بعدما انتهت غزوة بدر وانتصر فيها المسلمون انتصارا عظيما، وقُتل من صناديد الكفر من قُتل بدأت المجابهة الحقيقية مع كفار قريش، فجاءت غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة (١)، فخرجت قريش بجيوشها ونسائها، وكان منهن خناس بنت مالك أم مصعب - ﵁ - ومعها ابنها أبو عزيز بن عمير (٢)، ثم خرج النبي - ﷺ - بأصحابه - ﵃ - بعد ما أخذ برأيهم في الخروج إلى كفار قريش (٣)، ومعهم بعض النسوة كان منهن حمنة بنت جحش -﵂- زوجة مصعب - ﵁ - فقد كانت تسقي العطشى وتداوي الجرحى (٤).
وعندما وصل النبي - ﷺ - إلى أرض المعركة دفع اللواء إلى مصعب بن عمير - ﵁ - (٥)
، كما كان معه يوم بدرٍ، " ولم يختلف أهل السير أن راية رسول الله - ﷺ - يوم بدر، ويوم أحد كانت بيد مصعب بن عمير - ﵁ - " (٦)، وذلك عندما جعل رسول الله - ﷺ - يمشي على رجليه يسوي تلك الصفوف، ويُبَوّئُ أصحابه للقتال، يقول: تقدم يا فلان! وتأخر يا فلان! حتى إنه ليرى منكب الرجل خارجًا فيُؤخّره،
_________________
(١) ابن اسحاق: سيرة ابن إسحاق، ص٣٢١. ابن هشام: السيرة النبوية، ٢/ ٦٠.
(٢) المصدر السابق، ٢/ ٦٢. الواقدي: المغازي، ١/ ٢٠٣. محمد بن محمد اليعمري: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ٢/ ٧.
(٣) ابن اسحاق: سيرة ابن إسحاق، ص ٣٢٤. ابن هشام: السيرة النبوية، ٢/ ٦٣. الواقدي: المغازي، ١/ ٢١٤.
(٤) المصدر السابق، ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠. ابن سعد: الطبقات الكبرى،٨/ ١٩١.
(٥) ابن اسحاق: سيرة ابن إسحاق، ص٣٢٩. ابن هشام: السيرة النبوية، ٢/ ٦٦. الواقدي: المغازي، ١/ ٢٢١.
(٦) ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب،٤/ ١٤٧٥.
[ ٤٣ ]
فهو يقوّمهم كأنما يقوم بهم القِدَاحَ، حتى إذا استوت الصفوف سأل: من يحمل لواء المشركين؟ قيل: بنو عبد الدار. قال: نحن أحق بالوفاء منهم، أين مصعب بن عمير؟ قال: ها أنا ذا! قال: خذ اللواء، فأخذه مصعب بن عمير - ﵁ -، فتقدم به بين يدي رسول الله - ﷺ - (١). ثم قاتل وأبلى بلاءً حسنًا - ﵁ - لإعلاء كلمة الله والدفاع عن دينه وعن رسوله - ﷺ -، فعن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: أقبل أُبَيُّ بن خلف يوم أحد إلى النبي - ﷺ - يريده، فاعترض رجال من المؤمنين، فأمرهم رسول الله - ﷺ - فخلوا سبيله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار ورأى رسول الله - ﷺ - ترقوة أُبَيٍّ من فُرجةٍ بين سابغة الدرع (٢) والبيضة (٣)،
فطعنه بحربته فسقط أُبيّ عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فكسر ضلعا من أضلاعه، فأتاه أصحابه، وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أعجزك؟ إنما هو خدش! فذكر لهم قول رسول الله - ﷺ -: «بل أنا أقتل أُبَيًّا» ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين. فمات أُبَيُّ إلى النار، فسحقا لأصحاب السعير قبل أن يقدم مكة فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤) (٥).
_________________
(١) الواقدي: المغازي، ١/ ٢٢١.
(٢) ودرع سابغة أي: تامة وافرة طويلة واسعة. محمد الحسيني: تاج العروس من جواهر القاموس، ٢٢/ ٤٩٩.
(٣) والبيضة من السلاح، سميت بذلك لأنها على شكل بيضة النعام. ابن منظور: لسان العرب، ٧/ ١٢٥ ..
(٤) سورة الأنفال: آية (١٧).
(٥) الحاكم: المستدرك على الصحيحين،كتاب التفسير، باب تفسير سورة الأنفال، ٢/ ٣٥٧، رقم ٣٢٦٣، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٤٤ ]