لما جاءت غزوة بدر الكبرى كان الصحابة - ﵃ - يتعاقبون الإبل، الاثنين، والثلاثة، والأربعة، وكان مصعب بن عمير، وسويبِط بن حرملة، ومسعود بن ربيع - ﵃ -، على جمل لمصعب - ﵁ - (١)، وعندما وصل المسلمون إلى أرض المعركة صفّ رسول الله - ﷺ - أصحابه قبل أن تنزل قريش، وطلعت قريش، ورسول الله - ﷺ - يصفهم، ودفع رايته - ﷺ - إلى مصعب بن عمير - ﵁ -، فتقدم بها إلى موضعها الذي يريد رسول الله - ﷺ - أَن يضعها فيه (٢)، وقد كان لواء رسول الله - ﷺ - يومئذٍ الأعظم مع ثلاثة: فلواء المهاجرين مع مصعب بن عمير - ﵁ -، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر - ﵁ -، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ - ﵁ - (٣).
ثم لما انتهت المعركة، وقد قتل المسلمون من الكفار سبعين، وأسروا سبعين (٤)، كان من بين الأسرى النضر بن الحارث، وقد أسره المقداد - ﵁ - يومئذٍ، فلما خرج رسول الله - ﷺ - من بدرٍ- وكان بالأثيل (٥) - عرض عليه الأسرى فنظر
_________________
(١) الواقدي: المغازي، ١/ ٢٤.
(٢) المصدر السابق، ١/ ٥٦.
(٣) المصدر السابق، ١/ ٥٨.
(٤) المصدر السابق، ١/ ١٤٤.
(٥) موضع بين بدر والصفراء. السمهودي: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، ٤/ ٨.
[ ٤١ ]
إلى النضر بن الحارث فأبَدّهُ البصر، فقال لرجلٍ إلى جنبه: محمد والله قاتلي، لقد نظر إلي بعينين فيهما الموت! فقال لرجل إلى جنبه: والله ما هذا منك إلا رعبٌ. فقال النضر لمصعب بن عمير - ﵁ -: يا مصعب، أنت أقرب مَنْ هاهنا بي رحمًا، كلّم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي، هو والله قاتلي إن لم تفعل. قال مصعب - ﵁ -: إنك كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا، وتقول في نبيه كذا وكذا. قال: يا مصعب فليجعلني كأحد أصحابي، إن قُتِلُوا قُتِلت، وإن مَنّ عليهم مَنّ عليّ. قال مصعب - ﵁ -: إنك كنت تعذب أصحابه. قال: أَمَا والله، لو أسَرَتْك قريش ما قُتِلْتَ أبدًا وأنا حَيّ. قال مصعب - ﵁ -: والله إني لأراك صادقًا، ولكن لست مثلك قطع الإسلام العهود (١)!.
وكان من بين الأسرى كذلك " أبو عزيز بن عمير، أسره أبو اليسر - ﵁ - ثم اُقْتُرِعَ عليه فصار لمُحرِزِ بن نضلة - ﵁ -، وأبو عزيز أخوه مصعب بن عمير - ﵁ - لأمه وأبيه. فقال مصعب لمُحْرِزٍ ﵄: اُشدُدْ يديك به، فإن له أُمًّا بمكة كثيرة المال. فقال له أبو عزيز: هذه وصاتُك بي يا أخي؟ فقال مصعب - ﵁ -: إنه أخي دونك! فبَعَثَتْ أُمّهُ فيه بأربعةِ آلافٍ، وذلك بعد أن سألت أغلى ما تُفَادِي به قريش، فقيل لها أربعةُ آلافٍ" (٢).
_________________
(١) الواقدي: المغازي، ١/ ١٠٦.
(٢) المصدر السابق، ١/ ١٤٠.
[ ٤٢ ]