وبالجملة فإن أوضاع المسلمين كلها كانت مصابة بالتوتر والاضطراب، وكانوا يعانون من ظروف حرجة وقاسية من الناحية السياسية في تلك الفترة، فلما رآى جماعة من الصحابة هذا المنظر المؤلم وجدوا أن الحديقة التي سقوا أزهارها ورووها بدمائهم، وبذلوا فيها النفائس، وضحوا من أجلها بكل نفس ونفيس وغال ورخيص، قد بدأت تتعرض للانهيار والضياع، ورأوا بأم أعينهم أن مجهوداتهم أصبحت تروح سدى ومن دون جدوى، فلما واجهوا ذلك كله قاموا ورفعوا علم الإصلاح، وكان من أهم أعضاء هذه الجماعة طلحة والزبير وعائشة (ض).
طلحة (ض): هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان القرشي، أبو محمد أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، كان فاتح
_________________
(١) جزء خلق أفعال العباد للإمام البخاري ١/ ٥٦، كما ذكره معمر بن راشد في جامعه ١١/ ٤٤٧.
[ ١٦٨ ]
المعارك في عهد النبوة، وصهر الخليفة الأول أبي بكر الصديق (ض)، ونسيب النبي - ﷺ -.
الزبير (ض): هو الزير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي أبو عبد الله، كان حواري رسول الله - ﷺ - وابن عمته، ونسيبه، وصهر الخليفة الأول، وكان من شجعان الإسلام، وهذان الاثنان كانا من أولئك الذين اختارهم عمر بن الخطاب (ض) للخلافة.
وقد سبق أن ذكرنا أن السيدة عائشة (ض) خرجت من المدينة قاصدة مكة لأداء الحج حسب عادتها، وذلك بعد أن غلب الثائرون والغوغاء على المدينة المنورة وحاصر البغاة بيت عثمان (ض)، وعلمت السيدة عائشة بمقتل عثمان وهي في طريق العودة إلى المدينة، فلما تقدمت لقيها طلحة والزبير (ض) هاربين من المدينة، فقالت: «ما وراءكما؟ فقالا: «وراءنا أنا تحملنا بقليتنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب، وفارقنا قوما حيارى، لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا، ولا يمنعون أنفسهم» فقالت عائشة (ض) فائتمروا أمرا ثم انهضوا إلى هذه الغوغاء»، وتمثلت:
«ولو أن قومي طاوعتني سراتهم لأنقذتهم من الحبال أو الخبل» (١)
ثم عادت إلى مكة المكرمة، ولما علم عامة الناس بهذا الحادث، بدأوا يقصدونها من كل النواحي وجميع الأطراف، وطلبوا منها أن تنهض بعمل إصلاح الأمة ورأب الصدع الذي أحدثه مقتل عثمان (ض) في صفوفها، تروي لنا عمرة بنت عبد الرحمن عن أم المؤمنين (ض) قولها: «ما رأيت مثل ما رغبت هذه الأمة عنه، من هذه الآية (٢): ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: ٩]».
_________________
(١) يراجع: تاريخ الطبري ٧/ ٣.
(٢) موطأ الإمام محمد كتاب التفسير رقم الحديث ١٠٠٣ ص ٣١٥، تعليق وتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ط: وزارة الأوقاف القاهرة ١٤٠٧هـ.
[ ١٦٩ ]