مختلفة عن بقية أمهات
المؤمنين، لأنها كانت من خيبر ومن أسرة يهودية، تزوجها رسول الله - ﷺ - في خيبر، فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله - ﷺ - فعثرت الناقة العضباء وندر رسول الله - ﷺ - فقام فسترها، وقد أشرفت النساء فقلن: أبعد الله اليهودية (٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه باب في فضل عائشة برقم ٢٤٤٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٩٩/ ٧ رقم ١٤٥٢٦، والنسائي في السنن الكبرى ٥/ ٢٨١ رقم ٨٨٩٢، والطبراني في الأوسط ٨٨/ ٩ رقم ٩٢١١.
(٢) أحال المؤلف إلى طبقات ابن سعد ٨/ ١٠٠ فقط، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٤/ ٤ رقم ٦٧٧٣، كما ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢٢٣/ ٢، وابن حجر في الإصابة ٦٥٣/ ٧.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٤ رقم ٦٧٩٩، وابن سعد في الطبقات ١٣٨/ ٨، والحارث في مسنده ١/ ١٣ برقم ٤٥٥، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٩٧/ ٤، والذهبي في السير ٢٤٤/ ٢ وابن حجر في الإصابة ١٢٨/ ٨.
(٤) صحيح الإمام مسلم باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها رقم ١٣٦٥، والبخاري في صحيحه كتاب النكاح، برقم ٥٠٨٥، ٥١٥٩.
[ ١١٣ ]
فلما قدم رسول الله - ﷺ - من خيبر ومعه صفية أنزلها في بيت من بيوت حارثة بن النعمان، فسمع بها نساء الأنصار وبجمالها فجئن ينظرن إليها، وجاءت عائشة متنقبة حتى دخلت، فعرفها، فلما خرجت خرج رسول الله - ﷺ - على إثرها، فقال: كيف رأيتها يا عائشة؟ قالت: رأيت يهودية، قال: لا تقولي هذا يا عائشة، فإنها قد أسلمت وحسن إسلامها (١).
وقد عرفت أم المؤمنين صفية (ض) بجودة الطهي فنفست عليها السيدة عائشة هذه الإجادة، ولم تكتم غيرتها عليها، بل هي التي روتها، ومن حديثها عنها عرفناها، قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية، أهدت إلى النبي - ﷺ - إناء فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت النبي - ﷺ - عن كفارته فقال: «إناء كإناء وطعام كطعام» (٢). وفي رواية البخاري: فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول القصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة (٣).
كانت صفية (ض) قصيرة القامة، فذات مرة قالت عائشة لرسول الله - ﷺ -: حسبك من صفية كذا وكذا - تعني قصيرة - فقال - ﷺ - «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، قالت: وحكيت له إنسانا، فقال: ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا» (٤). والدليل على أن هذه المشاعر تجاه الضرة كانت
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ١٢٦/ ٨، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢٢٧/ ٢.
(٢) أخرجه النسائي في سننه برقم ٣٩٥٧، وفي السنن الكبرى ٥/ ٢٨٦ برقم ٨٩٠٥، وأحمد في مسنده ١٤٨/ ٦ برقم ٢٥١٩٦، هذا وقد اختلفت ألفاظ الرواية من كتاب إلى كتاب، وتتبين صورة القصة بأكملها عند جمع سائر الروايات.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المظالم برقم ٢٤٨١، والترمذي في سننه كتاب الأحكام برقم ١٣٥٩، والنسائي في سننه كتاب عشرة النساء برقم ٣٩٥٥، وأبو داود كتاب البيع برقم ٣٥٦٧، وقد استنبط الفقهاء من هذا الحديث أصلا عظيما من أصول الفقه الإسلامي ألا وهو كيفية أداء الضمان.
(٤) أخرجه الإمام أبو داود في سننه باب الغيبة برقم ٤٨٧٥، والترمذي كتاب صفة القيامة برقم ٢٥٠٢، والمنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٣٢٧ برقم ٤٢٨٦.
[ ١١٤ ]
مؤقتة زائلة أن صفية (ض) كانت من حزب عائشة (ض) ومؤيدة لها في كل الأمور.
هذا وقد تبين لنا في ضوء ما قدمنا مدى اهتمام عائشة (ض) بصواحبها وضرائرها واحترامها إياهن وتوقيرهن، والنظر إليهن بنظرة العزة والإكرام والتعامل معهن بأقصى درجات اللطف والإخلاص والعدل، كما عرفنا كيف كانت تستقبلهن برحابة الصدر وسعة القلب، وتذكرهن بالخير، وتثني عليهن وعلى محاسنهن، وتسرع إلى التوبة والرجوع إلى الله إذا صدر منها خطأ نظرا إلى الطبيعة البشرية، ولم يكن من عادتها أنها هي التي تبدأ الهجوم على ضرائرها في أمر ما، نعم إذا بادرت واحدة بالهجوم عليها فإنها كذلك لا تلزم الصمت، ومع ذلك كله فإنها تثني على كل واحدة وتمدحهن.