خرج علي (ض) من المدينة ومعه مبعمئة شخص، فلما وصل إلى الكوفة اجتمع معه سبعة آلاف، وأهل البصرة كانوا ينتظرونهم، فلما وصلوا إلى البصرة كانوا حوالي عشرين ألفا.
أما عائشة (ض) فاجتمع حواليها ثلاثون ألف شخص تقريبا، وتواجه الفريقان في ساحة المعركة والتقوا، فنزلت القبائل إلى قبائلهم، مضرهم إلى مضرهم، ربعيهم إلى ربعيهم، يمانيهم إلى يمانيهم، فوضعوا فيهم السلاح. فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم.
كانت هذه المأساة المروعة تعتبر من أعظم المآسي في تاريخ المسلمين، وهذا اليوم المشؤوم المفجع الذي لم ير المسلمون أسوأ منه في تاريخهم، وبالرغم من أن القلوب كانت عامرة بالحب والمودة، إلا أن الفكرة السياسية قد فرقت بين الأشقاء، وفلذات أكباد أم واحدة، فواحد هنا والآخر هناك، كل واحد يرى الحق في مكان دون مكان، وكان الشوق إلى البحث عن الحق والوصول إليه مرتبطا بالحب الأخوي، وقلب كل مسلم يبكي دما لما يعاني من هذا الموقف العصيب الشديد، ويواجه هذه المأساة الأليمة، ويرى أن تلك السيوف التي كانت تصيب رؤوس المشركين وتقضي على الباطل، سوف تستخدم الآن لإصابة أيدي وصدور الأصدقاء والإخوان من المسلمين، ولما رأى الزبير (ض) هذا المنظر المفجع لم يلبث إلا أن قال: لما أصبح المسلمون مثل الجبال الراسيات في القوة والطاقة يريدون أن يحطم بعضهم بعضا.
_________________
(١) تاريخ الطبري ٢١/ ٣ - ٢٠.
[ ١٨٣ ]
وكان كلا الفريقين يعتبر نفسه على الحق دون الآخر، ولا يرضى أن يتزعزع من موقفه، ويتنازل عنه ولو قيد شبر. وأرسل بعض بني عدي فيمن أرسل، فأقبل رسوله حتى نادى على باب مسجدهم: ألا إن أبا نجيد عمران بن الحصين يقرئكم السلام ويقول لكم: والله لأن أكون في جبل حضن مع أعنز وضأن، أجز أصوافها وأشرب ألبانها، أحب إلي من أن أرمي في شيء من هذين الصفين بسهم، فقالت بنو عدي جميعا بصوت واحد: إنا والله لا ندع ثقل رسول الله - ﷺ - لشيء، يعنون أم المؤمنين.
هذا وكان كلا الفريقين على يقين أن هذه المعركة لا تطول إلى المواجهة والمحاربة، وإنما تنحل بالصلح والإصلاح، فأرسل علي القعقاع بن عمرو إلى طلحة والزبير فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة (ض) وقال: أي أمه ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني، إصلاح بين الناس، فسأل طلحة والزبير: ما تقولان أنتما: أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان، قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفنا لنصلحن، ولئن أنكرناه لا نصلح، قالا: قتلة عثمان (ض)، فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن، وإن عمل به كان إحياء للقرآن، فقال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمئه إلا رجلا، فغضب لهم ستة آلاف، واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم، فلما سمعوا ذلك أثر فيهم هذا الكلام وقالوا: نعم إذا قد أحسنت، وأصبت المقالة، فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر، فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، فكره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه (١).