﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ*وَلله الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله
_________________
(١) سورة الحشر، الآية: ٧.
[ ٩٠ ]
إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
أ - عن ابن عباس ﵄ «أن قريشًا منعوا الرسول ﵊ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله﴾ الآية (٢).
وفي رواية أخرى: «عن عبد الرحمن بن زيد أنه قال: هم المشركون حين صدوا رسول الله عن البيت يوم الحديبية».
ب - وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي يصلي على راحلته تطوعًا أينما توجهت به، ثم قرأ ابن عمر: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) «الآية».
والآية أباحت للمصلي كما فعل الرسول ﵊.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: هذا الاستفهام للنفي: أي لا أحد أظلم، دلت الآية على هذا الظلم بأنه بلغ نهايته.
﴿أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾: له ثلاثة أوجه في الإعراب.
الأول: أنه بدل من مساجد. وتقدير المعنى: ومن أظلم ممن منع مساجد الله بمنع ذكر اسمه فيها.
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتان: ١٦٤ - ١٦٥.
(٢) متفق عليه، البخاري، برقم ٤٠٠، ومسلم، برقم ٥٤٠، وهذا لفظ الترمذي، برقم ٢٩٥٨.
(٣) سورة البقرة، الآية ١٦٥.
[ ٩١ ]
الثاني: أنها مفعول له: ( كراهية أن يذكر فيها اسمهُ ..) أو ( من أن يذكر فيها اسمه).
الثالث: أنها مفعول ثان للفعل (منع)، ومَنَع: تنصب مفعولين:
المفعول الأول: مساجد.
الثاني: ذكر اسم الله (مصدر محول من مصدر مؤول).
﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾: قال المفسرون: هي أعم من قوله أن يذكر فيها اسمه؛ لأن السعي في خراب المساجد يشمل خرابها وزيادة.
﴿لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾: أي الذل.
﴿تُوَلُّواْ﴾ تتجهوا.
﴿فَثَمَّ﴾: هناك. أو هنالك.
أي: أينما اتجهت.
﴿إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: وذلك بأنه وسع على عباده بتحليل ذلك لهم.
الفوائد والأحكام:
١ - حرمة منع المسلمين من عمارة المساجد، وحرمة السعي في تخريبها.
٢ - تعظيم أمر الصلاة ببيان أنها لمَّا كانت أفضل الأعمال وأعظمها أجرًا، كان منعها أعظم إثمًا.
٣ - تعظيم أمر المساجد بالوعيد الشديد لمن يسيء إليها.
٤ - وجوب العناية بالمساجد وإعمارها بالصلاة والذكر.
[ ٩٢ ]
٥ - بيان أن المساجد لله، وليست مملوكة لمن يبنيها، وأن من بنى مسجدًا على أرض له وجعلها للمسلمين، خرجت الأرض والمسجد عن جملة أملاكه وصار للمسلمين.
٦ - وجوب حماية المساجد من دخول الكفار إليها.
٧ - وجوب إظهار شوكة المسلمين وقوتهم؛ لإخافة أعداء الله.
٨ - جواز الصلاة النافلة على الراحلة في السفر إلى غير جهة القبلة.
٩ - سقوط شرط استقبال الكعبة عند الصلاة المكتوبة عند التباس أمر القبلة على المصلي.
١٠ - بيان فضل سعة الله وفضله، وأن الشرائع مبنية على التيسير والتخفيف.
١١ - اختلف العلماء في صحة الصلاة المكتوبة عند التباس القبلة على المصلي: فذهب الشافعية إلى أنها لا تجزئه، واستدلوا على ذلك بأن القبلة أي استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، فلا يكون الخطأ عذرًا في تركها، وذهب الجمهور إلى صحة الصلاة من غير إعادة، مع استحباب [الإمام] مالك الإعادة في الوقت، واستدل الجمهور بما رواه ابن ماجه والترمذي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: «كنا مع الرسول - ﷺ - في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للرسول - ﷺ -، فنزل
[ ٩٣ ]
قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾» (١).
وقد أجيب على استدلال الشافعية بأن هذه من حالات الضرورات التي تبيح المحظورات، وقد اتفق العلماء على صحة صلاة المجاهد إلى أي جهة حال المسايفة، وهي الضرب بالسيف، فهذه ضرورة أباحت للمصلي ترك القبلة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي، برقم ٢٩٥٧، وابن ماجه، برقم ١٠٢٠، وحسنه العلامة الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٣٢٣. والآية ١١٥من سورة البقرة.
