كل منا يعلم أن الإخلاص والحب والوفاء بين الضرائر أصبح من الأشياء العزيزة النادرة والقليلة الوجود في مجتمعنا اليوم، إلا أن شأن أمهات المؤمنين في هذا الأمر كان مختلفا عن غيرهن من نساء العالم، فقد كن على أعلى مستوى وأرفع مكانة في الخصائص والمميزات مما كان توقعه منهن العالم البشري، وقد حققن تلك الأحلام التي رأتها دنيا النساء تجاههن، ولم يخيبن آمالهن في شيء والحمد لله على ذلك. فكن يغرن ويتنافسن لا محالة كما تغار النساء في كل مكان، ولكنهن لم ينسين قط أنهن نساء نبي، يتأدبن بأدبه، ويتطلعن إلى رضاه، ويفزعن من غضبه.
أما ما يوجد من بعض الصور المشوهة غير اللائقة بهن، فإنها في واقع الأمر إما من صنع المنافقين ونسيجهم ومكرهم، أو أنها محاولات من بعض الفرق والطوائف التي تجهل مصيرها، وتغفل عن عواقبها، مثل المرأة التي كانت في عهد النبي - ﷺ - وتحرش بين الأزواج المطهرات، وتعترف بخطئها هذا، فسألها الناس كيف كن يثقن بقولك؟ فقالت: لو لم يكن موثوقا بها
[ ١١٥ ]
عندهن ما قبلن منها (١).
ورغم أن معظم الأحاديث والروايات التاريخية التي سبق أن ذكرناها هي مستقاة من كتب الصحاح، إلا أنه يوجد فيها بعض من نقاط الضعف، أو تشويه للصورة الأصلية، ولو قمنا بعملية الفحص والتحقيق والدراسة سيتضح لنا ذلك بكل وضوح وفي صورة مشرقة.
١ - مثلا عندنا قصة كسر القصعة، فهذه القصة موجودة في سائر كتب الأحاديث تقريبا، إلا أن البخاري ومسلم لم ينصا على أن التي كسرت القصعة هي عائشة (ض)، بينما الأحاديث الواردة في السنن والمسانيد تنص على أنها كانت عائشة، مثل سنن أبي داود، سنن النسائي ومسند الإمام أحمد بن حنبل وغيرها، والغريب في الأمر أنهم يروون ذلك عن عائشة نفسها، وأول راوية لهذا السند هي جسرة بنت دجاجة، وهي وإن وثقها العجلي (٢) وابن حبان (٣) لكن يقول عنها البخاري: عند جسرة عجائب (٤)، وزعم ابن حزم أن حديثها باطل (٥).
والراوي الثاني هو أفلت العامري، وهو وإن وثقه بعض المحدثين إلا أن معظمهم على تضعيفه.
قال الإمام أحمد: ما أرى به بأسا (٦) (وهذا دليل الضعف)، ونقل الخطابي عن أحمد قوله: إن أفلت راو مجهول، وقال البغوي في شرح السنة:
_________________
(١) انظر: الإصابة ٨/ ١٨٠ ولسان الميزان ١/ ٤٥٣.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ٤٣٥/ ١٢ رقم الترجمة ٢٧٤٩.
(٣) انظر: كتاب الثقات لابن حبان البستي ١٢١/ ٤ رقم الترجمة ٢٠٩٧، وانظر كذلك تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٣٥ رقم الترجمة ٢٧٤٩.
(٤) انظر: التاريخ الكبير للإمام البخاري ٦٧/ ٢ رقم الترجمة ١٧١٠، وتهذيب التهذيب ٤٣٥/ ١٢ رقم الترجمة ٢٧٤٩.
(٥) نفس المصدر.
(٦) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣٤٦/ ٢ رقم الترجمة ١٣١٦، وانظر: ميزان الاعتدال في نقد الرجال ١٢٥/ ٢ رقم الترجمة ١٤٨٣.
[ ١١٦ ]
ضعف أحمد هذا الحديث، لأنه من رواية أفلت، وهو مجهول (١)، وقال ابن حزم: مشهور ولا معروف بالثقة، وحديثه هذا باطل (٢).
٢ - وأما ما حدث بين عائشة وزينب (ض) من التقاول والتشدد في الكلام في الليل، فإن هذه الرواية مع أنها أخرجها الإمام مسلم في صحيحه، لكن تبين لنا بعد إمعان النظر والتأمل فيها ما يلي:
١ - الراوي الأول لهذا الحديث هو الصحابي الجليل أنس بن مالك، الذي توقف عن التردد على حجرات أمهات المؤمنين من عام ٥هـ، وهذه الحادثة وقعت بعد السنة الخاسة من الهجرة.
