هذا ولم يكن هناك ساعات محددة أو حصص خاصة لتحصيل العلم، لأن معلم الشريعة - ﷺ - كان بنفسه موجودا في البيت، وكانت (ض) تنال شرف صحبته ليل نهار، [] * تقام في المسجد النبوي يوميا، وحجرتها (ض) كانت ملاصقة للمسجد، ولذا فإنه كانت تتوافر لها فرص الاستفادة من تلك الدروس التي يلقيها الرسول الكريم - ﷺ - أمام الجماهير خارج البيت، وحين يشكل عليها أمر من الأمور ولا تفهمه أو لا تسمعه جيدا فإنها كانت تستفسر النبي - ﷺ - عنه عندما يأتي البيت (٤)، وأحيانا تقترب من المسجد حتى تسمع من قريب، كما أنه - ﷺ - كان قد خصص يوما في الأسبوع لتعليم النساء ووعظهن (٥)، فكانت (ض) تعي من سنن
_________________
(١) أخرج الحاكم في المستدرك عن عروة قوله: «ما رأيت أحدا أعلم بالحلال والحرام والعلم والشعر والطب من عائشة أم المؤمنين»، (١٢/ ٤ برقم ٦٧٣٣).
(٢) يدل عليه قول عروة فيما أخرجه الإمام أحمد: كان عروة يقول لعائشة (ض): «يا أمتاه لا أعجب من فهمك؛ أقول زوجة رسول الله - ﷺ - وبنت أبي بكر. ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس؛ أقول ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس أو من أعلم الناس ..» ٦/ ٦٧ برقم ٤٢٥/ ٢٤.
(٣) نفس المصدر.
(٤) انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل ٧٥/ ٦ برقم ٢٤٥١١ وكذلك ٢٤٥٠٧ وكذلك ٢٤٥١٤.
(٥) أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قالت النساء للنبي - ﷺ - = * قال معد الكتاب: [جاء في كتاب (الدر الثمين من سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ ص: ٤٤ سطر ٥) "وحلقات العلم والدعوة والإرشاد"]
[ ٦١ ]
النبي - ﷺ - في مختلف القضايا وشتى العلوم والمعارف، في اليوم والليلة.
وكان من عادتها أنها كانت طلعة، كثيرة السؤال، لا يهدأ لها بال حتى ترضي طمأنينتها، وتجلو لنفسها كل خفي حتى تحيط به، فكانت ذات مرة قد سمعت قول الرسول - ﷺ -: «من حوسب عذب» فقالت له: إن الله تعالى يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] فقال لها الرسول - ﷺ -: «إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب هلك» (١).
وذات مرة تلت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]- وفي رواية - قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وسألت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال - ﷺ -: «على الصراط» (٢).
ولما سمعت الرسول - ﷺ - يقول: «يحشر الناس يوم القيامة عراة»،
_________________
(١) = غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: «ما منكن امرأة تقدم » (باب هل يجعل للنساء يوم على حدة؟ برقم١٠٢).
(٢) أشار به المؤلف إلى الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه كتاب العلم برقم ١٠٣، ومسلم في صحيحه كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها برقم ٢٨٧٦، والترمذي في سننه كتاب صفة القيامة والرقائق برقم ٢٤٢٦ وأبو داود كتاب الجنائز برقم ٣٠٩٣.
(٣) الرواية التي فيها قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ﴾ أخرجها الإمام أحمد في مسنده عن مسروق قال: قالت عائشة (ض): أنا أول الناس سأل رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ﴾ قالت: فقلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على الصراط. أحمد في المسند ٦/ ٣٥ (٢٤١١٥) وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب صفة القيامة والجنة والنار برقم ٢٧٩١، والترمذي في سننه كتاب تفسير القرآن برقم ٣١٢١، وابن ماجه في سننه كتاب الزهد برقم ٤٢٧٩، والدارمي في سننه كتاب الرقاق برقم ٢٨٠٩. أما الرواية التي فيها قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ﴾ فقد أخرجها الترمذي في سننه كتاب تفسير القرآن برقم ٣٢٤١ وفيها: قالت عائشة: فقلت: فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على جسر جهنم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأخرجها الإمام أحمد في مسنده ٦/ ١١٦ برقم ٢٤٩٠٠، والنسائي في السنن الكبرى ٤٤٧/ ٦ برقم ١١٤٥٣.
[ ٦٢ ]
سألت: هل ينظر الرجال والنساء بعضهم إلى بعض؟ فقال الرسول - ﷺ -: «الأمر أشد من أن يهمهم ذاك» (١) وفي رواية مسلم: «يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض».