[ ٩٤ ]
تفسير د. الزناتي
قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ*وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١).
* القصاص في الاصطلاح: أن يُفعل بالجاني مثل فعله، إن قَتَل يُقتل، وإن جَرحَ يُجرح.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾: دلالة على أن القتل أمر عارض على المجتمع؛ لأنه جعلهم إخوة.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾: إذا عرف الناس أن القاتل يُقتل كفّوا عن القتل، فإذا انعدم القتل كسبنا حياتين:
- الحياة الأولى: حياة للمقتول (أو الشخص الذي أريد به القتل) بحيث امتنع عمن أراد القتل عن قتله.
- الحياة الثانية: حياة للقاتل بحيث امتنع عن القتل فلا يقتل.
حدود الإسلام ستة:
وقد شرعت لحفظ ستة حقوق، وهي:
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتان: ١٧٨ - ١٧٩.
[ ٩٥ ]
١ - حق الحياة: وصيانة لهذا الحق فقد شرع القصاص.
٢ - حق الدين: لقول النبي - ﷺ -: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (١)، وهم المشركون المتعصبون ضد الإسلام، وقال - ﷺ -: «من بدّل دينه فاقتلوه» (٢).
٣ - حق المال: كفل الإسلام حق الملكية الخاصة، فشرع قطع يد السارق.
٤ - حق العرض: شرع حد الزنى لحفظ العرض، وشرع حد القذف.
٥ - حق العقل: ولذلك شرع حد الشارب.
٦ - حق الأمن العام: لذلك شرع حد الحرابة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ (٣) الآية.
أولًا: حد القصاص:
الرأي الأرجح: أن الحدود زواجر وجوابر، بحيث ينزجر فاعله،
_________________
(١) البخاري، برقم ٢٥، ومسلم، برقم ٢١، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٢) البخاري، برقم ٣٠١٧، عن ابن عباس ﵄.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٣٣.
[ ٩٦ ]
وينجبر الخطأ الذي فعله. (زواجر): لمن شاهد.
- هل يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي؟
رأيان للعلماء:
١ - لا يجوز قتل الحر بالعبد، ولا المسلم بالذمي، وهو رأي كل من الشافعية، والمالكية، وأحمد.
٢ - يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، وهو قول أبي حنيفة.
* أدلة الجمهور:
١ - ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (١) الآية. قال: فاشترطت الآية المساواة في النوع، وعلى ذلك لا يجوز قتل الحر بالعبد؛ لأن العلماء أخذوا بمنطوق الآية.
٢ - قول الرسول - ﷺ -: «لا يقتل مسلم بكافر» (٢) ..
٣ - (بالمعقول): قالوا: إن العبد مثل السلعة، وصاحب السلعة قد يتلفها ولا يضمنها، ثم إن العبد جاء نتيجة الكفر، والقتال، فهو شر الدواب.
* أدلة أبي حنيفة:
استدل أبو حنيفة بسبعة أدلة:
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
(٢) البخاري، برقم ١١١، عن أبي جحيفة عن علي - ﵁ -.
[ ٩٧ ]
١ - عموم الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١)، والجزء الآخر من الآية هو مقابل ما كان موجودًا في الجاهلية.
٢ - الآية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢) الآية، فشرع من قبلنا شرع لنا إن لم ينسخ.
٣ - عموم قوله: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ (٣).
٤ - قوله ﵊: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» (٤).
٥ - قوله - ﷺ -: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن خصى عبده خصيناه» (٥).
٦ - واستدل من السنة بما رواه البيهقي بسنده، وضعفه أن رسول الله
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٤٥.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٣٣.
(٤) رواه أبو داود، برقم ٢٧٥٣، والنسائي، برقم ٤٧٤٦ عن علي - ﵁ -، وصححه الحاكم، ٢/ ١٤١، والألباني في صحيح أبي داود، برقم ٢٣٩٠.
(٥) [رواه أبو داود، برقم ٤٥١٧، الترمذي، برقم ١٤١٤، وحسنه، وابن ماجه، برقم ٢٦٦٣، والنسائي، برقم ٤٧٣٦، والحاكم، ٤/ ٣٦٧، وصححه، ووافق عليه الذهبي.
[ ٩٨ ]
- ﷺ - قتل مسلمًا بمعاهد. وقال: «أنَا أَحَقُّ مَنْ أَوْفَى بِذِمَّتِه» (١).
