لقد أخطأ بعض المفسرين فى تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] إذ قالوا إن معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ إن رجعتما إلى الله فهو واجب، لأن قلوبكما قد زاغت، وهذا المعنى لا يصح لثلاثة وجوه:
_________________
(١) = شائع منها بمحرم عليه تأبيدا بوصف لا يمكن زواله (الفقه على المذاهب الأربعة).
(٢) انظر قصة الإيلاء في صحيح البخاري كتاب الطلاق برقم ٤٩١٣/ ٥١٩١، وصحيح مسلم كتاب الطلاق برقم ١٤٧٩ وفيه قول عمر بعد ذكر الآية: «فكنت أنا أستنبطت ذلك الأمر».
[ ١٤٥ ]
١ - لأن هذه جملة شرطية حذف جزاؤها، والجزاء المحذوف في تقديري كلمة «فلا بأس» لا كما قدره المفسرون وهو «فهو واجب» والملمون بقواعد اللغة العربية يعرفون تمام المعرفة أنه إذا حذف الجزاء بعد «إن» الشرطية، وذكرت علة الجزاء بـ «فقد» فيكون الجزاء المقدر دائما هو كلمة «لا بأس» أو «لا حرج» أو «لا ضير» أو «فهو هين» وقد ورد في شعر العرب، وفي القرآن الكريم نفسه أمثلة كثيرة من ذلك (١).
٢ - ولا يصح أن تترجم كلمة «صغت» بـ «زاغت» لأن عائشة (ض) وبقية أمهات المؤمنين حاشاهن أن تزيغ قلوبهن أو تضل.
هذا ويوجد في اللغة الأردية مفهومان:
١ - الانحراف عن الشيء.
٢ - الميلان إلى الشيء.
أما في اللغة العربية فيعبر عن هذين المفهومين ثلاثة أنواع من الكلمات:
الأول: الذي يدل على المعنى الأول مثل: انحرف، زاغ، حاد. الثاني: الذي يدل على المعنى الثاني مثلا: زاغ؛ تاب، التفت، توجه.
الثالث: الذي يدل على المعنى الأول والثاني معا مثلا: مال، شغل، عدل، رجع.
فكلمة «صغى» استعملت للمعنى الثاني، إلا أن بعض المفسيرين قد أرادوا به المعنى الثالث، ومعظمهم استخدموه للمعنى الأول، وهذا من الأخطاء الأدبية الفادحة، التي لا تستند إلى أي دليل أو برهان في أساليب
_________________
(١) ومن تلك الأمثلة: أ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٨٤]. ب - ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [سورة التوبة: ٤٠]. ج - ﴿إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. د - ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩].
[ ١٤٦ ]
اللغة العربية واستعمالاتها (١)، وقد وردت هذه الكلمة في موضع آخر من القرآن الكريم: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] وليس معناها الانحراف ولا الزيغ.
٣ - لم تنص الآية الكريمة ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ على الشيء الذي مالت إليه قلوب عائشة وحفصة (ض)، وقد ذكر بعض المفسيرين أن قلوبهما - نعوذ بالله- مالت إلى إيذاء الرسول - ﷺ -، بينما القاعدة تقول: إن الكلمة المحذوفة تكون موجودة حوالي الجملة إما قبلها أو بعدها، أو تدل عليها القرائن الغالبة، وقد ذكرت كلمة «التوبة» من قبل، فيغلب الظن أن هذه هي الكلمة المقدرة والمحذوفة، ولو أظهرنا ما حذف من الآية تكون العبارة كالآتي:
«إن تتوبا إلى الله (فهو هين) فقد صغت قلوبكم «إلى التوبة إلى الله»).