وربما يفهم البعض أن سبب رغبته - ﷺ - في التمريض في بيت عائشة (ض) هو حبه لها، ولكننا ذكرنا سابقا أن الله ﷾ قد خص السيدة عائشة (ض) بكثير من الفضائل والمزايا الفطرية ووهبها حظا وافرا من كمال العقل وقوة الذاكرة وسرعة الفهم والذكاء المتوقد والبديهة الواعية وقدرة التحصيل والإحاطة بكل
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب المرضى برقم ٥٦٦٦ وكتاب الأحكام برقم ٧٢١٧.
(٢) صحيح البخاري كتاب الجنائز برقم ١٣٨٩، كتاب المناقب برقم ٣٧٧٤، كتاب المغازي ٤٤٥٠، كتاب النكاح برقم ٥٢١٧، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٤٣.
[ ١٥١ ]
ما يقع في متناول ذهنها، وملكة في الاستنباط والاستخراج، وقوة نادرة للاجتهاد، إذن فلا غرابة أن يكون غرض الرسول - ﷺ - من التمريض في بيت عائشة والاستقرار فيه أن تقوم عائشة بحفظ كل الأقوال والأفعال الصادرة من النبي - ﷺ - في أيامه الأخيرة، والحق الذي لا مراء فيه أن المسلمين قد عرفوا الكثير من أمر نبيهم وأمر دينهم، وأحواله - ﷺ - عند الاحتضار، من أحاديث عائشة عن زوجها المحبوب ﵊.
هذا واشتد المرض بالنبي - ﷺ - على مر الأيام حتى لم يسعه أن يصلي بالناس في المسجد، وكانت هناك أدعية كان النبي - ﷺ - إذا مرض نفث بها على نفسه، فعائشة (ض) كذلك كانت تنفث عليه بتلك المعوذات والأدعية وتمسح بيده (١)، وكان الناس عكوفا ينتظرون النبي - ﷺ - في المسجد لصلاة الصبح، فكلما ذهب لينوء أغمي عليه، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر، قالت: والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله - ﷺ -، قالت: فراجعته مرتين أو ثلاثا، فقال: «ليصل بالناس أبو بكر، فإنكن صواحب يوسف» (٢).
وكان - ﷺ - قد ترك شيئا من الذهب عند عائشة (ض) قبل مرضه الذي مات فيه، فتذكره في مرضه فقال لعائشة: يا عائشة ما فعلت بالذهب؟ فجاءت ما بين الخمسة إلى السبعة أو الثمانية أو التسعة، فجعل يقلبها بيده ويقول: ما
_________________
(١) أشار به المؤلف إلى الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة (ض) قالت: إن رسول الله - ﷺ - إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي - ﷺ - (البخاري في صحيحه كتاب المغازي برقم ٤٤٣٩، ومسلم في صحيحه كتاب السلام برقم ٢١٩٢، وأبو داود في سننه كتاب الطب برقم ٣٩٠٢، وابن ماجه في سننه كتاب الطب برقم ٣٥٢٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان برقم ٦٨٧، والإمام مسلم في صحيحه كتاب الصلاة برقم ٤١٨.
[ ١٥٢ ]
ظن محمد بالله عز جل لو لقيه وهذه عنده، أنفقيها (١).
وحانت اللحظة الأخيرة من حياة سيد المرسلين - ﷺ -، وكانت عائشة (ض) مسندة رسول الله - ﷺ -، تقول: دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله - ﷺ -، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته فأمره (٢) وفي رواية: «فاستن بها كأحسن ما رأيته مستنا قط» (٣).
فكانت عائشة (ض) تعتز وتفتخر بما نالت من هذه الفضيلة والكرامة وتقول: إن من نعم الله تعالى علي أن رسول الله - ﷺ - توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته (٤).
فلما ثقل رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي مات فيه أخذت عائشة (ض) بيده وجعلت تمسحه وتقول: أذهب الباس رب الناس اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما، قالت: فنزع يده مني ثم قال: «اللهم الرفيق الأعلى» (٥).
وكانت (ض) تقول: كان رسول الله - ﷺ - وهو صحيح يقول: «إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيا أو يخير، فلما اشتكى وحضره
القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى، فقلت: إذا لا يجاورنا، فعرفت أنه
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤٩/ ٦ برقم ٢٤٢٦٨ و١٨٢/ ٦ برقم ٢٥٥٣١، كما أخرجه ابن حبان في صحيحه ٨/ ٨ برقم ٣٢١٢، وابن أبي شيبة في مصنفه ٨٣/ ٧ برقم ٣٤٣٧١.
(٢) صحيح البخاري كتاب المغازي برقم ٤٤٤٩.
(٣) صحيح البخاري كتاب المغازي برقم ٤٤٥١، ومسند الإمام أحمد ٢٧٤/ ٦ برقم ٢٦٣٩٠.
(٤) صحيح البخاري كتاب فرض الخمس برقم ٣١٠٠، كتاب المغازي برقم ٤٤٤٩ و٤٤٥١، وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٤٣.
(٥) مسند الإمام أحمد ١٢٦/ ٦ برقم ٢٤٩٩٠، والبخاري نحوه في صحيحه برقم ٤٤٦٣ كتاب المغازي.
[ ١٥٣ ]
الحديث الذي كان يحدثنا وهو صحيح» (١). وتقول: «وقد قبض رسول الله - ﷺ - وهو في حجري فذهبت أنظر إلى وجهه، فإذا بصره قد شخص، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي» (٢).
ومما لا شك فيه أن من أعظم الفضائل وأعلى السعادة وأهم المناقب للسيدة عائشة (ض) أن حجرتها الشريفة كانت المسكن الأخير للنبي - ﷺ -، ومكان دفنه ووفاته.
«إنا لله وإنا إليه راجعون».