٧ - استدلال عقلي: إن مال العبد يقطع به، فكذلك روح العبد إذا أزهقت يقتص بها؛ لأن حرمة الروح أولى من حرمة المال، فيقتل من قتل عبده.
الراجح هو: [ما ذهب إليه] أبو حنيفة في الشق الأول (الحر بالعبد)؛ لكثرة الأدلة، مع الدليل العقلي.
[وما ذهب إليه] الجمهور: هو أرجح في عدم قتل المسلم بالذمي.
الحكم الثالث: هل يقتل الوالد إذا قتل ولده؟
١ - الجمهور: ومنهم مالك في أحد قوليه: لا يقتل والد إذا قتل ولده؛ لقوله - ﵇ -: «لا يقتل الوالد بالولد» (٢). [رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، عن عمر - ﵁ -].
دليل العقل: (أن الأب كان سببًا في وجود ابنه، فلا يعقل أن يكون الابن سببًا في عدم أبيه (قتله).
٢ - يقتل بولده إذا تعمد قتله، وأضجعه وذبحه متعمدًا. (قول مالك الآخر).
_________________
(١) مسند الشافعي، ١/ ٤١٢، والدارقطني، ٣/ ١٣٥، والسنن الكبرى للبيهقي، ٨/ ٣٠.
(٢) أخرجه الترمذي، برقم ١٤٠٠، وابن ماجه، برقم ٢٦٦٢، وأحمد، برقم ١٤٧، والدارقطني، ٣/ ١٤١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٢١٥٧.
[ ٩٩ ]
٣ - يقتل به لعموم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (١) الآية.
ولعلهم لا يقبلون أخبار الآحاد في مواجهة عموم القرآن، وعلى ذلك فالرأي الراجح هو: رأي الجمهور الذي ينص على عدم قتل الأب بابنه؛ ولأن الشفقة تمنعه من قتل ابنه.
الحكم الرابع: هل يقتل الجماعة بالواحد: اختلف الفقهاء ﵏ على رأيين:
١ - مذهب الجمهور: أن الجماعة تقتل بالواحد.
٢ - رأي أبي داود الظاهري، ورواية عن أحمد: لا تقتل الجماعة بالواحد.
الأدلة: دليلان لجمهور أهل العلم:
استدل الجمهور: بفعل عمر بن الخطاب، وإجماع الصحابة على ذلك، أنه أمر بقتل سبعة رجال تمالأوا على قتل غلام باليمن.
وما روي عن الرسول - ﷺ -: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمنٍ لأكبهم الله في النار» (٢).
إذا كان هذا جزاءهم في الآخرة، فلماذا لا يعاقبون في الدنيا، إذا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
(٢) رواه الترمذي، برقم ١٣٩٨ عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٠٣.
[ ١٠٠ ]
اشتركوا في الأخروية، فالدنيوية من باب أولى؟
ثم إن الله شرع القصاص حفاظًا على المجتمع من القتل، فإذا وجد القتل من واحد يمنعه القصاص، وكذلك الجماعة.
استدلال الظاهرية: استدلوا بظاهر ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (١)، وظاهر ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢).
والراجح: ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن القصاص شرع لمنع القتل.
الحكم الخامس: كيف يقتل الجاني عند القصاص:
- على قولين:
١ - مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد: القصاص يكون بنفس الطريقة التي قتل بها المقتول. (حرقًا بحرق، ورضخًا برضخ ).
٢ - أبو حنيفة، ورواية عن أحمد: القتل لا يكون إلا ضربة بالسيف؛ لأن الغرض إتلاف نفس بنفس. أدلتهم: (لا قود إلا بالسيف). و(أن النبي - ﷺ - نهى عن المثلة). وقوله - ﷺ -: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» (٣).
ولأن القتل بنفس الطريقة لا تضمن المماثلة والتساوي، وعليه فالرأي الثاني هو الراجح لكثرة الأدلة، وصحة الدليل العقلي.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
(٣) رواه مسلم، برقم ١٩٥٥، عن شداد بن أوس - ﵁ -.
[ ١٠١ ]
الحكم السادس: ما حكم من قتل بعد أخذ الدية؟
أربعة أقوال:
١ - مالك والشافعي: هو كمن قتل ابتداء، يقام عليه القصاص.
٢ - عذابه أن يقام عليه القصاص، ولا تؤخذ منه الدية، ولا يمكن الولي من العفو عنه. (عكرمة، والسدي).
٣ - أن يرد الدية.
٤ - عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام.