وسألت مرة رسول الله - ﷺ - فقالت: هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟
فقال: «يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أويخف، وأما عند تطاير الكتب فإما أن يعطى بيمينه أو يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم، ويتغيظ عليهم، ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة » (٢).
وسألته يوما عن الكفار والمشركين إذا عملوا عملا صالحا في الدنيا فهل يثابون عليه أم لا؟ وذكرت عبد الله بن جدعان من مشركي مكة، الذي كان رجلا صالحا رفيقا بالناس، وقد أنشأ مجلسا للتصالح، (حلف الفضول) جمع فيه كل رؤساء قريش لإيقاف الحرب الناشبة والمستمرة فيما بين قريش وكنانة، قبل مجيء الإسلام، حيث كان الرسول - ﷺ - أحد أعضاء هذا المجلس، فسألت الرسول يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المساكين، ويحسن الجوار، ويقري الضيف، فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا يا عائشة! إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» (٣).
وكما هو معلوم فإن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وركيزة أساسية من
_________________
(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الرقاق برقم ٦٥٢٧، ومسلم في صحيحه كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها برقم ٢٨٥٩، والنسائي كتاب الجنائز برقم ٢٠٨٤.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/ ١١٠ برقم ٢٤٨٣٧، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٥٨ باب ما جاء في الميزان والصراط والورود، وقال: عند أبي داود طرف منه، ورواه أحمد وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح. قلت: أخرجه أبو داود في سننه كتاب السنة برقم ٤٧٥٥.
(٣) الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الإيمان برقم ٢١٤، وابن حبان في صحيحه ٢٩/ ٢ برقم ٣٣٠ والحاكم في المستدرك ٤٣٩/ ٢ برقم ٣٥٢٤، وأحمد في مسنده ٩٣/ ٦ رقم ٢٤٦٦٥. قلت: وسبب إقامة حلف الفضول هو حبس العاص بن وائل السهمي حق رجل من زبيد، انظر السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي ص (١١٢) ط دار القلم بدمشق (الناشر).
[ ٦٣ ]
ركائز ديننا الإسلامي الحنيف وأهم فرائضه، فكانت عائشة ترى أن الجهاد فرض على النساء مثل الرجال، لعدم التفريق بين الصنفين في الفرائض الأخرى، فاستفسرت قائلة: هل عليهن جهاد؟ فقال - ﷺ -: «جهادهن الحج» (١).
كما سألت الرسول - ﷺ - عن الجارية ينكحها أهلها هل تستأمر أم لا؟
فقال لها الرسول - ﷺ -: «نعم تستأمر»، قالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحيي، فقال - ﷺ -: «فذلك إذنها إذا هي سكتت» (٢).
إن الإسلام قد أولى حقوق الجيران اهتماما بالغا وعناية كبيرة، والنساء أحظى الناس في أداء هذه الحقوق، وتتاح لهن الفرص لأداء هذه الحقوق أكثر من الرجال، فأشكلت على عائشة قضية الترجيح بين الجارين فسألته - ﷺ - قائلة: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابا» (٣).
وذات مرة جاءها عمها من الرضاعة يستأذن عليها، فأبت أن تأذن له، فجاء الرسول - ﷺ - فسألته عن ذلك، فقال: إنه عمك فأذني له، قالت: فقلت: يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قالت: فقال الرسول - ﷺ - «إنه عمك فليلج عليك» (٤).
_________________
(١) أشار به المؤلف (ح) إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: يا رسول الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور، فقالت: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -، (البخاري باب حج النساء برقم ١٨٦١، وأخرجه النسائي في كتاب الحج برقم ٢٦٢٨ وابن ماجه في سننه كتاب المناسك برقم ٢٩٠١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح برقم ٥١٣٧، ومسلم في صحيحه كتاب النكاح برقم ١٤٢٠ وكذلك البخاري في صحيحه كتاب الإكراه برقم ٦٩٤٦، والنسائي في كتاب النكاح برقم ٣٢٦٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الشفعة برقم ٢٢٥٩، وكتاب الهبة برقم ٢٥٩٥ وكتاب الأدب برقم ٦٠٢٠، وأبو داود في سننه كتاب الأدب برقم ٥١٥٥، والإمام أحمد في مسنده ٦/ ١٧٥ برقم ٢٥٤٦٢، و٢٣٩/ ٦ برقم ٢٦٠٦٨، والحاكم في المستدرك ٤/ ١٨٥ برقم ٧٣٠٩.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب تفسير القرآن برقم ٤٧٩٦ وكتاب النكاح برقم ٥٢٣٩ ومسلم في صحيحه كتاب الرضاع برقم ١٤٤٥ والترمذي في سننه كتاب الرضاع برقم ١١٤٨.
