هذا هو المبحث الأخير في باب العلاقات الزوجية، وما مر معنا من القصص والوقائع التي تدل على غاية الحب والمودة، ربما يخطر منها على بال البليد القليل الفطنة أن النبي - ﷺ - كان يغفل عن واجب النبوة في بيته، وحسبنا في الرد على ذلك قول عائشة (ض): كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة (٢).
ولما رجع الرسول - ﷺ - من غزوة تبوك فاتحا استقبلته عائشة (ض) وعلقت درنوكا فيه تماثيل فأمرها - ﷺ - أن تنزعه فنزعته (٣).
وذات ليلة كان - ﷺ - عند عائشة إذ خرج فجأة فانطلقت عائشة (ض) في إثره حتى جاء البقيع، فرفع يديه ثلاث مرات فأطال ثم انصرف، فانصرفت عائشة (ض)، تقول: فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت وسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت، فدخل فقال: مالك يا عائشة حشيا رابية؟ قالت: لا، قال: لتخبرينني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قلت:
_________________
(١) يراجع تفصيل القصة في صحيح البخاري كتاب الحج بالأرقام التالية: ١٥٥٦، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٨٦، وفي صحيح الإمام مسلم كتاب الحج برقم ١٢١١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأدب باب كيف يكون الرجل في أهله برقم ٦٠٣٩، وكذلك في كتاب النفقات برقم ٥٣٦٣ وكتاب الأذان برقم ٦٧٦، والإمام الترمذي في سننه كتاب صفة القيامة والرقائق برقم ٢٤٦٨.
(٣) يراجع: صحيح البخاري كتاب اللباس بأرقام ٥٩٥٤، ٥٩٥٦، والإمام الترمذي نحوه في سننه كتاب مفة القيامة والرقائق برقم ٢٤٨٦، والنسائي في سننه كتاب الزينة برقم ٥٣٥٢.
[ ١٠١ ]
يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته الخبر (١).
وذات مرة استأذن رهط من اليهود على رسول الله - ﷺ - فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله - ﷺ -: يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله (٢)، وفي رواية لمسلم: «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا
يعطي على ما سواه» (٣).
هذا وبالرغم من أن الإسلام قد أباح الحرير والذهب للنساء، لكن النبي - ﷺ - لا تعجبه مظاهر التنعم والعيش الهنيء والتزين الفاخر، فيكره أن يرى مثل هذا التنعم في بيته، تقول عائشة: «إن رسول الله - ﷺ - رأى عليها مسكتي ذهب فقال: ألا أخبرك بما هو أحسن من هذا، لو نزعت هذا، وجعلت مسكتين من ورق ثم صفرتهما بزعفران، كانتا حسنتين» (٤).
وتقول (ض): نهانا رسول الله - ﷺ - عن خمس: لبس الحرير والذهب (٥) والشرب في آنية الذهب والفضة، والميثرة الحمراء، ولبس القسي، فقالت له: يا رسول الله شيء رقيق من الذهب يربط به المسك أو يربط به، قال: «لا،
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الجنائز برقم ٩٧٤، والإمام النسائي في سننه كتاب الجنائز باب الأمر بالاستغفار للمؤمنين برقم ٢٠٣٧ والإمام الترمذي في سننه كتاب الصوم برقم ٧٣٩، وابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها برقم ١٣٨٩.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب السلام برقم ٢١٦٥، والبخاري في صحيحه كتاب الأدب برقم ٦٠٢٤ - ٠٦٠٢٥ والترمذي في سننه كتاب الاستئذان برقم ٢٧٠١.
(٣) صحيح الإمام مسلم كتاب البر والصلة برقم ٢٥٩٣.
(٤) أخرجه الإمام النسائي في سننه كتاب الزينة برقم ٥١٤٣، وفي السنن الكبرى ٥/ ٤٣٦ برقم ٩٤٤٤، كما ذكره أبو المحاسن يوسف بن عيسى الحنفي في معتصر المختصر ٢١٣/ ٢.
(٥) لقد أباح الإسلام الذهب والحرير للنساء، ويدل عليه أحاديث صحيحة وصريحة، ولعل هذا المنع كان خاصا بأمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، أو أن المقصود بالمنع هو الإفراط والغلو في استعمالهما، والله اعلم. قلت: أو أن النهي للكراهة لا للتحريم (الناشر).
[ ١٠٢ ]
اجعليه فضة وصفريه بشيء من زعفران» (١).
كان النبي - ﷺ - دائما يعلم أهله الخلق الحسن ويربيهم على الصفات الفاضلة والأخلاق الطيبة النبيلة، وقد سبق أن ذكرنا بعض الأمثلة على ذلك، وها هي أم المؤمنين عائشة (ض) تحكي لنا قصة شاة أكلت رغيفها، فماذا كان تعليم النبي - ﷺ - لها، تقول: إنه كانت ليلتي معه، فطحنت شيئا من شعير فجعلت له قرصا، فدخل فرد الباب، وكان إذا أراد أن ينام أغلق الباب وأوكأ القربة وأكفأ القدح وأطفأ المصباح، فانتظرته أن ينصرف فأطعمه القرص، فلم ينصرف حتى غلبني النوم، وأوجعه البرد فأتاني فأقامني ثم قال: أدفئيتي أدفئيتي، فقلت له: إني حائض، فقال: وأن اكشفي عن فخذيك، فكشفت له عن فخذي، فوضع خذه ورأسه على فخذي حتى دفئ، فأقبلت شاة لجارتنا داجنة، فدخلت ثم عمدت إلى القرص فأخذته، ثم أدبرت به، قالت: وقلقت عنه واستيقظ النبي - ﷺ -، فبادرتها إلى الباب، فقال النبي - ﷺ -: «خذي ما أدركت من قرصك ولا تؤذي جارك في شاته» (٢).
وكان العرب قد تعودوا على أكل الضب، ولكن النبي - ﷺ - كان يكرهه، فأهدي إليه لحمه ذات مرة فلم يأكله فقالت عائشة (ض): ألا نطعمه المساكين؟ قال: لا تطعموهم مما لا تأكلون (٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢٢٨/ ٦ رقم ٢٥٩٥٣.
(٢) أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد ٥٤/ ١ رقم ١٢٠ وقال: ضعيف الإسناد.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/ ١٤٣ برقم ٢٥١٥٣ و١٢٣/ ٦ برقم ٢٤٩٦١، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٣/ ٣ باب فيمن تصدق بما يكره، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٢٥/ ٩ برقم ١٩٢٠٨، والطبراني في المعجم الأوسط ٢١٣/ ٥ رقم ٥١١٦.
[ ١٠٣ ]