والثاني: أرجح؛ لأنه على [ظاهر] الآية.
الحكم السابع: من الذي يتولى بعد أخذ القصاص.
ولي الأمر (بإجماع العلماء)
- هل يقتص السلطان من نفسه إذا اعتدى على بعض رعيته؟
نعم.
مقاصد أهداف الآيات الكريمة:
١ - تشريع القصاص فريضة من الله لعباده المؤمنين، وذلك لصلاحهم وسعادتهم.
٢ - القصاص يقلل الجرائم، ويقضي على الضغائن، ويربي الجناة.
٣ - في القصاص حياة النفوس، وحماية الأفراد والمجتمعات البشرية.
٤ - الاعتداء على غير القاتل من العصبية الجاهلية التي حرمها الإسلام.
[ ١٠٢ ]
٥ - وجوب المماثلة في القصاص، حتى لا ينتشر البغي والظلم.
٦ - وجوب دفع الدية على القاتل إذا عفا أهل القتيل، ورضوا بالدية.
٧ - تخفيف العقوبة رحمة من الله على أمة الإسلام دون غيرها.
قال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ*فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١)﴾.
* آيات الوصية حكم شرعي جديد توسط حكمين هما: القصاص، والصيام.
مناسبة الآيات هذه لما قبلها:
لما تحدثت الآيات السابقة عن أحكام القصاص وما يتعلق به، جاءت هذه الآيات بتشريع جديد (حكم جديد) وهو حكم الوصية للوالدين والأقربين.
﴿حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: حضور الموت: ظهور أسبابه ودواعيه وعلاماته، وقدم المفعول على الفاعل.
والآية فيها استعارة مكنية حيث شبه الموتى بشخص يحضر، وحذف المشبه به، وأتي بلازم من لوازمه وهو الحضور.
_________________
(١) سورة البقرة، الآيات: ١٨٠ - ١٨٢.
[ ١٠٣ ]
﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾:
إن: شرطية.
ترك: فعل شرط. وجوابه على رأيين:
١ - إن ترك خيرًا، فالوصية ، ثم حذفت الفاء.
٢ - محذوف دل عليه ما قبله، أي جوابه مقدر قبله (كتب الوصية للوالدين والأقربين، إن ترك خيرًا).
* ختم الله سبحانه الآيات، بحيث جعل في هذه الآيات انسجام بين الحروف والكلمات والفواصل والآيات.
* ختم الله بقوله: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
الأحكام الشرعية في الآيات:
١ - هل هذه الآيات محكمة أم منسوخة؟
رأيان للعلماء:
أ - الآيات محكمة؛ لأنها وإن كان ظاهرها العموم، إلا أنها تصلح للخصوص. قاله الضحاك، وطاوس والحسن، واختاره الإمام الطبري ..
ب - مذهب الجمهور: على أن الآية عامة، وعمل بها مدة زمنية، ثم نسخت بآيات المواريث في سورة النساء، ونسخت بحديث الرسول - ﷺ -
[ ١٠٤ ]
بقوله: «إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (١).
٢ - ما هو مقدار المال الذي تجب فيه الوصية:
- لابد أن يكون المال كثيرًا.
- قيل: قال بعضهم: أقله سبعمائة دينار.
وقال بعضهم: هو ما زاد على خمسمائة.
والرأي الثاني: أن الوصية واجبة في المال قل أو كثر، والأول أرجح.
٣ - هل الوصية تجب على من عليه دين، وله عند الناس ودائع؟
أجمع العلماء أنها تجب عليه.
٤ - ما مقدار الوصية؟
[مقدارها الثلث، والثلث كثير].
أهداف ومقاصد آيات الوصية:
١ - حرص الإسلام على صلة الرحم، والحث على صلتها وبرها، ولو بعد الموت.
٢ - أحقية الوالدين من بين القرابات في كل بر وصلة، ورحمة، وأنهما
_________________
(١) رواه أبو داود، برقم ٢٨٧٢، والترمذي، برقم ٢١٢٠، وابن ماجه، برقم ٢٧١٣، والنسائي، برقم ٣٦٤١، عن أبي أمامة الباهلي - ﵁ -. قاله قتادة، وابن عباس، والحسن. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٢٤٩٤.
[ ١٠٥ ]
الأولى في ذلك.
٣ - مشروعية النسخ في أحكام الشريعة من أجل مصلحة الفرد والجماعة.
٤ - وقوع إثم التبديل في الوصية على من سمعها من الموصي، قبل موته إن كانت شرعية.