[ ٦٤ ]
وأشكل عليها مفهوم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] فسألت رسول الله - ﷺ - وقالت: يا رسول الله هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله؟ قال: «لا، يا بنت أبي بكر يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله ﷿ (١).
ولما سمعت قول الرسول - ﷺ -: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» قالت: فقلت: يا رسول الله كلنا نكره الموت، قال: «ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذ بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه» (٢).
وهكذا لدينا عدد كبير من أمثال هذه الاستفسارات والإشكالات التي نجدها في ذخائر السنن النبوية وخزائن الأحاديث الشريفة، التي عرضتها عائشة (ض) على الحبيب المصطفى - ﷺ - للكشف عن حقائقها، وإزاحة الستار عن واقعيتها، وإنها في واقع الأمر عدد من الدروس التي تلقتها عائشة (ض) من لسان الرسول - ﷺ - في تعليمها اليومي حتى إنها (ض) لم يفتها أن توجه السؤال إلى الرسول الكريم - ﷺ - في بعض المناسبات التي يخاف فيها أن يجد الرسول - ﷺ - عليها، لكن من رحمته - ﷺ - بها وحبه لها وشفقته عليها أنه لم يكن يتضايق من مناقشاتها وتوجيهها الأسئلة إليه، بل كان يسر بذلك.
أقسم النبي - ﷺ - مرة أن لا يدخل على نسائه شهرا، وأقام في مشربة له تسعة وعشرين يوما، وهجرهن خلال هذه الفترة، فشق ذلك عليهن كثيرا، ولما مضت تسع وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها، ومما لا شك فيه أنها كانت
_________________
(١) أخرجه الإمام الترمذي في سننه كتاب تفسير القرآن برقم ٣١٧٥، وابن ماجه في سننه كتاب الزهد برقم ٤١٩٨، والإمام أحمد في مسنده ٦/ ١٥٩ رقم ٢٥٣٠٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الرقاق رقم ٦٥٠٧، ومسلم في صحيحه كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم ١٥٧ وبرقم ٢٦٨٥، والترمذي في سننه كتاب الجنائز رقم ١٠٦٧.
[ ٦٥ ]
مناسبة مباركة تبعث على الفرح والسرور بالنسبة لعائشة (ض)، وكان المفروض أن تسر بها عائشة وتنسى كل ما مضى، ولا تتفوه بكلمة تكاد تغضب النبي - ﷺ -، ولكنها آثرت فهم الشريعة وحل عقدتها على هذه الفرحة، فماذا سمع منها الرسول - ﷺ - أول ما سمع؟ قالت: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدها عدا؟ فقال النبي - ﷺ -: «الشهر تسع وعشرون، وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين » (١).
استأذن رجل على رسول الله - ﷺ - فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، فتعجبت عائشة من ذلك، فلما نهض قالت: يا رسول الله! قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام؟ فقال - ﷺ - «أي عائشة! إن شر الناس من تركه الناس، أو ودعه الناس اتقاء فحشه» (٢).
كان النبي - ﷺ - لا يقبل هدايا الأعراب وأصحاب البادية، لما كان يعلم أنهم لا يتحرون في أطعمتهم وأشربتهم، ولا يحتاطون فيها، كما أنهم ليس لديهم علم كاف بشرائع الإسلام ومبادئ الدين، وذات يوم جاءت أم سنبلة، وأهدت إلى رسول الله - ﷺ - لبنا، فلم تجده، فقالت لها عائشة: إن رسول الله - ﷺ - قد نهى أن يؤكل طعام الأعراب، فدخل رسول الله - ﷺ - وأبو بكر فقال: ما معك يا أم سنبلة؟ قالت: لبنا أهديت لك يا رسول لله، قال: اسكبي أم سنبلة، فسكبت، فقال: ناولي أبا بكر، ففعلت، فقال: اسكبي أم سنبلة، فسكبت، فناولت رسول الله - ﷺ - فشرب، قالت عائشة: يا رسول الله كنت حدثت أنك قد نهيت عن طعام الأعراب؟ فقال: «يا عائشة! إنهم ليسوا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المظالم والغصب برقم ٢٤٦٨ في حديث طويل، وكتاب النكاح برقم ٥١٩١، ومسلم في صحيحه كتاب الطلاق برقم ١٤٧٥، والترمذي في سننه كتاب التفسير برقم ٣٣١٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأدب باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب برقم ٦٠٥٤ ومسلم في صحيحه كتاب البر والصلة والآداب برقم ٢٥٩١، والترمذي في سننه كتاب البر والصلة برقم ١٩٩٦، وأبو داود كتاب الأدب برقم ٤٧٩١.
