لما رأى رسول الله - ﷺ - أصحابه - ﵃ - وما يصيبهم من البلاء والشدة، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم من قومهم، وأنه ليس في قومهم من يمنعهم كما منعه عمه أبو طالب، أمرهم بالهجرة إلى أرض الحبشة، وقال لهم: «إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه» (١)، فهاجر رجال من أصحابه إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفروا إلى الله ﷿ بدينهم، واستخفى آخرون بإسلامهم (٢)، وكان ذلك في السنة الخامسة من البعثة النبوية (٣).
وقد خرج مصعب بن عمير - ﵁ - مع من خرج من الصحابة إلى الحبشة (٤)،
_________________
(١) البيهقي: السنن الكبرى، كتاب السير، باب الإذن في الهجرة، ٩/ ١٦، رقم ١٧٧٣٤، صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٧/ ٥٧٧، رقم ٣١٩٠.
(٢) ابن اسحاق: سيرة ابن اسحاق، ص ١٧٤. ابن هشام: السيرة النبوية، ١/ ٣٢١. ابن كثير: السيرة النبوية، ٢/ ٤.
(٣) المصدر السابق، ٢/ ٣. صفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم، ص ٨١.
(٤) ابن اسحاق: سيرة ابن اسحاق، ص ١٧٤. ابن هشام: السيرة النبوية، ١/ ٣٢٢. ابن كثير، السيرة النبوية، ٢/ ٥.
[ ٢٨ ]
وكان معه أخوه منصور بن عمير (١).
فعن ليلى بنت أبي حثمة -﵂-، قالت: لما اجتمعوا على الخروج جاءنا رسول الله - ﷺ - فقال: «إن مصعب بن عمير قد حبسته أمه، وهو يريد الخروج الليلة فإذا رقدوا»، قال عامر بن ربيعة: فنحن ننتظره، ولا نغلق بابا دونه، فلما هدأت الرِّجْلُ جاءنا مصعب بن عمير فبات عندنا، وظل يومه حتى إذا كان الليل خرج متسللا ووعدناه فلحقه فيه، وأدركناه فاصطحبناه قال: وهم يمشون على أقدامهم، وأنا على بعير لنا، وكان مصعب بن عمير رقيق البَشَرِ ليس بصاحب رِجْلِهِ، ولقد رأيت رجليه تقطران دما من الرقة، فرأيت عامرا خلع حذاءه فأعطاه حتى انتهينا إلى السفينة فنجد سفينة قد حملت ذُرَةً وفرَّغت ما فيها جاءت من مَوْرٍ (٢) فتكارينا (٣) إلى مَوْرٍ، ثم تكارينا من مَوْرٍ إلى الحبشة، ولقد كنت أرى عامر بن ربيعة يَرِقُّ على مصعب بن عمير رِقَّةً ما يرقُّها على ولده وما معه دينار ولا درهم، وكان معنا خمسة عشر دينارا (٤).
ويتبين من هذا النص ما يأتي:
١ - عِظم ما لاقاه مصعب وسائر الصحابة - ﵃ - من صنوف الابتلاءات.
٢ - التعاون الكبير بين الصحابة - ﵃ - ووقوف بعضهم إلى جنب بعض في مثل هذه الظروف الصعبة، وأعظم ما اتصفوا به هو: خلق الإيثار.
_________________
(١) ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب،٤/ ١٤٧٥.
(٢) مور: قيل: هو اسم موضع، سمي به لِمَوْرِ الماء فيه: أي جريانه. مجد الدين الشيباني: النهاية في غريب الحديث والأثر، ٤/ ٣٧٢.
(٣) تكارينا: أي استأجرنا. أحمد مختار: معجم اللغة العربية المعاصرة، ٣/ ١٩٢٧.
(٤) أبو بكر بن أبي عاصم: الآحاد والمثاني، باب ليلى بنت أبي حثمة، ٦/ ٢٣٧، رقم ٣٤٦٩.
[ ٢٩ ]
٣ - التخطيط الدقيق لأي عمل يراد القيام به، فالتخطيط أساس من أسس النجاح.
ثم رجع مع المسلمين حين رجعوا، فرجع متغيِّر الحال قد حرج - يعني غَلُظَ - فكفَّت أمه عنه من العذل (١)، وقد شهد - ﵁ - مع الصحابة الهجرتين إلى الحبشة، فعن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كان مصعب بن عمير لي خدنا وصاحبا منذ يوم أسلم إلى أن قتل ﵀ بأحدٍ، خرج معنا إلى الهجرتين جميعا بأرض الحبشة، وكان رفيقي من بين القوم، فلم أرَ رجلا قط كان أحسن خلقا، ولا أقل خلافا منه (٢).
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات الكبرى، ٣/ ١١٦. والعذل: الملامة. إسماعيل بن حماد الجوهري: الصحاح، ٥/ ١٧٦٢.
(٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى، ٣/ ١١٧.
[ ٣٠ ]