لقد جعل الله ﷿ من حياة النبي - ﷺ - أسوة حسنة للمجتمع الإنساني بأكمله، وكان - ﷺ - خير الأزواج وألطفهم بأهله، لم يعهد عنه - ﷺ - أنه عنفهن أو اشتد عليهن، بل كان بهن رفيقا رحيما، يترضاهن إذا غضبن، ويعاملهن معاملة كريمة بأقصى غاية من المودة والمحبة، ولم يكن ذلك كله إلا لكي يعلم أمته كيف يتعامل الأزواج مع زوجاتهم.
سبق أن ذكرنا أنه - ﷺ - كان يتعهد عائشة بما يسرها، ويفرح حتى بلعبتها،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب تفسير القرآن برقم ٤٧٨٩، ومسلم في صحيحه كتاب الطلاق برقم ١٤٧٦ وأبو داود في سننه كتاب النكاح برقم ٢١٣٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز برقم ١٢٩٩، ١٣٠٥، ومسلم في صحيحه كتاب الجنائز برقم ٩٣٥، والنسائي في سننه كتاب الجنائز برقم ١٨٤٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التيمم برقم ٣٣٤، ومسلم في صحيحه كتاب الحيض رقم ٣٦٧، والنسائي في سننه كتاب الطهارة برقم ٣١٠.
[ ٨٥ ]
كانت عائشة قد ربت في حضنها جارية من الأنصار، فلما حان عرسها زوجتها عائشة (ض) بكل بساطة دون أي غناء أو لهو، فلما رأى النبي - ﷺ - ذلك قال: «يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهوا» (١).
وكان الأحباش يلعبون بحرابهم بمناسبة أفراح العيد، فأرادت عائشة (ض) أن تنظر إلى لعبهم، فسترها النبي - ﷺ - بردائه وهي تشاهد لعبهم، تقول (ض): «رأيت النبي - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا التي أسأم» (٢).
وربما مر أبوها (ض) بالبيت فيسمع صوتها عاليا في حضرة النبي - ﷺ -، فيدخل غاضبا يتناولها ليلطمها وينهرها قائلا: لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله - ﷺ -، فجعل النبي - ﷺ - يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبا، فقال النبي - ﷺ - حين خرج أبو بكر: «كيف رأيتني أنقذتك من الرجل» (٣)؟!
وجاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقال: «يا عائشة تعرفين هذه؟ قالت: لا، يا نبي الله، قال: هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك؟ قالت: نعم، فأعطتها طبقا، فغنتها، فقال النبي - ﷺ -: قد نفخ الشيطان في منخريها» (٤) ومعنى ذلك أن النبي - ﷺ - كره مثل هذه الأغاني.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح برقم ٥١٦٣، وأخرجه أحمد في مسنده بلفظ: «كانت في حجري جارية من الأنصار فزوجتها، قالت: فدخل علي رسول الله - ﷺ - يوم عرسها، فلم يسمع لعبا، فقال: يا عائشة إن هذا الحي من الأنصار يحبون كذا وكذا» رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند ٢٦٩/ ٦ برقم ٢٦٣٥٦، كما أخرجه ابن حبان في صحيحه ٣/ ١٨٥ برقم ٥٨٧٥، وهو في موارد الظمآن للهيثمي ٤٩٣/ ١ برقم ٢٠١٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح رقم ٥١٩٠/ ٥٢٣٦، ومسلم في صحيحه كتاب صلاة العيدين برقم ٨٩٢، والنسائي في سننه كتاب صلاة العيدين رقم ١٥٩٤ و١٥٩٥.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب برقم ٤٩٩٩، والنسائي في السنن الكبرى ٥/ ١٣٩ رقم ٨٤٩٥ و٩١٥٥.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٤٤٩ حديث السائب بن يزيد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ١٣٠: ورواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٨/ ١٥٨ رقم ٦٦٨٦.
[ ٨٦ ]