عندما بُعث النبي - ﷺ - وبدأ الدعوة إلى الله آمن به كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فآمنت به زوجته خديجة -﵂-، ثم علي بن أبي طالب - ﵁ -، ثم زيد بن حارثة - ﵁ - (١)، فكان هؤلاء قد آمنوا به قبل أن يدخل دار الأرقم - ﵁ -، ولما اشتد أذى كفار قريش دخل النبي - ﷺ - دار الأرقم بن أبي الأرقم - ﵁ - يعبد اللَّه تعالى فيها سرّا من قومه، ودخل معه جماعة حتى تكامل المسلمون أربعين رجلًا (٢)، وكانت هذه الدار في الصفا، بعيدة عن أعين كفار قريش ومجالسهم، فاختارها رسول الله - ﷺ - ليجتمع فيها بالمسلمين سرًا، وذلك في السنة الخامسة من البعثة، فيتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة؛ وليؤدي المسلمون عبادتهم وأعمالهم، ويتلقوا ما أنزل الله على رسوله - ﷺ - وهم في أمن وسلام، وليدخل من يدخل في الإسلام، ولا يعلم به
_________________
(١) ابن اسحاق: سيرة ابن سحاق، ص١٣٩. البيهقي: دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، ٢/ ١٦٥. أحمد بن علي المقريزي: إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، ٩/ ٩٥.
(٢) محمد بن يوسف الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد، ٢/ ٣١٩.
[ ٢٢ ]
الطغاة من أصحاب السطوة والنقمة (١).
ولقد كان مصعب بن عمير - ﵁ - يعيش بين أفراد قبيلته على دينهم، وعلى ما كان عليه آباؤه وأجداده، فتلك الجاهلية العمياء قادتهم إلى عبادة الأصنام وشرب الخمور، وحضور مجالس المعازف والغناء، وغيرها من العبادات الباطلة، مع ما يصحب ذلك من سوء في الأخلاق، ودناءة في النفوس، وخرافة في الأفكار التي كانت منتشرة في المجتمع الجاهلي. ولكن مصعبًا - ﵁ - بعقله البصير ورؤيته الثاقبة، استطاع أن يميز بين ما هو عليه وما جاء به النبي - ﷺ - من الدين الحق الذي رأى فيه من التعاليم الإسلامية السمحة التي توافق العقل ولا تعارض الفطرة الإنسانية.
فعزم - ﵁ - بنفسه من غير أن يدعوه أحد على الدخول في هذا الدين، فدخل على النبي - ﷺ - في دار الأرقم بن أبي الأرقم - ﵁ - فأسلم وصدّق به وخرج فكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه، فكان يختلف إلى رسول الله - ﷺ - سرًا (٢).
وقد كتم إسلامه - ﵁ - كغيره من الصحابة - ﵃ -، ولأنه يعرف أنه أتى بدين يخالف دين قومه فسوف يلاقي من العذاب والأذى ما لاقاه الصحابة - ﵃ -، وكان اختلافه على رسول الله - ﷺ - في دار الأرقم ليختفي عن أنظار المترصدين من كفار قريش، ويشارك بقية الصحابة - ﵃ - في عبادة الله وحده، ويتلقى العلم عن رسول الله - ﷺ -، فأخذ ينهل من معين الوحيين حتى أصبح من أعلم الصحابة - ﵃ - في
_________________
(١) صفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم، ص٨٠.
(٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى، ٣/ ١١٧. ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب،٤/ ١٤٧٤. ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة،٥/ ١٧٥.
[ ٢٣ ]
ذلك الوقت؛ لذلك أرسله النبي - ﷺ - إلى المدينة مع من أسلم من الأنصار ليقرأ عليهم القرآن ويعلمهم أمور دينهم، وذلك في هجرته الأولى إلى المدينة.