[ ٦٦ ]
بالأعراب، هم أهل باديتنا ونحن أهل حاضرتهم، وإذا دعوا أجابوا، فليسوا الأعراب» (١) قصد النبي - ﷺ - بذلك أنهم يعرفون أحكام الشريعة، وإذا دعوناهم إلى نصرة الدين فإنهم يجيبون ولا يترددون، إذن هم ليسوا من الأعراب.
ولما سمعت قول الرسول - ﷺ - «سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يدخل أحدا الجنة عمله» فاستغربت من قوله: «فإنه لا يدخل أحدا الجنة عمله» لظنها أن المعصومين يستثنون من هذه القاعدة العامة، فسألت: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة» (٢).
ورأت مرة رسول الله - ﷺ - يريد أن ينام قبل أن يوتر، فقالت: يا رسول لله أتنام قبل أن توتر؟ قال: «يا عائشة إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي» (٣).
قد تبدو هذه الأسئلة من قبيل سوء الأدب لأولئك الذين لا يدركون حقيقة الأمور، ولا يتعمقون في التفكير، لكن الواقع الذي لا ينازع فيه اثنان أنه لو لم تكن هذه الجرأة النسائية لتوجيه الأسئلة إلى النبي - ﷺ - والاستفسارات عن الإشكالات، لما أمكن اليوم لأبناء الأمة المحمدية أن يطلعوا على حقيقة النبوة، وبغض النظر عن هذه الأسئلة والمناقشات العلمية والمباحث الدراسية فهناك جانب آخر مهم ألا وهو مراقبة النبي - ﷺ - لكل أعمال وحركات عائشة (ض) وإيلاؤه إياها اهتماما بالغا، فكان - ﷺ - ينبهها على زلاتها، ويربيها ويعلمها بعناية فائقة، ولم يفتأ رويدا رويدا يشركها في العبء الذي ينبغي أن تنهض به زوجة النبي وأم المؤمنين وسفيرته الأولى إلى عالم النساء.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ١٤٢/ ٤ رقم ٧١٦٨ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٤٩/ ٤ باب ثواب الهدية والثناء والمكافأة، وأحمد في المسند ١٣٣/ ٦ برقم ٢٥٠٥٤، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٩٤/ ٨، وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب ١٩٤٢/ ٤،وابن حجر في الإصابة ٨/ ٢٣٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الرقاق برقم ٦٤٦٧، وسلم في صحيحه كتاب صفة القيامة والجنة والنار برقم ٢٨١٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب صلاة التراويح برقم ٢٠١٣، ومسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها برقم ٧٣٨.
[ ٦٧ ]
دخل رهط من اليهود على رسول الله - ﷺ - فقالوا: السام عليك - بدل السلام عليك - فقال - ﷺ -: «وعليكم»، وكانت عائشة (ض) تسمع ذلك فقالت: وعليكم السام واللعنة، فقال رسول الله - ﷺ -: «مهلا يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله» (١).
سرق لعائشة (ض) شيء، فجعلت تدعو على من سرقه - كما هي عادة النساء - فقال لها النبي - ﷺ - «لا تسبخي عنه» (٢).
ذات مرة كانت عائشة مع النبي - ﷺ - في سفر فلعنت بعيرا لها - كعادة النساء في هذه المناسبات - فأمر به النبي - ﷺ - أن يرد، وقال: «لا يصحبني شيء ملعون» (٣). فكان ذلك تعليما لها عدم توجبه اللعن إلى البهائم.
