وكانت عائشة (ض) قد رأت في المنام أن ثلاثة أقمار سقطت في حجرتها، قالت: فسألت أبا بكر (ض) فقال: يا عائشة إن تصدق رؤياك، يدفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض رسول الله - ﷺ - ودفن قال لي أبو بكر: يا عائشة هذا خير أقمارك، وهو أحدها (٣).
وقد أثبتت الوقائع القادمة أن القمرين الآخرين هما أبو بكر وعمر بن الخطاب (ض)، والآن صارت السيدة عائشة (ض) أرملة، وقضت من عمرها أربعين عاما على هذه الحالة، لزمت حجرتها طول حياتها تعزي نفسها بجوار قبر المصطفى - ﷺ -، وذات مرة رأت النبي - ﷺ - في المنام فتركت ذلك المكان (٤) وما برحت منذ تلك اللحظة تلازم البقعة الخالدة لا تفارقها إلا للعمرة أو الحج أو لزيارة قريبة، واتخذت سكنها في الحجرة المجاورة
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب المغازي برقم ٤٤٣٧ و٤٤٦٣، ومسلم كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٤٤.
(٢) مسند الإمام أحمد ٦/ ٢٧٤ برقم ٢٦٣٩١.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٦٢ برقم ٤٤٠٠ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٥/ ٧ و٣٨/ ٩، والطبراني في الأوسط ٢٦٦/ ٦ رقم ٦٣٧٣ وفي الكبير ٤٨/ ٢٣ برقم ١٢٧، والإمام مالك في الموطأ باب ما جاء في دفن الميت ٢٣٢/ ١ برقم ٥٤٨.
(٤) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد.
[ ١٥٤ ]
لقبره، وهي لا تحسب أنها قد فارقت منه غير مشهد جثمانه، فقد كانت تزوره زيارة الأحياء.
كما أنها كانت تزور القبر الشريف من دون حجاب ثلاث عشرة سنة متوالية إلى أن توفي عمر بن الخطاب (ض) (١)، فلما دفن عمر معهما جعلت بعدها تنتقب وتلبس ملابس الحجاب، وهي تزور أولئك الأصحاب المتجاورين كأنهم على قيد الحياة.
هذا وقد حرم الله تعالى على أزواج النبي - ﷺ - أن يتزوجن بعد وفاة النبي - ﷺ -.
قال رجل من سادات قريش: «لو توفي رسول الله - ﷺ - لتزوجت عائشة» (٢) فلما كان هذا الأمر مخالفا للمصالح الدينية والسياسية، وحطا من شأن النبوة أنزل الله تعالى قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
والأصل في هذا أن الأزواج المطهرات اللاتي أكرمهن الله تعالى بصحبة نبيه الحبيب - ﷺ - في حله وترحاله، عشن في كنفه حاملات لتعاليمه، حافظات لسنته، وبخاصة سنته ﵊ في بيته، التي لم يطلع عليها في الأغلب أحد سواهن لم تكن بقايا حياتهن إلا لكي يقمن بواجب نشر وإشاعة الدروس والتعليمات التي تلقينها من الحبيب المصطفى الزوج المبارك المعظم طول حياتهن، وألا يصرفن شيئا من حياتهن إلا في تأدية هذا الواجب، كن أمهات المؤمنين، فكانت مسؤوليتهن تعليم أبنائهن وتربيتهم، وكن المرجع الأول فيما حفظ عندهن من آي القرآن، وما حفظنه من السنن والأحاديث، حتى كانت بيوتهن مثابة الزوار من أبنائها وبناتها.
_________________
(١) انظر: المستدرك للحاكم ٨/ ٤ برقم ٦٧٢١.
(٢) ذكره الإمام القرطبي في تفسيره ٢٢٨/ ١٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٦٩/ ٧ برقم ١٣١٩٦.
[ ١٥٥ ]
يقول الله ﷾:
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (*) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (*) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (*) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (*) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣٤].
والحياة المتبقية لعائشة (ض) هي تفسير عملي بمعنى الكلمة لهذه الآيات الربانية.
***
[ ١٥٦ ]