كان لرسول الله - ﷺ - أربع بنات كلهن من خديجة أم المؤمنين (ض) وهن: السيدة زينب، رقية، أم كلثوم، وفاطمة الزهراء ﵅، وكلهن قد كن تزوجن وانتقلن إلى بيوت أزواجهن قبل بناء الرسول - ﷺ - بعائشة (ض)، إلا فاطمة الزهراء (ض)، أما السيدة رقية (ض) فقد وافتها المنية قبل سنة من بناء الرسول - ﷺ - بعائشة، وأما السيدة زيب وأم كلثوم (ض) فقد عاشتا حوالي سبعة أو ثمانية أعوام مع زوجة أبيهما عائشة (ض)، ثم استأثرت بهما رحمة الله تعالى في السنة الثامنة والتاسة من الهجرة على التوالي، ولم يحدث بينهن خلال هذه الفترة شيء يعكر صفو علاقتهن، وهذه السيدة زينب (ض) أكبر بنات الرسول - ﷺ - وقد استشهدت في سبيل الله، تروي لنا عنها عائشة (ض) قول النبي - ﷺ - قال: «هي أفضل بناتي أصيبت في» (٢) وكانت لها بنت تسمى أمامة، يحبها النبي - ﷺ -، ومن حبه لها أنه كان يصلي وهو حاملها، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها (٣). وذات مرة
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الطلاق، برقم ٥٢٥٧، و٥٢٥٤.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢١٩ برقم ٢٨١٢، و٤/ ٤٦، و٤/ ٤٧، كما ذكره أبو المحاسن يوسف بن موسى في معتصر المختصر ٢/ ٢٤٦، وأحمد بن عمرو الشيباني في الآحاد والنسائي ٥/ ٣٧٢ رقم ٢٩٧٥، كما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ٧/ ١٠٩ نقلا عن الطحاوي، والبخاري في التاريخ الصغير ١/ ٧ مبحث حديث زينب بنت رسول الله - ﷺ -.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة رقم ٥١٦، ومسلم في صحيحه كتاب المساجد ومواضع الصلاة رقم ٥٤٣، وأبو داود في سننه كتاب الصلاة رقم ٩١٧، والإمام مالك في الموطأ كتاب النداء للصلاة برقم ٤١٢، والدارمي في سننه كتاب الصلاة رقم ١٣٥٩.
[ ١٢١ ]
أهديت للرسول - ﷺ - هدية فيها قلادة من جزع فقال: «لأدفعنها إلى أحب أهلي إلي».
فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة، فدعا النبي - ﷺ - أمامة بنت زينب فعلقها قي عنقها» (١).
أما السيدة فاطمة الزهراء (ض) فإنها كانت بكرا عندما بنى الرسول - ﷺ - بعائشة (ض)، لكنها كانت أكبر سنا منها بحوالي خمس أو ست سنوات، وقد عاشت مع عائشة (ض) سنة أو أقل، لأنها تزوجت في وسط السنة الخامسة للهجرة، وكانت عائشة من اللاتي قمن بتجهيزها للعرس، وإعداد أغراض البيت وترتيب أمور الزواج، تقول (ض): أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نجهز فاطمة حتى ندخلها على علي، فعمدنا إلى البيت، ففرشنا ترابا لينا من أعراض البطحاء، ثم حشونا مرفقتين ليفا فنفشناه بأيدينا، ثم أطعمنا تمرا وزبيبا، وسقينا ماء عذبا، وعمدنا إلى عود فعرضناه في جانب البيت ليلقى عليه الثوب ويعلق عليه السقاء، فما رأينا عرسا أحسن من عرس فاطمة (٢) والبيت الذي نزلت فيه فاطمة (ض) بعد الزواج كان يفصله جدار من حجرة عائشة (ض)، وكان بينهما مشربة تتكلمان منها.
هذا ولم تسجل لنا كتب الأحاديث واقعة صحيحة تدل على أن واحدة منهما تحمل شيئا من الكراهية أو البغض في قلبها تجاه الأخرى، بل أجمع أصحاب السير وكتب الأحاديث على أن الصلة بين عائشة (ض) وبين فاطمة كانت على أكمل ما ترضاه السجية الإنسانية في كل صلة من قبيلها، وكانتا شريكتين في قلب واحد تتنافسان عليه ولكنها شركة بين
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/ ١٠١ برقم ٢٤٧٤٨، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد مفصلا باب مناقب أمامة ٩/ ٢٥٤، والطبراني في المعجم الكبير ٤٤٢/ ٢٢ برقم ١٠٨٠.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب النكاح برقم ١٩١١.
