لما نزل مصعب بن عمير على أسعد بن زرارة ﵄، بدأ مباشرة بتعليم أهل المدينة مبادئ الإسلام وقد ظهرت النتائج مبهرة في وقت يسير، وذلك بعد توفيق الله -جل وعلا- يعود إلى أمور تميّز بها مصعب - ﵁ - منها:
١ - العلم الغزير الذي كان يحمله مصعب - ﵁ -.
٢ - قوة الحجة وبلاغة العرض.
٣ - السكينة والوقار وعدم التسرع والطيش.
_________________
(١) محمد بن عبدالرحمن المخلِّص: المخلصيات، ١/ ١٧٢، رقم ١٦٦، قال ابن صاعد: وهذا حديثٌ غريبٌ.
(٢) الألباني: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، ٣/ ٦٨، إسناده حسن.
(٣) ابن سعد: الطبقات الكبرى، ٣/ ٨٨.
[ ٣٣ ]
٤ - معرفة الفوارق الفردية بين المدعوين ومخاطبة كل واحد بما
يليق به.
٥ - الاستدلال بالآيات القرآنية وأثره الكبير في نفوس الناس.
وهذا ما ينبغي أن تربى عليه الأجيال، وتقام له الدورات العلمية
لاكتساب مثل هذه المواصفات التي تؤتي ثمارها يانعة -بإذن الله تعالى-.
ومما يبين هذا ما رواه ابن إسحاق إذ قال: حدّثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة - ﵁ - خرج بمصعب بن عمير - ﵁ -، يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر (١)، وكان سعد بن معاذ سيّد الأوس ابن خالة أسعد بن زرارة ﵄، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر فجلسا فيه، واجتمع إليهما رجال ممّن أسلم، وسعد بن معاذ وأُسيد بن حضير ﵄ يومئذ سيّدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير ﵄: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارنا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة منّي حيث قد علمت كفيتك ذلك، فهو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما. قال: فأخذ أسيد بن حضير - ﵁ - حربته، ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد بن زرارة - ﵁ - قال لمصعب بن عمير - ﵁ -: هذا سيّد قومه فاصدق الله فيه، قال مصعب - ﵁ -: إن يجلس أكلّمه. قال: فوقف عليهما متشتّما، قال: ما جاء بكما إلينا تسفّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب - ﵁ -: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره، فقال: أنصفت. ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مصعب - ﵁ - بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام
_________________
(١) دارهما شرقي البقيع. السمهودي: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، ١/ ١٥٣.
[ ٣٤ ]
قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهّله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطّهّر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلّي.
فقام فاغتسل وطهّر ثوبيه وتشهّد بشهادة الحق، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتّبعكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن: سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد - ﵁ - وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ - ﵁ - مقبلًا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف على النادي قال له سعد - ﵁ -: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدّثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك. قال: فقام سعد - ﵁ - مغضبا مبادرا تخوّفا للذي ذكر له من أمر بني حارثة. فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا. ثم خرج إليهما، فلما رآهما مطمئنّين عرف سعد - ﵁ - أن أسيدًا - ﵁ - إنما أراد أن يسمع منهما. فوقف عليهما متشتّما، ثم قال لأسعد بن زرارة - ﵁ -: يا أبا أمامة أما والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا منّي، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير ﵄: أي مصعب: جاءك والله سيّد مَن وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلّف عنك منهم اثنان، قال: فقال له مصعب - ﵁ -: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال سعد - ﵁ -: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهّله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطّهّر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلّي ركعتين.
ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه
[ ٣٥ ]
أسيد بن حضير - ﵁ -، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فو الله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة، حاشا الأصيرم، وهو عمرو بن ثابت بن وقش فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم واستشهد، ولم يسجد لله سجدة، وأخبر رسول الله - ﷺ - أنه من أهل الجنة، قال ابن إسحاق: ورجع سعد ومصعب ﵄ إلى منزل أسعد بن زرارة - ﵁ -، فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ومسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف " (١).
وفي رواية، بعث رسول الله - ﷺ - إلى الأنصار مصعب بن عمير - ﵁ - أخا بني عبد الدار، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة - ﵁ -، فجعل يدعو الناس ويفشو الإسلام ويكثر أهله، وهم في ذلك مستخفون بدعائهم، ثم إن أسعد بن زرارة
_________________
(١) ابن هشام: السيرة النبوية، ١/ ٤٣٥. الحافظ الذهبي: سير أعلام النبلاء، ١/ ٢٤٤. البيهقي: دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، ٢/ ٤٣٨. ابن كثير: السيرة النبوية، ٢/ ١٨١. محمد بن يوسف الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد، ٢/ ١٩٨. سليمان موسى الحميري: الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله - ﷺ - والثلاثة الخلفاء ، ١/ ٢٦١. محمد بن محمد اليعمري: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ١/ ١٨٦.
[ ٣٦ ]
أقبل هو ومصعب بن عمير ﵄ حتى أتيا بئر مري (١) أو قريبا منها، فجلسوا هنالك وبعثوا إلى رهط من أهل الأرض فأتوهم مستخفين، فبينما مصعب بن عمير - ﵁ - يحدثهم ويقص عليهم القرآن، أُخبر بهم سعد بن معاذ - ﵁ - فأتاهم في الأرمة ومعه الرمح حتى وقف عليه، فقال: علام يأتينا في دورنا بهذا الوحيد الفريد الطريح الغريب، يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم، لا أراكما بعد هذا بشيء من جوارنا، فرجعوا، ثم إنهم عادوا الثانية ببئر مري أو قريبا منها فأُخبر بهم سعد بن معاذ - ﵁ - الثانية فواعدهم بوعيد دون الوعيد الأول فلما رأى أسعد - ﵁ - منه لينا قال يا ابن خالة اسمع من قوله فإن سمعت منه منكرا فاردده يا هذا منه، وإن سمعت خيرا فأجب الله، فقال: ماذا يقول فقرأ عليهم مصعب بن عمير - ﵁ -: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ (٢)، فقال سعد - ﵁ -: وما أسمع إلا ما أعرف فرجع وقد هداه الله تعالى، ولم يظهر أمر الإسلام حتى رجع.
فرجع إلى قومه فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام وأظهر إسلامه، وقال فيه من شك من صغير أو كبير أو ذكر أو أنثى فليأتنا بأهدى منه نأخذ به، فوالله لقد جاء أمر لَتُحَزَّنَّ فيه الرقاب فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد - ﵁ - ودعائه إلا من لا يذكر فكانت أول دور من دور الأنصار أسلمت بأسرها، ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير - ﵁ - واشتدوا على أسعد بن زرارة - ﵁ -، فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ ﵄ فلم يزل يدعو ويهدي الله على يديه، حتى قَلَّ دارٌ من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة وأسلم أشرافهم وأسلم عمرو بن الجموح - ﵁ -، وكسرت أصنامهم فكان المسلمون أعز
_________________
(١) الصحيح أن اسمها بئر مرق في دار بني ظفر بالقرب من مسجد الإجابة. السمهودي: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، ٤/ ٢٣.
(٢) سورة الزخرف: آية (١ - ٣).
[ ٣٧ ]
أهلها وصلح أمرهم، ورجع مصعب بن عمير - ﵁ - إلى رسول الله - ﷺ - وكان يدعى المقرئ (١)، وهو أول من سُمي بذلك - ﵁ - (٢).