٢ - إن هذه الواقعة وقعت داخل حجرة عائشة (ض) حيث لم يكن أنس (ض) موجودا في الحجرة، وبالتالي فاحتمال وقوع الانقطاع بين أنس والراوي الذي قبله وارد.
٣ - لو سلم أن أنسا (ض) كان في المسجد النبوي الشريف، وكانت أصوات امهات المؤمنين تقرع أذنيه، فكيف أمكته مشاهدة ما يجري في داخل الحجرة، من مد النبي - ﷺ - يده وما إلى ذلك، مع أن البيوت يومئذ لم يكن فيها مصباح، والأغرب من ذلك كله أنه كيف اطلع على ما في خاطر عائشة (ض)، أنها خافت من أبيها، وأنه سوف يزجرها، ونظرا إلى هذه الأسباب فإن هذه الرواية فيها شيء من قبيل عدم الأخذ بالحيطة والتحري (٣).
_________________
(١) تهذيب التهذيب ١/ ٣٢٠ رقم الترجمة ٦٦٨.
(٢) نفس المصدر.
(٣) إذا قلنا إن أنسا (ض) لم يأخذ بالحيطة والتحري في هذه الرواية فإن هذا القول سوف يؤدي إلى إثارة الشبهة والشك في كثير من تلك الروايات التي يرويها بعض الصحابة مرسلا مع أن مراسيل الصحابة مقبولة إجماعا، وأنس (ض) كان من أولئك الحفظة النقلة لسنن الرسول - ﷺ - الذين اختارهم الله سبحانه ليكونوا أساتذة الإسلام، والأمناء عليه بعده، بل كان (ض) من كبار حفاظهم، فلم يسبقه في رواية السنة سوى اثنين منهم وهما أبو هريرة وعبد الله بن عمر (ض)، ووراء كثرة روايته للسنة عاملان: أولهما: ملازمته للنبي - ﷺ - أثناء خدمته له مدة عشر سنوات مما ساعده أن يتلقى الكثير من السنة عنه - ﷺ - مباشرة، وثانيهما: امتداد عمره (ض) بعد وفاة النبي - ﷺ -، الذي أعطاه =
[ ١١٧ ]
٣ - وفي سنن الترمذي عن صفية بنت حيي (ض) قالت: دخل علي رسول الله - ﷺ - وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك له، فقال: «ألا قلت: فكيف تكونان خيرا مني؟ وزوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى، وكان الذي بلغها أنهم قالوا: نحن أكرم على رسول الله - ﷺ - منها، وقالوا: نحن أزواج النبي - ﷺ - وبنات عمه» (١) قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث صفية إلا من حديث هاشم الكوفي، وليس إسناده بذلك القوي.
هذه الرواية تناقلتها كل كتب السير ولكنها لم تذكر تعليق الإمام الترمذي على الرواة، وفيما يأتي نذكر أقوال المحدثين في هاشم الكوفي الذي عليه مدار الإسناد:
قال الإمام أحمد: لا أعرفه (٢)، وقال ابن معين: ليس بشيء (٣)، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث (٤)، وقال ابن عدي: مقدار ما يرويه لا يتابع عليه (٥)، ومع ذلك كله فإن رواية أنس (ض) ليس فيها ذكر عائشة.
٤ - وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن علي بن زيد عن أم محمد امرأة أبيه عن عائشة قالت: كانت عندنا أم سلمة، فجاء النبي - ﷺ - ثم جنح الليل، قالت: فذكرت شيئا صنعه بيده، قالت: وجعل لا يفطن لأم سلمة، قالت: وجعلت أومئ إليه حتى فطن، قالت أم سلمة: أهكذا الآن، أما كانت
_________________
(١) = فسحة زمنية كبيرة لتعليم السنة وتحفيظها للناس، فقد عاش بعد النبي - ﷺ - نيفا وثمانين سنة، وبالعكس فقد امتاز (ض) بحيطته الكبيرة في رواية السنة حذر الخطأ، وكان هو القائل لأصحابه: لولا أن أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله - ﷺ -، لكنه قال: من كذب علي متعمدا فليتبوا مقعده من النار، كما أنه كان يختم حديثه بقوله أو كما قال، يراجع لمزيد من التفصيل: كتاب «أنس بن مالك الخادم الأمين والمحب العظيم» للأساذ عبد الحميد طهماز، ط: دار القلم دمشق.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه باب فضل أزواج النبي - ﷺ - برقم ٣٨٩٤، والحاكم في المستدرك ٣١/ ٤ برقم ٦٧٩٠، والطبراني في الأوسط ٢٣٦/ ٨ برقم ٨٥٠٣ وفي الكبير ٢٤/ ٧٥ برقم ١٩٦.