[ ١٢٢ ]
كريمتين، وها هي فاطمة (ض) تأتي إلى النبي - ﷺ - تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى وقد بلغها أنه جاءه رقيق فلم تصادفه فذكرت ذلك لعائشة الحديث (١).
ومن أثر هذه المنافسة أن أمهات المؤمنين أوفدن السيدة فاطمة إلى النبى - ﷺ - ينشدن العدل في ابنة أبي قحافة، لكن لنرى كيف كان موقفها من ذلك، تقول: فكلمته فقال: يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع (٢).
وهذه عائشة (ض) تثتي على فاطمة (ض) قائلة: ما رأيت أحدا أحسن من فاطمة غير أباها - ﷺ - (٣).
ويقول جميع بن عمير التيمي: دخلت مع عمتي على عائشة فسئلت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله - ﷺ -؟ قالت: فاطمة (٤).
تقول عائشة (ض): «ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله - ﷺ - في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، قالت: وكانت إذا دخلت على النبي - ﷺ - قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان - ﷺ - إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها» (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النفقات برقم ٥٣٦١، ومسلم في صحيحه كتاب الذكر والدعاء برقم ٢٧٢٧، وأبو داود في سننه كتاب الخراج برقم ٢٩٨٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الهبة برقم ٢٥٨١، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٤٢، والنسائي في سننه كتاب عشرة النساء برقم ٣٩٤٤.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن عائشة (ض) قالت: ما رأيت أفضل من أبيها الحديث ١٣٧/ ٣ برقم ٢٧٢١.
(٤) أخرجه الإمام أبو عبد الله الحاكم في المستدرك ٣/ ١٧١ برقم ٤٧٤٤، والترمذي سننه باب فضل فاطمة (ض) برقم ٣٨٧٤، والطبراني في المعجم الكبير ٤٠٣/ ٢٢ برقم ١٠٠٨.
(٥) أخرجه الترمذي في سننه باب مناقب فاطمة (ض) برقم ٣٨٧٢، وابن حبان في صحيحه ١٥/ ٤٠٣ برقم ٦٩٥٣، نحوه، وكذلك الحاكم في المستدرك ١٧٤/ ٣ برقم ٤٧٥٣ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأبو داود في سننه باب ما جاء في القيام برقم ٥٢١٧.
[ ١٢٣ ]
كما أن عائشة هي التي روت حديث فضل أهل البيت الذي يعتبر من أعظم مناقب فاطمة (ض). والحديث الآتي يبين لنا مدى علاقتها الوطيدة مع فاطمة (ض)، وثنائها عليها في الوقت نفسه، تول: كن أزواج النبي - ﷺ - عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله - ﷺ - شيئا، فلما رآها رحب بها فقال: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارها فبكت بكاء شديدا فلما رأى جزعها سارها الثانية، فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله - ﷺ - من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين، فلما قام رسول الله - ﷺ - سألتها ما قال لك رسول الله - ﷺ -؟ قالت: «ما كنت أفشي على رسول الله - ﷺ - سره، قالت: فلما توفي رسول الله - ﷺ - قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله - ﷺ -، فقالت: أما الآن فنعم، أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وإنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما راى جزعي سارني الثانية فقال: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة، قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت» (١).
هذا الحديث خير دليل على حسن علاقتهما الوطيدة، وكما نعلم أن هذا الحادث جرى في آخر عمر فاطمة (ض)، فاتضح من ذلك أن قضايا الميراث وفدك لم تؤثر شيئا على علاقتهما الطيبة، ولم تدفع إلى حدوث أي توتر في الصلة التي تجمعهما بكل صدق وإخلاص، كما أنه لم يعهد منهما شيء من
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب برقم ٣٦٢٤، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٥٠ واللفظ له، والترمذي في سننه كتاب المناقب برقم ٣٨٧٢، وابن ماجه في سننه كتاب ما جاء في الجنائز برقم ١٦٢١.
[ ١٢٤ ]
المضايقات حتى في الشؤون المنزلية والداخلية يعكر صفو علاقتهما القلبية والروحية.