كذلك فقدته ذات ليلة وقد مضى من الليل نصفه، فبدأت تبحث عنه، حتى وجدته في البقيع، وهو رافع يديه يدعو ربه، فانحرفت، فلما أصبحت
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك في الموطأ كتاب النداء للصلاة برقم ٤٩٧، كما أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة برقم ٤٨٦، والترمذي في سننه كتاب الدعوات برقم ٣٤٩٣، وأبو داود في سننه كتاب الصلاة برقم ٨٧٩، وابن ماجه في سننه كتاب الدعاء برقم ٣٨٤١، قوله: «والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصلاة برقم ٥١٣، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة برقم ٥١٢، والنسائي في سننه كتاب الطهارة برقم ١٦٨.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة برقم ٤٨٥، والنسائي في سننه كتاب التطبيق برقم ١١٣١.
[ ٨٢ ]
أخبرته بما حدث، فقال - ﷺ -: «فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ فقالت: نعم» (١).
وكان النبي - ﷺ - إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فمرة طارت القرعة لعائشة وحفصة. وكان النبي - ﷺ - إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث، فقالت لها حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري؟ وأركب بعيرك؟ تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبت، فجاء النبي - ﷺ - إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها ثم سار، حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجلها بين الإذخر، وتقول: «يا رب سلط علي عقربا، أو حية تلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئا» (٢).
وإذا تأملنا في الفقرة الأخيرة من الحديث تبين لنا مدى غيرتها الشديدة، والأنوثة التي فيها، والمنافسة القوية التي كانت فيما بين الضرائر.
ولما آلى النبي - ﷺ - من نسائه لمدة شهر وأقام في مشربة له عند حجرة عائشة، واعتزلهن، كان لهذا أثر عميق على أمهات المؤمنين، وإذا هن يبكين
_________________
(١) تعددت الألفاظ لهذا الحديث إلا أن فحواها واحد، وقد أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة (ض) قالت: لما كانت ليلتي التي هو عندي - تعني النبي - ﷺ - -انقلب فوضع نعليه عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، ثم انتعل رويدا، وأخذ رداءه رويدا، ثم فتح الباب رويدا، وخرج رويدا، وجعلت درعي في رأسي واختمرت، وتقنعت إزاري، وانطلقت في إثره، حتى جاء البقيع فرفع يديه ثلاث مرات، فأطال، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت وسبقته، فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت، فدخل فقال: ما لك يا عائشة حشيا رابية، قالت: لا، قال: لتخبريننى أو ليخبزني اللطيف الخبير، قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته الخبر، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قالت: نعم الحديث. أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز برقم ٩٧٤، والنسائي في سننه كتاب الجنائز رقم ٢٠٣٧ وفي كتاب عشرة النساء رقم ٣٩٦٣/ ٣٩٦٤، وأخربه ابن ماجه مختصرا في سننه كتاب ما جاء في الجنائز برقم ١٥٤٦، وكتاب إقامة الصلاة والسنة فيها برقم ٣٨٩، والترمذي في سننه كتاب الصوم برقم ٧٣٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح رقم ٥٢١١، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٤٥، وابن ماجه في سننه الجزء الأول من الحديث كتاب النكاح برقم ١٩٧٠.
[ ٨٣ ]
من شدة ما أصابهن من حزن وقلق، حتى لم تستطع إحداهن أن تدخل عليه من دون إذن، وعائشة (ض) كانت تعد الشهر عدا تنتظر انتهاءه، فلما كمل الشهر أول ما بدأ النبي - ﷺ - بدأ بعائشة (ض) (١).
هذا وقد كانت أمهات المؤمنين على درجات متفاوتة من الناحية الاقتصادية في بيوت آبائهن، فبعضهن كن من الأسر الثرية ذات الأموال والخيرات، وكن تربين في الترف ونعمة العيش، فنازعن النبي - ﷺ -، وألحفن عليه بطلب المزيد من النفقة والزينة، فنزلت آية التخيير (٢)، فخيرهن النبي - ﷺ - بين التسريح والصبر على نصيبهن، فاخترن أجمل النصيبين بهن، وهو الصبر على سنة الأنبياء وأمهات المؤمنين، ورضين بهذه الحياة النبوية بكل فرح وسرور وسعادة، فبدأ النبي - ﷺ - بعائشة أول امرأة من نسائه كلهن (٣)، فاختارته وقالت: «يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني اخترتك» (٤)، وهنا تظهر غيرتها واستئثارها به - ﷺ - دون غيرها، وذلك لكي تنال فضل التقدم في الاختيار، وفي كلامها هذا إيحاء إلى الطبيعة النسائية وفطرة المرأة التي جبلت عليه. وفي نهاية أيام هذا الحادث نزلت آية الإرجاء (٥)، حيث خير النبي - ﷺ - بإبقاء من أراد من أزواجه في كنفه، ومفارقة الأخريات، إلا أنه - ﷺ - لم يرض بمفارقة أي واحدة منهن، نظرا لما كان يحمل - ﷺ - بين جنبيه من الرحمة والشفقة
_________________
(١) يراجع: صحيح البخاري كتاب النكاح برقم ٥١٩١، وكتاب المظالم والغصب برقم ٢٤٦٨، ومسلم كتاب الطلاق برقم ١٤٧٩.
(٢) وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩].
(٣) انظر: صحيح البخاري كتاب المظالم والغصب رقم ٢٤٦٨ وكتاب تفسير القرآن رقم ٤٧٨٦.
(٤) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الطلاق برقم ١٤٧٥ بلفظ «لا تخبر نساءك»، وأخرجه الترمذي في سننه كتاب تفسير القرآن برقم ٣٣٨.
(٥) وهي قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١].
[ ٨٤ ]
والحب والوفاء للأزواج المطهرات. وكانت عائشة (ض) تقول: «إن كان ذاك إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا» (١).
ولما أتى النبي - ﷺ - نعي جعفر الطيار (ض) غزوة مؤتة حزن حزنا شديدا، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن شاء جعفر وذكر بكاءهن، فأمره بأن ينهاهن، فذهب الرجل ثم أتى فقال: قد نهيتهن، وذكر أنهن لم يطعنه، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب ثم أتى فقال: والله لقد غلبنني أو غلبننا، فقال النبي - ﷺ -: «فاحث في أفواههن التراب، وعائشة (ض) كانت تطلع عليه من شق الباب، فقالت: أرغم الله أنفك فوالله ما أنت بفاعل، وما تركت رسول الله - ﷺ - من العناء» (٢).
وغالبا ما ينام النبي - ﷺ - ويضع رأسه على فخذ عائشة، وذات مرة جاءها أبو بكر (ض) ورسول الله - ﷺ - واضع رأسه على فخذها قد نام، فعاتبها وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنها بيده في خاصرتها، تقول عائشة: «فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله - ﷺ - على فخذي» (٣).