ومما كان ظاهرًا في مكة، الترصد لأتباع النبي - ﷺ -، لذلك بصر عثمان بن طلحة بمصعب بن عمير - ﵁ - وهو يصلي، فأخبر أمه وقومه لتبدأ مرحلة جديدة من العذاب والنكال، فأخذوه فحبسوه فلم يزل محبوسا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى (١). وقد خرجت أمه حين علمت بإسلامه ناشرةً شعرها، وقالت: لا ألبس خِمارًا، ولا أستظلُّ، ولا أدَّهنُ ولا آكلُ طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى تدع ما أنت عليه، فقال أخوه أبو عزيز بن عمير: يا أمه دعيني وإياه فإنه غلام عاف ولو أصابه بعض الجوع لترك ما هو عليه، ثم أخذه وحبسه (٢).
ولقد مر بمصعب - ﵁ - ألوانٌ من العذاب كغيره من الصحابة - ﵃ - بل أشد؛ وذلك لفارق ما كان عليه في الجاهلية وما وقع عليه بعد إسلامه، فالأم التي كان لا يشغل بالها إلا ابنها من فرط حبها له، أصبحت معولًا هدامًا لذلك الجسم المنعم، فلا تتردد في تعذيبه، وحرمانه مما كان عليه سابقًا، بل كانت تعين قومه
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات الكبرى،٣/ ١١٧. ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب،٤/ ١٤٧٤. ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة،٥/ ١٧٥.
(٢) البلاذري: جمل من أنساب الأشراف،٩/ ٤٠٦. وغلام عاف أي: وافر اللحم. الخطابي: غريب الحديث، ٢/ ٢٩٣.
[ ٢٤ ]
عليه، حتى " أصابه من الشدة ما غَيَّر لونه وأذهب لحمه، ونهكت جسمه حتى كان رسول الله - ﷺ - ينظر إليه، وعليه فروة قد رفعها، فيبكي لما كان يعرف من نعمته، وحلفت أمه حين أسلم وهاجر ألا تأكل ولا تشرب ولا تستظل بظل حتى يرجع إليها، فكانت تقف للشمس حتى تسقط مغشيا عليها، وكان بنوها يحشون فاهها بشجار، وهو عود، فيصبون فيه الحساء لئلا تموت " (١).
ولذا تغيرت حياة مصعب بن عمير - ﵁ - وتبدلت أحواله في ملبسه ومأكله وشأنه كله، فقد قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: إنا لجلوس مع رسول الله - ﷺ - في المسجد إذ طلع علينا مصعب بن عمير - ﵁ -، وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله - ﷺ - بكى للذي كان فيه من النعمة، والذي هو فيه اليوم، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة، ووضعت بين يديه صحفة، ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟» قالوا: يا رسول الله، نحن يومئذ خير منا اليوم، نتفرغ للعبادة ونكفى المؤنة، فقال رسول الله - ﷺ -: «أنتم اليوم خير منكم يومئذ» (٢).
وعن عروة بن الزبير عن أبيه - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - جالسًا بقُباء ومعه نفر، فقام مصعب بن عمير - ﵁ - عليه بردة ما تكاد تواريه، ونكَس القوم، فجاء فسلم، فردوا عليه، فقال فيه النبي - ﷺ - خيرًا وأثنى عليه، ثم قال: «لقد رأيت هذا عند أبويه بمكة يكرمانه وينعمانه، وما فتى من فتيان قريش مثله، ثم خرج من ذلك
_________________
(١) عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، ٤/ ٥٢.
(٢) الترمذي: سنن الترمذي، كتاب أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب حديث علي في ذكر مصعب بن عمير ، ٤/ ٦٤٧، رقم ٢٤٧٦، هذا حديث حسن غريب.
[ ٢٥ ]
ابتغاءَ مرضاة الله ونصرة رسوله، أما أنه لا يأتي عليكم إلا كذا وكذا حتى يُفتح عليكم فارس والروم، فيغدو أحدكم في حلة ويروح في حلة، ويُغدى عليكم بقصعة، ويُراح عليكم بقصعة». قالوا: يا رسول الله، نحن اليوم خير أو ذلك اليوم؟ قال: «بل أنتم اليوم خيرٌ منكم ذلك اليوم أما لو تعلمون من الدنيا ما أعلم لاستراحت أنفسكم منها» (١).
