مكثت عائشة (ض) في بيت أمها بعد نكاحها حوالي ثلاث سنين، سنتان وثلاثة أشهر في مكة، وسبعة أشهر في المدينة المنورة بعد الهجرة.
ومعلوم تاريخيا أن المسلمين هاجروا من مكة مرتين، الهجرة الأولى كانت إلى بلاد الحبشة، والهجرة الثانية كانت إلى المدينة، وإن عائشة (ض) تابعت موضع الهجرة وقصتها بكل دقة وبراعة، وها هي تحكي لنا قصة هجرة أبي بكر وما أصابه من الأذى في سبيل دينه، حتى خرج من مكة مهاجرا قبل الحبشة؛ تقول (ض): «حتى إذا بلغ برك العماد لقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار فارجع فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج الحديث» (٢) ويحتمل أن تكون عائشة وأهلها كلهم كانوا مع أبي بكر في هذه الرحلة.
وأما الهجرة الثانية: فإنه لما اشتد الظلم على المسلمين في مكة، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وظلت المصائب والمشاق تزداد عليهم يوما بعد يوم من قبل المشركين، وتعرضوا لأقسى أنواع الأذى والاضطهاد نوى الرسول - ﷺ - الهجرة إلى المدينة.
_________________
(١) انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ١٨٨١/ ٤ رقم الترجمة ٤٠٢٩، ط: دار الجيل بيروت ١٤١٢ هـ، ت: علي محمد البجاوي.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الحوالة برقم ٢٢٩٨ وكتاب المناقب برقم ٣٩٠٦.
[ ٥٠ ]
ولنسمع قصة هذه الهجرة من فم عائشة (ض) تقول: لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله - ﷺ - طرفي النهار بكرة وعشية، بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - ﷺ - متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر فقال النبي - ﷺ -: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أذن لي في الخروج، قالت عائشة: فجهزناهما (الراحلتين) أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به فم الجراب » (١).
وهكذا هاجر النبي - ﷺ - ومعه أبو بكر (ض) إلى المدينة، وتركوا أهاليهم بين هؤلاء الأعداء، وعندما حل الركاب النبوي المبارك بالمدينة كان الثاني عشر من شهر ربيع الأول من العام الرابع عشر من البعثة.
ولما استقر - ﷺ - بالمدينة أرسل كلا من زيد بن حارثة وأبي رافع إلى مكة لكي يأتيا بأهله، وبعث أبو بكر معهما عبد الله بن أريقط الليثي، وكتب إلى ابنه عبد الله يأمره أن يحمل أهله أم رومان وعائشة وأسماء، فخرج بهم عبد الله، وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة وأم كلثوم وسودة وأم أيمن وأسامة، فاصطحبوا جميعا، حتى إذا كانوا في طريقهم إلى المدينة نفر بعير عائشة (ض)، فجعلت أمها تقول: وابنتاه، واعروساه، حتى أدرك البعير وقد هبط، فقدموا المدينة، فنزلت عائشة مع عيال أبي بكر، ونزل آل رسول الله - ﷺ - وهو يومئذ يبني المسجد وأبياتا حول المسجد فأنزل فيها أهله» (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب برقم ٣٩٠٦.
(٢) انظر تفاصيل هذه القصة في: المستدرك على الصحيحين ٦/ ٤ - ٥ برقم ٦٧١٦، الطبقات الكبرى لابن سعد ٦٣/ ٢، المعجم الكبير للطبراني ٢٣/ ٢٥ برقم ٦٠، ومجمع الزوائد للهيثمي ٢٢٧/ ٩ ط: دار الريان للتراث القاهرة ١٤٠٧ هـ، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ١٥٢، الاستيعاب ١٩٣٦/ ٤ ط: دار الجيل بيروت.
[ ٥١ ]