٥ - جواز التبديل في الوصية، والإصلاح بذلك إذا كان الخطأ أو الظلم من الموصي نفسه.
٦ - جمال التذييل في الآيات الكريمة يدل على بلاغة ودقة وإحكام آيات القرآن وسوره ..
قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
* مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما:
هي آيات تتضمن حكمًا شرعيًّا تلي حكمًا شرعيًّا آخر، تحدث أولًا عن القصاص، ثم الوصية ثم الصيام.
تفسير د. الزناتي، الثلاثاء: ٢٢/ ٧/١٤٢٢هـ
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتان: ١٨٣ - ١٨٤.
[ ١٠٦ ]
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (١): شهر: أتى مرفوعًا لاعتبارات ثلاث:
أ - مبتدأ، وخبر صلة.
ب - خبر لمبتدأ محذوف: الشهر الواجب صيامه شهر رمضان.
ج - بدل من الصيام في الآية الأولى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.
وفي قراءة: بالنصب: شهرَ رمضانَ: تقديره: صوموا شهر رمضان، منصوب على الإغراء.
﴿أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾: فيه ثلاثة أقوال:
١ - أي أنزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا.
٢ - أي أنزل أول القرآن في رمضان (اقرأ).
٣ - أي أنزل في بيان شأنه وعلوه، وبيان أهميته (بيان أهمية رمضان). ﴿هُدًى﴾ حال، أو مفعول لأجله.
هناك ارتباط بين القرآن وشهر رمضان، حيث إنه شهر القرآن، فقراءته مضاعفة في هذا الشهر.
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾: هذه الآية نسخت الآية التي قبلها، أبقت هذه الآية رخصة الصيام والسفر، ونسخت الفدية.
﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾: فمن كان مريضًا أو على سفر فأفطر فعدة .. وهذا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
[ ١٠٧ ]
تقدير محذوف؛ للإيجاز.
﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾: أي يقضي في الأيام الأخرى.
﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ﴾: اليسر لا يأتي إلا مع المشقة الشديدة.
* بين كلمة ﴿الْيُسْرَ﴾، و﴿الْعُسْرَ﴾ محسِّنان بديعيان: جناس وطباق، وبين ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ﴾، ﴿وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: مقابلة.
الأول: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر .. أجزاء الآية معطوفة.
الآخر:
* الأحكام الشرعية في هذه الآيات:
١ - ما هو المرض والسفر المبيح للإفطار؟
اختلف العلماء على ثلاثة أقوال:
الأول: وهو قول جمهور الفقهاء: «إن المرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يُؤدِّي إلى ضرر في النفس، أو زيادة في العلَّة، أو تأخر في الشفاء، وكذلك السفر الطويل الذي يؤدي غالبًا إلى جهد ومشقة شديدة.
وهو قول الأصم: إن هذه الرخصة مخصوصة للمريض الذي لو صام لوقع في أدنى مشقة وجهد، وكذلك المسافر الذي يضنيه السفر ويجهده ولو قليلًا.
الظاهرية: إن مطلق المرض والسفر يُبيح لنا الإفطار، حتى ولو كان المرض يسيرًا، والسفر قليلًا؛ لأن القرآن أطلقه ولم يُقيِّده.
[ ١٠٨ ]
الراجح: بالنظر في هذه الأقوال نرى أن الأول أرجح. سبب الترجيح: لأن هذا القول يقبله العقل بقبول حسن؛ لأن الحكمة التي من أجلها رخص للمريض والمسافر الفطر هو اليسر، ولا يكون ذلك موجودًا إلا عند وجود المشقة الشديدة والسفر الطويل.
٢ - ما هي المسافة التي يباح فيها الإفطار للمسافر؟
ثلاثة آراء:
الرأي الأول: قاله الأوزاعي: (إن السفر المبيح للفطر مسافة يوم). وحجته: أن السفر في أقل من يوم قد يتفق للمقيم، والغالب أن المسافر هو الذي لا يمكنه الرجوع إلى أهله في نفس اليوم، فلا بد أن يكون أقل مدة السفر يوم واحد.
الرأي الثاني: للشافعي، وأحمد: قالوا إن السفر المبيح للفطر هو: يومان وليلتان، ويقدر بـ١٦ [ستة عشر] فرسخًا.
قال أهل اللغة: البريد الواحد: أربعة فراسخ: فيكون المجموع ١٦ [ستة عشر] فرسخًا.
[ ١٠٩ ]