ويظن عامة الناس أن لحب النبي - ﷺ - لعائشة (ض) كان لحسنها وجمالها وهذا مرفوض إطلاقا، لأن غيرها من الأزواج المطهرات أمثال زينب وجويرية وصفية ﵅، أيضا كن ذوات حسن وجمال، وكتب الأحاديث والآثار والسير والتاريخ غنية بذكر محاسنهن وجمالهن، ولكن لا يوجد فيها شيء عن حسن عائشة (ض) وجمالها، إلا ما ذكر في موضع أو موضعين، ويستثنى من ذلك ما قاله عمر (ض) لحفصة (ض): «لا يغرنك هذاه التي أعجبها حسنها حب رسول الله - ﷺ - إياها» (٣) فلما سمع النبي - ﷺ - ذلك تبسم، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن عائشة (ض) قد احتلت في قلب النبي - ﷺ - منزلة في المحبة لم يصل إليها غيرها من أمهات المؤمنين.
غير أن الأصل في هذا الباب هو ما روته عائشة (ض) نفسها (٤)، ورواه أبو هريرة (ض) كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود أن الرسول - ﷺ - قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي برقم ٤٤٥٠.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه كتاب النكاح برقم ١١٤٠، وأبو داود في سننه كتاب النكاح برقم ٢١٣٤، وابن ماجه في سننه كتاب النكاح برقم ١٩٧١، والنسائي في سننه كتاب عشرة النساء برقم ٣٩٤٣، والدارمي في سننه كتاب النكاح برقم ٢٢٠٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح برقم ٥٢١٨، ومسلم في صحيحه كتاب الطلاق برقم ١٤٧٩، والترمذي في سننه كتاب تفسير القرآن برقم ٣٣١٨.
(٤) رواية عائشة (ض) أخرجها الإمام أحمد في مسنده ٦/ ١٥٢ برقم ٢٥٢٣٢، وفيه: «تزوج المرأة لثلاث، لمالها وجمالها ودينها، فعليك بذات الدين تربت يداك».
[ ٧٩ ]
«تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (١). وبالتالي فأحب نساء النبي - ﷺ - هي: من تكون أنفع لخدمة الدين ونشر الإسلام من غيرها.
والشيء الذي يميز أم المؤمنين عائشة (ض) على غيرها من أمهات المؤمنين هو بلوغ علمها ذروة الإحاطة والنضج في كل ما اتصل بالدين من قرآن وتفسير وحديث وفقه، والنضج في الاجتهاد، والنظر في دقائق المسائل، واستنباط الأحكام للوقائع الجديدة، والاضطلاع فيه، فكان من الطبيعي أن تكون هي أحب إلى رسول الله - ﷺ - من غيرها.
وقد فصل القول في هذا الموضوع العلامة ابن حزم (ح) في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٢) وأثبت ذلك بالدلائل القاطعة.
روى أصحاب الكتب الستة عن أبي موسى الأشعري (ض) أن رسول الله. قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الرضاع برقم ١٤٦٦، والبخاري في صحيحه كتاب النكاح برقم ٥٠٩٠، والترمذي في كتاب النكاح برقم ١٠٨٦، وأبو داود في سننه كتاب النكاح برقم ٢٠٤٧.
(٢) قال الإمام ابن حزم (ح) بعدما فصل القول في تفضيل أزواج النبي - ﷺ - جميعهن على جميع الصحابة الآخرين، وأثبت ذلك بأدلة من الكتاب والسنة ثم قال: فإذ قد ثبت كل ذلك على رغم الآبي فقد وجب ضرورة أن يشهد لهن كلهن بأنهن أفضل من جميع الخلق كلهن بعد الملائكة والنبيين ﵈، وكيف ومعنا نص النبي - ﷺ - عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها وقد قال الله ﷿ عنه - ﷺ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (*) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فصح أن كلامه - ﷺ - أنها أحب الناس إليه، وحي أوحاه الله تعالى إليه ليكون كذلك، ويخبر بذلك لا عن هوى له، ومن ظن ذلك فقد كذب الله تعالى، لكن لاستحقاقها لذلك الفضل في الدين، والتقدم فيه على جميع الناس الموجب لأن يحبها رسول الله - ﷺ - أكثر من محبته لجميع الناس، فقد فضلها على أبيها وعلى عمر وعلي وفاطمة تفضيلا ظاهرا بلا شك. (انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ١١٩/ ٣ - ١١٨).
[ ٨٠ ]
على سائر الطعام» (١). وهذا الحديث خير دليل على الباعث الحقيقي والسبب الواقعي الذي من أجله كان النبي - ﷺ - يحب عائشة (ض) ويكرمها، ويرفع من مكانتها، هل كان ذلك من أجل الحسن والجمال الظاهري، أو بسبب الفضل والكمال الباطني، والتي تلي عائشة (ض) في الكمالات الداخلية والفضائل والمناقب هي أم سلمة (ض)، ولهذا فإنها كانت محبوبة لدى الرسول - ﷺ - رغم كبر سنها، وها هي خديجة (ض) قد توفيت وهي بنت ستين سنة، لكنها شغلت قلب النبي - ﷺ - بعد وفاتها، فلم يزل يذكرها، وهو شديد الكلف بها والتطلع إليها، حتى أثار ذلك غيرة عائشة (ض) (٢)، وكان رسول الله - ﷺ - - على حلمه -ربما يغضب أحيانا من ثورتها على ذكرى خديجة (٣).