كان أبو بكر حازما في تربية أولاده، ومن حزمه في التربية أنه كان يغضب على أولاده من أجل أمور عادية وبسيطة (١). وعائشة (ض) كانت تخاف أباها من أخطائها حتى بعد الزواج (٢)، وقد عاتبها أبو بكر (ض) في عدة مواضع (٣)، وقد حدث ذلك مرة أمام النبي - ﷺ -، فأنقذها - ﷺ - (٤).
_________________
(١) = والشعر والطب من عائشة أم المؤمنين. ومنها: عن أبي مليكة قال: قلت لعائشة: تقولين الشعر وأنت ابنة الصديق ولا تبالين (١٢/ ٤ بأرقام ٦٧٣٣، ٦٧٣٧).
(٢) يشير المؤلف (ح) إلى غضب أبي بكر (ض) على ابنه عبد الرحمن، حيث أوصاه أن يهتم بالضيوف ومطعمهم قبل أن يرجع، والحديث أخرجه البخاري ونصه: إن أبا بكر تضيف رهطا، فقال لعبد الرحمن: دونك أضيافك، فإني منطلق إلى رسول الله - ﷺ -، فأفرغ من قراهم قبل أن أجيء، فانطلق عبد الرحمن، فأتاهم بما عنده فقال: اطعموا، فقالوا: أين رب منزلنا؟ قال: اطعموا، قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء رب منزلنا، قال: اقبلوا عنا قراكم، فإنه إن جاء ولم تطعموا لنلقين منه، فأبوا، فعرفت أنه يجد علي، فلما جاء تنحيت عنه، فقال: ما صنعتم فأخبروه، فقال: يا عبد الرحمن، فسكت، ثم قال: يا عبد الرحمن، فسكت، فقال: يا غنثر، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت، فخرجت» الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأدب برقم ٦١٤٠، ومسلم في صحيحه كتاب الأشربة رقم ٢٠٥٧، وأبو داود كتاب الأيمان والنذور برقم ٣٢٧٠.
(٣) أشار المؤلف (ح) إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس قال: كان للنبي - ﷺ - تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع فكن يجتمعن في كل ليلة في بيت التي يأتيها، فكان في بيت عائشة، فجاءت زينب، فمد يده إليها. فقالت: هذه زينب، فكف النبي - ﷺ - يده، فتقاولتا حتى استخبتا، وأقيمت الصلاة فمر أبو بكر على ذلك، فسمع أصواتهما، فقال: أخرج يا رسول الله إلى الصلاة واحث في أفواههن التراب، فخرج النبي - ﷺ -، فقالت عائشة: الآن يقضي النبي - ﷺ - صلاته، فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل، فلما قضى النبى - ﷺ - صلاته أتاها أبو بكر فقال لها قولا شديدا وقال: أتصنعين هذا، (صحيح مسلم كتاب الرضاع برقم ١٤٦٢).
(٤) من تلك المواضع ما رواه البخاري في صحيحه كتاب التيمم رقم ٣٣٤ وفيه: فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله - ﷺ - على فخذي الحديث.
(٥) وذلك ما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير (ض) قال: استأذن أبو بكر (ض) على =
[ ٥٩ ]
هذا وتبدأ الفترة الحقيقية لتعلم عائشة (ض) ونشأتها التربوية بعد بناء الرسول - ﷺ - بها، حيث إنها تعلمت في هذه الفترة القراءة والكتابة، وكانت تقرأ القرآن الكريم بالنظر (١)، وفي رواية أنها لم تكن تعرف الكتابة (٢)، وورد في الأحاديث أن مولاها ذكوان هو الذي كان يكتب لها المصحف (٣)، وهذا يدل على عدم معرفتها بالكتابة، لكن ورد في بعض الروايات أنها كانت ترد على بعض الرسائل التي ترد إليها (٤)، ويمكن أن الرواة عبروا بالكتابة والمقصود: أنها أمرت غيرها بالكتابة، كما هو المعتاد في مثل هذه المناسبات.
وعلى كل فإن القراءة والكتابة من قبيل التعليم الظاهري، ولا شك أن مكانة التعليم الحقيقي ودرجته أعلى وأرفع منه بكثير، وكمال الإنسانية، وتزكية الأخلاق، والاطلاع على مبادئ الدين، ومعرفة أسرار الشريعة والتعمق في حكمها ومصالحها، وعلم كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -، كل هذا من التعليم الحقيقي الذي يطلب من الإنسان أن يبرع فيه ويبذل قصارى جهوده في نيله وابتغائه.
_________________
(١) = النبي - ﷺ - فسمع صوت عائشة عاليا، فلما دخل تناولها ليلطمها وقال: لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله - ﷺ -، فجعل النبي - ﷺ - يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبا، فقال النبي - ﷺ - حين خرج أبو بكر: «كيف رأيتني قد أنقذتك من الرجل » الحديث، أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب برقم ٤٩٩٩، والنسائي في السنن الكبرى ٥/ ١٣٩ برقم ٨٤٩٥، و٥/ ٣٦٥ برقم ٩١٥٥، ط: دار الكتب العلمية بيروت ١٤١١ هـ.
(٢) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن رقم ٤٩٩٣.
(٣) ذكر البلاذري عن عائشة أنها كانت تقرأ المصحف ولا تكتب (فتوح البلدان ١/ ٤٥٨).
(٤) أخرج مسلم في صحيحه عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغب آذنتها، فأملت علي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى - وصلاة العصر - وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ٦٢٩، وأخرجه الترمذي كتاب تفسير القرآن برقم ٢٩٨٢، والنسائي في سننه كتاب الصلاة رقم ٤٧٢، وأبو داود في سننه كتاب الصلاة رقم ٤١٠.
(٥) كما كتبت إلى معاوية كتابا تذكر فيه الحديث الذي ورد في عثمان بن عفان (ض): «يا عثمان إن الله ﷿ عسى أن يلبسك قميصا » الحديث. أخرجه أحمد في مسنده ٨٦/ ٦ برقم ٢٤٦١٠ وأصل الحديث أخرجه الترمذي في سننه كتاب المناقب برقم ٣٧٠٥، وابن ماجه في سننه المقدمة برقم ١١٢.
[ ٦٠ ]
وعائشة (ض) قد نالت من هذا العلم الحقيقي حظا وافرا ونصيبا كاملا، ولم يقتصر مجال تعلمها ونطاق دراستها على حصول العلوم الدينية فحسب، بل كانت بارعة حتى في علوم التاريخ والطب (١) والأدب، وقد ورثته من (٢) أبيها.
أما الطب فقد تعلمته من وفود العرب التي كانت تفد على الرسول - ﷺ - وتنعت له الأنعات، ولما سألها عروة فقال: أعجب من علمك بالطب كيف هو؟ ومن أين هو؟ فقالت: أي عرية إن رسول الله - ﷺ - كان يسقم عند آخر عمره أو في آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له فمن ثم» (٣).