خرجت عائشة (ض) مع رسول الله - ﷺ - في إحدى أسفاره، وكان في عنقها نفس العقد الذي كان في غزوة بني المصطلق، فلما قفل المسلمون ووصلوا إلى ذات الحبيش انسل العقد من عنقها وذلك من السحر (٢)، فحبس رسول الله - ﷺ - لالتماسه.
تقول عائشة (ض) وهي تحكي لنا القصة بتمامها: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الحبيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله - ﷺ - على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله - ﷺ - وبالناس، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر الصديق، ورسول الله - ﷺ - واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله - ﷺ - والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله - ﷺ - على فخذي، فقام رسول الله - ﷺ - حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمتوا (٣).
إن من خصائص الشريعة الإسلامية وميزات أحكامها أن الله ﷾ قد أنزلها في أوقات مناسبة وحسب الحاجات الإنسانية والمصالح البشرية، فالوضوء كان فرضا للصلاة، لكن واجه المسلمون مشكلات في عشرات المواضع حيث لم يتوفر فيها الماء، وهذا المكان كان من تلك المواضع التي لم يجد فيها المسلمون الماء، فأنزل الله تعالى حكم التيمم نظرا لحاجتهم
_________________
(١) The Life of Mohammad (S.A.W) by، Sir Wiliam Meour. (١)
(٢) مسند الإمام أحمد ٦/ ٢٧٢ رقم ٢٦٣٨٤.
(٣) صحيح البخاري كتاب التيمم برقم ٣٣٤ وكتاب المناقب برقم ٣٦٧ وكتاب التفسير رقم ٤٦٠٧، وصحيح مسلم كتاب الحيض باب التيمم برقم ٣٦٧.
[ ١٤٠ ]
الشديدة ورحمة بهم وشفقة عليهم لكي يقيموا أكبر شعائر الإسلام وأهم فرائضه ألا وهي الصلاة، ونزلت الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] فلما نزلت هذه الآية سرعان ما تحول جو المعاتبة والغضب إلى جو من الفرح والسرور والبهجة والحبور، وبدأ المسلمون يرفعون أيديهم إلى فاطر السماوات والأرض داعين لأم المؤمنين عائشة (ض)، حيث أكرم المسلمون بهذه النعمة الإلهية العظمى من أجلها، وقام أسيد بن حضير ووجهه متهلل بمعالم الفرح يقول:
«ما هي أول بركتكم يا آل أبي بكر» (١) وهذا أبو بكر الصديق (ض) الذي لقيت منه عائشة (ض) ما الله به عليم من التعنيف والتأنيب، بدأ يقول حين جاء من الله ما جاء من الرخصة للمسلمين: «والله ما علمت يا بنية أنك لمباركة، ماذا جعل الله للمسلمين في حبسك إياهم من البركة واليسر» (٢) ثم وجدوا العقد الذي افتقدته عائشة (ض) وكان تحت البعير.
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب التيمم برقم ٣٣٤، وصحيح مسلم كتاب التيمم برقم ٣٦٧.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٢٧٢ برقم ٢٦٣٨٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٠٨ برقم ٩٤٧، وابن ماجه في سننه باب التيمم برقم ٥٦٥.
[ ١٤١ ]