رجع مصعب بن عمير - ﵁ - إلى مكة وأصبح الأمر أكثر استقرارا، ثم أتى ذلك الموسم الذي لقي فيه النبي - ﷺ - نفر من الأنصار، وكانوا رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا (١)، فعرض عليهم الإسلام فآمنوا به وصدقوه (٢)، ثم جاء العام الذي بعده فوافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوا النبي - ﷺ - وبايعوه على بيعة النساء (٣)، فعن عبادة بن الصامت - ﵁ -، أنه قال: إني من النقباء (٤) الذين بايعوا رسول الله - ﷺ -، وقال: «بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل النفس التي حرم الله، ولا ننتهب، ولا نعصي، بالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غشينا من ذلك شيئا، كان قضاء ذلك إلى الله» (٥).
فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله - ﷺ - معهم مصعب بن عمير - ﵁ -، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فكان مصعب يسمى المقرئ بالمدينة، وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبي أمامة، وكان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض (٦).
_________________
(١) ابن هشام: السيرة النبوية، ١/ ٤٢٨.
(٢) المصدر السابق، ١/ ٤٢٩،
(٣) المصدر السابق، ١/ ٤٣١.
(٤) جمع نقيب والنقيب: العريف، وهو شاهد القوم وضمينهم. إسماعيل بن حماد الجوهري: الصحاح، ١/ ٢٢٧.
(٥) البخاري: صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب وفود الأنصار إلى النبي - ﷺ - ، ٥/ ٥٥،رقم ٣٨٩٣.
(٦) ابن هشام: السيرة النبوية، ١/ ٤٣٤.
[ ٣١ ]
فكان - ﵁ - أول من قدم على الأنصار في المدينة، يقول البراء - ﵁ -: «أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، ثم قدم علينا عمار بن ياسر، وبلال - ﵃ -» (١)، وفي رواية أخرى عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب ﵄، قال: «أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، وكانا يقرئان الناس » (٢).
فهو أول من هاجر إلى المدينة - ﵁ - للإقامة بها ولتعليم من أسلم من أهلها بأمر النبي - ﷺ -، فله الأوّليّة في الهجرة إلى المدينة من هذه الجهة (٣).
وعن الأعمش، قال: سمعت شقيق بن سلمة، قال: حدثنا خباب، قال: «هاجرنا مع رسول الله - ﷺ - نبتغي وجه الله، ووجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير » (٤)، فقد هاجروا بإذن الرسول - ﷺ - وأمره، والمراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة، إذ لم يكن معه - ﷺ - إلا أبو بكر وعامر بن فهيرة (٥).
وعن أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - قال: أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها أول يوم جمعة قبل أن يقدم
_________________
(١) البخاري: صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -،باب مقدم النبي - ﷺ -، ٥/ ٦٥، رقم ٣٩٢٤.
(٢) المصدر السابق، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب مقدم النبي - ﷺ -، ٥/ ٦٦، رقم ٣٩٢٥.
(٣) ابن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ٧/ ٢٦١.
(٤) البخاري: صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب هجرة النبي - ﷺ -، ٥/ ٦٣، رقم ٣٩١٤.
(٥) محمود بن أحمد العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ٢٣/ ٥٦.
[ ٣٢ ]
رسول الله - ﷺ - فصلى بهم (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: " أذن النبي - ﷺ - في الجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد فانظر اليوم الذى تجهر فيه اليهود بالزبور، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين، قال فهو أول من جمع حتى قدم النبي - ﷺ - المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك " (٢)، وكان ذلك في دار سعد بن خيثمة، وهم اثنا عشر رجلًا، وما ذبح لهم يومئذٍ إلا شاة (٣).