د. خليل، الأحد ٢١/ ٦/١٤٢٢هـ
الحديث الأول:
* أخرج أبو داود بسنده عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سأل رجل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله: إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا: أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته» (١).
* ترجمة راوي الحديث:
أبو هريرة: هو الصحابي الجليل، الحافظ، المكثر من الرواية، اختلف في اسمه، واسم أبيه.
قال ابن عبد البر: الذي تسكن النفس إليه من الأقوال أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وبه قال إسحاق وغيره، وقد اشتهر بكنيته حتى لا يكاد يذكر باسمه.
أسلم عام خيبر، وشهدها مع الرسول - ﷺ -، ولازم الرسول عليه
_________________
(١) أخرجه أبو داود، برقم ٨٣، واللفظ له، والترمذي، برقم ٦٩، وابن ماجه، برقم ٣٨٦، والنسائي، برقم ٥٩، وأحمد، برقم ٧٢٣٣، وابن أبي شيبة، برقم ١٣٨٩، وصححه ابن خزيمة، برقم ١١١، وأخرجه مالك، ٢/ ٢٩، والشافعي، برقم ٤٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٧٦.
[ ١١٢ ]
الصلاة والسلام. حتى كان أكثر الصحابة حديثًا. قال أبو أحمد الحاكم: ذكر لأبي هريرة في مسند بقي بن مخلد: ٥٣٧٤ حديثًا، وهو أكثر الصحابة حديثًا، فليس لأحد من الصحابة هذا القدر من الرواية، ولا ما يقاربهُ.
ويرجع إكثاره إلى أسباب: ومنها:
١ - ملازمة أبي هريرة للرسول - ﷺ -.
٢ - دعاء الرسول ﵊ له بالحفظ.
٣ - صفاء ذهنه وشدة ذكائه.
٤ - حرصه، وتعاهده لمجالس الحديث.
٥ - تفرّغه، وانعدام ما يشغله.
٦ - تأخُّر وفاته حتى احتاج الناس إليه.
وقد كثر تلاميذه، حتى قال الإمام البخاري ﵀: رَوَى عن أبي هريرة أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع، وقد استعمله عمر على البحرين ثم عزله، ثم أراده على العمل فامتنع. أخرج له الشيخان ٣٢٥ حديثًا، وانفرد البخاري بـ٩٣، ومسلم بـ١٨٩ حديثًا، وتوفي في المدينة سنة ٧، أو ٨، أو ٥٩هـرحمه الله، ورضي عنه.
قوله: «هو الطهور»: أي المطهر، قال ابن الأثير: والماء الطهور في الفقه هو الذي يرفع الحدث، ويزيل النجس؛ لأن فعولًا من أبنية المبالغة،
[ ١١٣ ]
فكأنه كناها في الطهارة، والماء الطاهر غير الطهور هو الذي لا يرفع الحدث، ولا يزيل النجس، كالمستعمل في الوضوء والغسل. وقال الزرقاني: الطهور هو البالغ في الطهارة، ومنه قوله: (الطهور) أي طاهرًا في ذاته مُطهِّرًا لغيره، قال الصنعاني: «فأفاد [النبي]- ﷺ -: أن ماء البحر طاهر مطهر لا يخرج عن الطهورية ..» ص١٧ - ١٨. من سبل السلام.
- حلول الميتة في الماء لا تخرجه عن الطهورية، كما هو الحال في البر.
قوله ﵊: «ماؤه» بالرفع: فاعل الطهور، وقوله: «الحل»: أي الحلال كما في رواية الدارقطني عن جابر، وأنس، وابن عمرو.
«ميتته»: بالرفع فاعل الحل، وقد اختلف أهل العلم في حل غير السمك من دواب البحر.
وفيما يلي عرض لأهم أقوالهم:
١ - قال الحنفية: يحرم أكل ما سوى السمك.
٢ - قال مالك: يباح كل ما في البحر.
