مكث مصعب بن عمير - ﵁ - سنة كاملة يدعو أهل المدينة ويعلمهم حتى أسلم على يديه خلق كثير، ثم خرج من المدينة مع السبعين الذين وافوا رسول الله - ﷺ - في العقبة الثانية مِن حَاجِّ الأوس والخزرج، وكان أسعد بن زرارة - ﵁ - معه في سفره ذلك، فقدم مكة فجاء منزل رسول الله - ﷺ - أولًا ولم يقْرَب منزله، فجعل يخبر رسول الله - ﷺ - عن الأنصار وسرعتهم إلى الإسلام واستبطاءهم رسول الله - ﷺ -، فسُرَّ رسول الله - ﷺ - بكل ما أخبره. وبلغ أمه أنه قد قَدِمَ - ﵁ - فأرسلت إليه: يا عاق، أتقدم بلدا أنا فيه لا تبدأ بي؟ فقال: ما كنت لأبدأَ بأحدٍ قبل رسول الله - ﷺ -. ثم ذهب إلى أمه، فقالت: إنك لعلى ما أنت عليه من الصَّبْأَةِ بعدُ! (٣) قال: أنا على دين رسول الله - ﷺ - وهو الإسلام الذي رضي الله لنفسه ولرسوله - ﷺ -. قالت: ما شكَرْتَ ما رَثَيْتُكَ (٤)، مرة بأرض الحبشة ومرة بيثرب، فقال: أفرُّ بديني أن
_________________
(١) الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد،باب ابتداء أمر الأنصار، ٦/ ٤١،رقم ٩٨٧٦،مرسل وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات. الطبراني: المعجم الكبير، ٢٠/ ٣٦٢. الذهبي: تاريخ الإسلام، ١/ ٦٥٣.
(٢) ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء، ٢/ ٢٩٩.
(٣) الصبأة: الخارج من دين إلى آخر. عياض بن موسى السبتي: مشارق الأنوار على صحاح الآثار،٢/ ٣٧.
(٤) من رَثَى لَهُ إذا رَقّ وتَوَجَّعَ. ابن منظور: لسان العرب، ١٤/ ٣٠٩.
[ ٣٨ ]
تفتنوني. فأرادت حبسه، فقال: لئن أنتِ حبستنِي لأحرصن على قتل من يتعرض لي، قالت: فاذهب لشأنك، وجعلت تبكي، فقال مصعب - ﵁ -: يا أماه إني لكِ ناصحٌ عليك شفيقٌ، فاشهدي أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، قالت: والثوَاقِب (١) لا أدخل في دينك فيُزرى برأيي، ويضعَّفَ عقلي، ولكني أدعُكَ وما أنت عليه، وأُقيمُ على ديني (٢).
وفي هذا يظهر حرص مصعب - ﵁ - على هداية أمه ودعوتها للإسلام بأسلوب كله شفقة ورحمة، ولكن الهداية بيد لله حيث يقول -جل وعلا-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ (٣)، وإن دعوة الإنسان والديه للإسلام من أعظم البر الذي يقدم لهما.
كما يظهر ثبات مصعب - ﵁ - على دينه وعدم تنازله عنه رغم التهديدات والصعوبات التي واجهته.
_________________
(١) الثواقب: الشهب المضيئة. الرازي: مختار الصحاح، ص٤٩.
(٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى، ٣/ ٨٨ .. أحمد بن يحيى البلاذري: جمل من أنساب الأشراف، ٩/ ٤٠٧ - ٤٠٨. ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ٣/ ١٩٤.
(٣) سورة القصص: آية (٥٦).
[ ٣٩ ]