يتميز عهد الفاروق (ض) من حيث التنظيم والتنسيق تميزا ملموسا، وكان قد فرض (ض) عطية نقدية لكل المسلمين من بيت المال في عهده الميمون، أما ما فرضه لأمهات المؤمنين فقد ذكر لنا الإمام أبو يوسف (ح) (١) روايتين في كتابه «الخراج» (٢)، الأولى: أنه فرض لأمهات المؤمنين كل واحدة منهن اثني عشر ألف سنويا، والثانية: أن عمر (ض) فرض لأمهات المؤمنين عشرة آلاف، وزاد عائشة ألفين، وقال: إنها حبيبة رسول الله - ﷺ -. (وقد أخرجها الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) (٣). وكان (ض) قد جعل تسع صحاف، عدد أزواج النبي - ﷺ -، فلا تكون فاكهة ولا طريفة إلا جعل منها في تلك الصحاف، فيبعث بها إلى أزواج النبي - ﷺ - (٤).
_________________
(١) هو الإمام يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي، العلامة أبو يوسف، فقيه العراقيين صاحب أبي حنيفة (ض)، كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي، ولي القضاء لهارون الرشيد، مات ببغداد سنة ١٨٢هـ، كان (ح) من أولاد أبي دجانة الأنصاري، وأول من لقب بقاضي القضاة، قال محمد بن سماعة: كان أبو يوسف يصلي بعد ما ولي القضاء كل يوم مئتي ركعة، روى عنه محمد بن الحسن الشيباني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين. وأكثر العلماء على تفضيله وتعظيمه، وكان مع سعة علمه أحد الأجواد الأسخياء، ولد سنة ثلاث عشرة ومئة ومات ببغداد سنة اثنتين وثمانين ومئة، وله «الأمالي» و«النوادر» و«الخراج» (انظر: شذرات الذهب ١/ ٣٠١، تذكرة الحفاظ ٢٩٢/ ١، الفوائد البهية ص٣٧٢).
(٢) انظر: كتاب الخراج لأبي يوسف ص ٥١، وفيه استثناء «جويرية وصفية (ض») فإنهما قد فرض لهما ستة آلاف في أول الأمر فلم تقبلا ففرض لهما اثني عشر ألفا.
(٣) الحاكم في المستدرك ٩/ ٤ برقم ٦٧٢٣، كما أخرجه المحاملي في أماليه ٢٤٨/ ١ برقم ٢٤٢.
(٤) أخرجه الإمام مالك في الموطأ باب جزية أهل الكتاب ١/ ٢٧٩ برقم ٦١٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٥/ ٧ رقم ١٣٠٣٦، وابن أبي عاصم في كتاب الزهد ١١٦/ ١.
[ ١٥٩ ]
وأكبر دليل على اهتمامه البالغ بأمهات المؤمنين وشدة التفقد لأحوالهن أنه كان يبعث إليهن باللحوم كلما نحرت النعم، كما تقول عائشة (ض): «كان عمر بن الخطاب يرسل إلينا بأحظائنا - حصصنا - حتى من الرؤوس والأكارع (١»).
ولما فتح المسلمون العراق جاء درج إلى عمر (ض) وفيه جوهر فقال لأصحابه: «تدرون ما ثمنه؟ قالوا: لا، ولم يدروا كيف يقسمونه، فقال: تأذنون أن أبعث به إلى عائشة لحب رسول الله - ﷺ - إياها؟ فقالوا: نعم، فبعث به إليها، ففتحته فقالت: ماذا فتح علي ابن الخطاب بعد رسول الله - ﷺ -، اللهم
لا تبقني لعطيته لقابل (٢»).
وكان (ض) يتمنى أن يدفن في حجرة عائشة (ض) تحت أقدام الرسول - ﷺ -، لكنه لم يتمكن من تقديم طلبه هذا نظرا إلى الأدب والاحترام، وكان مضطربا قلقا من هذا الموضوع وهو في سياقة الموت وحالة الاحتضار، حتى قال لابنه عبد الله: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين (ض) فقل: يقرأ عليك عمر السلام، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فمضى فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فسلم عليها وقال كما أوصاه، قالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به اليوم على نفسي (٣).
وحتى بعد هذا الإذن من عائشة (ض) قال عمر (ض): «يا عبد الله بن عمر انطر، فإذا أنا قبضت فاحملوني على سريري، ثم قف بي على الباب، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلني، وأن ردتني فردني إلى مقابر
_________________
(١) انظر: موطأ الإمام محمد باب الزهد والتواضع برقم ٩٢٧، ط: وزارة الأوقاف القاهرة مصر ١٤٠٧هـ.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٩/ ٤ برقم ٦٧٢٥، والإمام أحمد في فضائل الصحابة رقم ١٦٤٢.
(٣) صحيح البخاري كتاب الجنائز برقم ١٣٩٢، كتاب المناقب برقم ٣٧٠٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٥٨ برقم ٦٨٧٤ باب من رأى أن يدفن في أرض مملوكة بإذن صاحبها، وابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ٣٤ برقم ١١٨٥٨ مختصرا، و٤٣٦/ ٧ برقم ٣٧٠٥٩.
[ ١٦٠ ]
المسلمين، فإني أخشى أن يكون إذنها لي لمكان السلطان»، ففعل كما أمر به، وأذنت السيدة عائشة (ض) مرة ثانية، ثم دفن هناك مع صاحبيه (١).
وأخيرا أفل هذا القمر الثاني للخلافة في نفس الحجرة المقدسة.