٣ - عن الشافعية أقوال ثلاثة، وقد لخّصها ابن حجر: لا خلاف بين العلماء في حِلِّ السمك على اختلاف أنواعه، وإنما اختلفوا فيما كان على صورة حيوان البر: كالكلب، والخنزير، والثعبان، فعند الحنفية، وهو قول للشافعية: يحرم، ما عدا السمك، وعن الشافعية: الحل مطلقًا على الأصحّ المنصوص، وهو مذهب
[ ١١٤ ]
مالك إلا الخنزير، وحجتهم في ذلك قوله - ﷾ -: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ﴾ (١) الآية. ومن السنة حديث أبي هريرة هذا.
وعن الشافعية قول ثالث: ما يؤكل نظيره في البر حلال، وما لا فلا. واستثنوا على الأرجح ما يعيش في البر والبحر، وهو نوعان:
- النوع الأول: ما ورد في منع أكله شيء يخصه كالضفدع للنهي عن قتله، والتمساح؛ لكونه يعدو بنابه، ومثله القرش، والثعبان، والعقرب، للاستخباث والضرر اللاحق من السم.
- النوع الثاني: ما لم يرد في حكمه مانع: فيحل أكله بشرط التذكية، كالبط وطير الماء.
وقد أجاب الأحناف عن قوله: «الحل ميتته» بأن المراد من الميتة السمك لا غيره. بدليل حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أحلت لنا ميتتان ودمان ..» (٢) الحديث.
يؤخذ من الحديث الأحكام الآتية:
١ - فيه أن الطهور: هو الماء المفطور على خلقته، السليم في نفسه، الخالي من الأعراض المؤثرة فيه.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٩٦.
(٢) أخرجه أحمد، برقم ٥٧٢٣، وابن ماجه، برقم ٣٣١٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٢٦٧٩.
[ ١١٥ ]
٢ - فيه أن العالِم والمفتي إذا سُئل عن شيء وهو يعلم أن للسائل حاجة إلى معرفة ما وراءه مما يتصل بمسألته كان مستحبًا له تعليمه إياه، والزيادة في جواب المسألة لأنهم سألوه ﵊ عن ماء البحر فحسب، فأجابهم عن مائه وطعامه، لعلمه بحاجتهم إلى الماء والطعام.
٣ - فيه أن على العالم أن يُزيل ما قد يُشكل بالنسبة للسائل، فقد أخبرهم ﵊ بأن ميتة البحر حلال، بخلاف سائر الميتات؛ لئلا يتوهموا أن ماء البحر ينجس بحلولها إياه.
٤ - فيه دليل على أن السمك الطافي حلال، وأنه لا فرق بين ما كان موته في الماء، وبين ما كان موته خارج الماء.
٥ - فيه دليل لمن ذهب إلى حكم جميع أنواع الحيوان التي تسكن البحر إذا مات فيه الطهارة، إلا ما استثني بدليل شرعي.
الحديث الثاني:
أخرجه الترمذي بسنده عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» (١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود، برقم ٦٦، والترمذي، برقم ٦٦، والنسائي، برقم ٣٢٥، وأحمد، برقم ٢١٠٠، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٦٠.
[ ١١٦ ]
وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد.
ترجمة راوي الحديث:
هو سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد (أبو سعيد الخدري) الأنصاري الخزرجي، مشهور بكنيته، وهو من أعلام الصحابة وفضلائهم، وكان من الحفّاظ لحديث رسول الله المكثرين، أول مشاهده الخندق، وغزا مع رسول الله اثنتي عشرة غزوة، وروى عنه من الصحابة: جابر، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وأنس، وابن الزبير وغيرهم، ومن الأتباع: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وعطاء بن يسار، وعُرف أبو سعيد بالاستقامة، والحرص على الحق، وهو الذي روى حديث النهي عن المنكر، وطبَّقه عمليًّا حيث جذب مروان بن الحكم من ثوبه عند تغييره السنة، بتقديم خطبة العيد على الصلاة.
روي له في كتب السنة ١١٧٠ حديثًا، اتفق الشيخان على ١١١ حديثًا، وانفرد البخاري بـ١٦، ومسلم بـ٥٢.
توفي بالمدينة سنة ٧٤ وله ٨٦ سنة. (أسد الغابة)، ٢/ ٤٥١. ﵀ ورضي عنه.
[ ١١٧ ]