(٣) (٣) (٤) (٥) تهذيب التهذيب ١٧/ ١١ ترجمة رقم ٣٧.
[ ١١٨ ]
واحدة منا عندك إلا في خلابة كما أرى، وسبت عائشة وجعل النبي - ﷺ - ينهاها، فتأبى، فقال النبي - ﷺ - سبيها، فسبتها حتى غلبتها، فانطلقت أم سلمة على علي وفاطمة، فقالت: إن عائشة سبتها وقالت لكم وقالت لكم الحديث (١).
والراوي الثاني لهذا الحديث هو علي بن زيد، يقول فيه ابن سعد: ولد وهو أعمى، وكان كثير الحديث وفيه ضعف ولا يحتج به، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، وقد روى عنه الناس، وقال أحمد: ليس شيء، وقال حنبل عن أحمد: ضعيف الحديث، وقال يحيىى: ضعيف، وفي رواية: ضعيف في كل شيء، وقال الجوزجاني: واهي الحديث، ضعيف، وفيه ميل عن القصد، لا يحتج بحديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال البخاري: لا يحتج به، وقال سليمان بن حرب عن حماد بن زيد: حدثنا علي بن زيد وكان يقلب الأحاديث، وفي رواية: كان يحدثنا اليوم بالحديث ثم يحدثنا غدا، فكأنه ليس كذلك (٢).
هذا وكتب السير غنية بعدد كبير من هذه الوقائع، ومعظمها مستقاة من رواية الواقدي والكلبي، وفيما يأتي نذكر مثالا واحدا للتوضيح:
٥ - روى أصحاب الصحاح قصة زواج النبي - ﷺ - من ابنة رئيس قبيلة، فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي - ﷺ - قال: «هبي نفسك لي، قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: قد عذت بمعاذ، ثم خرج علينا فقال: يا أبا أسيد اكها رازقيتين وألحقها بأهله» (٣).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ٦/ ١٣٠ برقم.٢٥٠٣.
(٢) انظر هذه الأقوال كلها في تهذيب التهذيب ٢٨٤/ ٧ رقم الترجمة ٥٤٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الطلاق برقم ٥٢٥٧، وابن الجارود في المنتقى ١٩٠/ ١ برقم ٧٥٨ ط: مؤسسة الكتب الثقافية ببيروت ١٤٠٨هـ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣٩/ ٤ باب في متعة الطلاق، وأحمد في مسنده ٥/ ٣٣٩ رقم ٢٢٩٢٠.
[ ١١٩ ]
كانت هذه رواية صحيح البخاري، أما رواية ابن سعد ففيها زيادات، وقد رواها بسنده من طريق هشام بن محمد قال: تزوج رسول الله - ﷺ - أسماء بنت النعمان الجونية فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة أو عائشة لحفصة: اخضبيها أنت وأنا أمشطها، ففعلن، ثم قالت لها إحداهما: إن النبي - ﷺ - يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك، فلما دخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر مد يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك الحديث (١).
وهشام بن محمد هذا (راوي الحديث) هو الكلبي نفسه، والذي قال فيه العلماء: متروك، غير ثقة، رافضي، يقول الإمام أحمد: إنما كان صاحب سمر ونسب ما ظننت أن أحدا يحدث عنه، وقال الدارقطني وغيره: متروك، وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة (٢).
ورواية البخاري ثتبت أن هذه المرأة (التي قالت أعوذ بالله منك) لم تكن تعرف النبي - ﷺ - وها هو نص الحديث:
عن سهل بن سعد (ض) قال: ذكر للنبي - ﷺ - امرأة من العرب. فأمر أبا أسيد الساعدي أن يرسل إليها، فأرسل إليها، فقدمت فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج النبي - ﷺ - حتى جاءها فدخل عليها، فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها النبي - ﷺ - قالت: أعوذ بالله منك، فقال: قد أعذتك مني، فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا، قالوا: هذا رسول الله - ﷺ - جاء ليخطبك، قالت: كنت أنا أشقى من ذلك الحديث (٣).
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ١٤٦/ ٨.
(٢) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٨٩/ ٧ رقم الترجمة ٩٢٤٥، ولسان الميزان لابن حجر العسقلاني ١٩٦/ ٦ رقم الترجمة ٧٠٠.
(٣) صحيح البخاري كتاب الأشربة برقم ٥٦٣٧، وصحيح الإمام مسلم كتاب الأشربة برقم ٢٠٠٧.
[ ١٢٠ ]
وهذه السيدة عائشة (ض) تروي لنا قصة هذه المرأة (١) ولا تقول إنها هي التي علمتها أن تقول ما قالت، مع أن حريتها في البيان والاعتراف بالخطأ إذا صدر منها أمر معروف ومشهور.