وفي لفظ، أقبل مصعب بن عمير - ﵁ - ذات يوم والنبي - ﷺ - جالس في أصحابه - ﵃ - عليه قطعة نمرة قد وصلها بإهاب قد ودنه، فلما رآه أصحاب النبي - ﷺ - نكسوا رؤوسهم رحمة له ليس عندهم ما يغيرون عنه، فسلم فرد عليه النبي - ﷺ - وأحسن عليه الثناء، وقال: «الحمد لله ليقلب الدنيا بأهلها، لقد رأيت هذا (يعني مصعبًا) وما بمكة فتى من قريش أنعم عند أبويه نعيما منه، ثم أخرجه من ذلك الرغبة في الخير في حب الله ورسوله» (٢).
_________________
(١) الحاكم: المستدرك على الصحيحين، كتاب الإيمان، باب ذكر مصعب بن عمير العبدري - ﵁ -، ٣/ ٧٢٨، رقم ٦٦٤٠. حكم عليه السيوطي في الفتح الكبير في ضم الزيادة الى الجامع الصغير بالإرسال، ٣/ ٤٠. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة ٩/ ٣٤٧، رقم ٤٣٥٦.
(٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى، ٣/ ٨٦. وفي لفظ آخر، عن عروة بن الزبير، قال: أقبل مصعب بن عمير - ﵁ - عليه قطيفة نمرة، وقد وصل إليها إهابًا، فلما رآه أصحابه نكسوا رحمة له، وليس عندهم ما يعودون عليه، فسلَّم فرد النبي - ﷺ - ﵇، وقال خيرا، وقال - ﷺ -: «الحمد لله ﵎ لِتَقَلُّبِ الدنيا بأهلها، رأيت هذا بمكة ما من فتى من قريش أنعم عند أبويه يكرمانه وينعمانه، ثم أخرجه من ذلك حب الله وحب رسوله، ونصر الله ونصر رسوله ». المعافى بن عمران الموصلي: كتاب الزهد، ص٣٠٠، وقال: اسناده ضعيف. وقطعة نمرة: أُخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض. وإهاب قد ودنه أي: جلد بله بماء ليخضع ويلين. ابن منظور: لسان العرب، ٥/ ٢٣٦ - ١٣/ ٤٤٥.
[ ٢٦ ]
وأما في حصار الشعب فقد بلغ الجهد منه - ﵁ - مبلغه، فلم يعد يقدر على المشي مع ما أصاب جسده من ضعف بعد ما كان مرفهًا مدللًا،فقد قال سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: كان مصعب بن عمير أترف غلام بمكة بين أبويه، فلما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك، ولقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية، ولقد رأيته يتقطع به، فما يستطيع أن يمشي، فنعرض له القِسِيَّ (١)، ثم نحمله على عواتقنا (٢).
ومنه يتبين مدى الابتلاء الذي تعرض له مصعب بن عمير - ﵁ - بعد إسلامه ويتمثل فيما يأتي:
١ - الأذى المادي: إذ قُطعت عنه جميع الموارد المالية التي كان يحصل عليها لا سيما من قبل أمه، حتى أصبح لا يجد ما يلبس إلا فروة لا تكاد تواريه.
٢ - الأذى الجسدي: فقد ذبل جسمه وتغيّر لونه وأصابه من الجوع ما لا يستطيع الوقوف معه.
٣ - الأذى النفسي: إذ كان يرى أمه وهي تنشر شعرها وتخرج ويراها وهي تقف في الشمس نكاية به حتى يرجع عن دينه.
مما يبين بجلاء نجاح التربية النبوية في غرس المبادئ والثبات عليها في نفوس الصحابة - ﵃ -، وهو ما نحتاجه اليوم في تربيتنا للأجيال على مبادئ الكتاب والسنة والصبر على ما يواجهونه من مصاعب في سبيل ذلك.
_________________
(١) القِسِيّ: بكسر القاف والسين وتشديد الياء جمع قوس. النووي: تحرير ألفاظ التنبيه، ص١٨٨.
(٢) اسماعيل محمد الأصبهاني: سير السلف الصالحين، ص٦٥٩. الحافظ الذهبي: سير أعلام النبلاء، ١/ ١٤٨.
[ ٢٧ ]