من الواقع الملموس أن الناس عامة وبخاصة النساء لا يبالون بمحقرات الذنوب، ويتساهلون في هذا الجانب تساهلا كبيرا، وقد أحس بذلك النبي - ﷺ - وأدرك هذه الخطورة، فقال مخاطبا عائشة (ض): «يا عائشة! إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله ﷿ طالبا» (٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الأدب بارقام ٦٠٢٤ - ٦٢٥٦ - ٦٣٩٥ - ٦٤١٠، ومسلم في صحيحه كتاب السلام برقم ٢١٦٥، والترمذي في سننه كتاب الاستائذان والآداب برقم ٢٧٠١.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/ ٤٥ برقم ٢٤٢٢٩ وفي رواية أخرى له «سرق لي ثوب» ٦/ ١٣٦ برقم ٢٥٠٩٥، وفي رواية أخرى «سرقت مخنقتي» ٦/ ٢٥١ برقم ٢٥٨٤٠، كما أخرجه الإمام أبو داود في سننه باب فيمن دعا على من ظلم برقم ٤٩٠٩، وفي رواية أخرى له «سرقت ملحفة لها» برقم ١٤٩٧ كتاب الصلاة. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى باب لعن السارق برقم ٧٣٥٩، ٣٢٧/ ٤ والطبراني في الأوسط بلفظ «سرق لها متاع» ٤/ ١٨٤ برقم ٣٩٢٥. وقوله: (لا تسبخي) لا تخففي.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/ ٧٢ برقم ٢٤٤٧٨، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٧٧ باب ما نهي عن سبه من الدواب وما يفعل بالدابة إذا أجيب في لعنها.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/ ٧٠ برقم ٢٤٤٦٠، و٦/ ١٥١ برقم ٢٥٢١٨، والدارمي في سننه باب في المحقرات برقم ٢٧٢٦، وذكره أبو المحاسن يوسف الحنفي في معتصر المختصر ٣٣٩/ ٢ باب في محقرات الذنوب، ط: عالم الكتب بيروت، والطبراني في الأوسط ٣/ ٣١ برقم ٢٣٧٧ و٤/ ١٢٥ برقم ٣٧٧٦، وإسحاق بن راهويه في مسنده ٢/ ٥٣٨ برقم ١١٢٠.
[ ٦٨ ]
وذات مرة كانت تحكي للنبي - ﷺ - عن امرأة فوصفتها بالقصيرة فقال لها النبي - ﷺ -: «اغتبتها» (١).
كانت أم المؤمنين صفية (ض) قصيرة القامة، فذكرتها عائشة (ض) ذات يوم وقالت بيدها هكذا، كأنها تعني قصيرة، فقال النبي - ﷺ -: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لعكرت صفو الماء كله» فقالت: يا رسول الله إني حكيت لك رجلا، فقال - ﷺ -: «ما يسرني أني حكيت رجلا وأن لي كذا وكذا» (٢).
جاء مسكين إلى عائشة فتصدقت عليه بشيء، فأمرت بريرة أن تأتيها فتنظر إليه، فقال لها النبي - ﷺ -: «لا تحصي فيحصى عليك» (٣). وقال لها في مناسبة أخرى: «يا عائشة استتري من النار ولو شق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان» (٤).
سمعت النبي - ﷺ - يدعو «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة» فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: «إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا، يا عائشة! لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة! أحبي المساكين وقربيهم، فإن الله يقربك يوم القيامة» (٥).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ١٣٦/ ٦ برقم ٢٥٠٩٣، و٢٠٦/ ٦ برقم ٢٥٧٤٩، والبيهقي في شعب الإيمان ٥/ ٣٠٣ برقم ٦٧٣٠، وهناد في الزهد ٢/ ٥٦٨ برقم ١١٩٠ ط: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي الكويت ١٤٠٦.
(٢) أخرجه الإمام الترمذي في سننه كتاب صفة القيامة والرقائق والورع برقم ٢٥٠٢ والإمام أبو داود في كتاب الأدب برقم ٤٨٧٥، والإمام أحمد في مسنده ١٨٩/ ٦ برقم ٢٥٦٠١.
(٣) أخرجه الإمام ابن حبان في صحيحه ذكر الزجر عن إحصاء المرء صدقته إذا تصدق بها ٨/ ١٥١ برقم ٣٣٦٥، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد باب اللهم أعط منفقا خلفا ١٢٢/ ٣ والإمام النسائي في السنن الكبرى باب الإحصاء في الصدقة ٣٨/ ٢ برقم ٢٣٣٠، والإمام أحمد في مسنده ٧٠/ ٦ برقم ٢٤٤٦٣ و١٠٨/ ٦ برقم ٢٤٨١٠.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٧٩/ ٦ برقم ٢٤٥٤٥، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب ٦/ ٢ برقم ١٢٧٨، وأصل الحديث موجود في الكتب الستة وغيرها بلفظ «اتقوا النار ولو بشق تمرة».
(٥) أخرجه الإمام الترمذي في سننه كتاب الزهد برقم ٢٣٥٢، والبيهقي في شعب الإيمان =
[ ٦٩ ]
فكان النبي - ﷺ - يعلمها الأحكام الدينية والمسائل الشرعية المنوطة بمختلف المجالات من الصلاة والذكر والدعاء، والحياة الاجتماعية، وهي تتعلمها بكل شوق ورغبة، وتستمع إليها بآذان صاغية وقلوب واعية، وتعمل بها بكل مواظبة ومداومة (١).