فلما انتهت المعركة نزل رسول الله - ﷺ - إلى أرضها، وأخذ يتفقد أصحابه - ﵃ -، حتى وقف على مصعب بن عمير - ﵁ -، فدعا له، وأخبر أنه ومن معه من الصحابة - ﵃ - شهداء عند الله، فعن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - حين انصرف من أحد، مر على مصعب بن عمير - ﵁ - وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه رسول الله - ﷺ - ودعا له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ (١)، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه» " (٢).
وكذلك قال عنه - ﷺ - في نفس الموقف: «لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرق حُلّة ولا أحسن لِمّة منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة». ثم أمر - ﷺ - بقبره - ﵁ -، فنزل في قبره أخوه أبو الروم بن عمير وعامر بن ربيعة وسويبط بن سعد بن حرملة.
وقد استشهد مصعبٌ - ﵁ - على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة وهو ابن أربعين سنة أو يزيد شيئًا (٣).
وجاء في بعض التفاسير في قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ
_________________
(١) سورة الأحزاب: آية (٢٣).
(٢) الحاكم: المستدرك على الصحيحين، كتاب التفسير، باب من قراءات النبي - ﷺ - ، ٢/ ٢٧١، رقم ٢٩٧٧، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، ١١/ ٣٦٥، رقم ٥٢٢١.
(٣) ابن سعد: الطبقات الكبرى، ٣/ ٩٠.
[ ٤٦ ]
الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ (١)، أنها نزلت في مصعب بن عمير - ﵁ - (٢).
وعن سعد، عن أبيه، قال: أُتي عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - يومًا بطعامه، فقال: «قتل مصعب بن عمير، وكان خيرًا مني، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة » (٣).
قال خبابٌ عن مصعب ﵄ « قتل يوم أحد، وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فَأَمَرنا رسول الله - ﷺ - أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه، شيئا من إذخر » (٤).
ثم جاءت حمنة بنت جحش -﵂-، فنعوا لها أخاها عبدالله وخالها حمزة بن عبدالمطلب -﵄- فصبرت واسترجعت، ثم نعوا لها زوجها مصعب بن عمير - ﵁ -، فما استطاعت أن تملك نفسها، فقد روت حمنة بنت جحش -﵂-، أنها قيل لها: قتل أخوك، قالت: ﵀، إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل لها: قتل خالك حمزة، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل لها: قتل زوجك، قالت: واحزناه، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن للزوج من المرأة لشعبةً ما هي لشيءٍ» (٥).
_________________
(١) سورة النازعات: آية (٤٠ - ٤١).
(٢) الماوردي: تفسير الماوردي النكت والعيون، ٦/ ٢٠٠. السمعاني: تفسير القرآن، ٦/ ١٥٣. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ١٩/ ٢٠٨.
(٣) البخاري: صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن من جميع المال،٢/ ٧٧، رقم ١٢٧٤.
(٤) المصدر السابق، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - إلى المدينة، ٥/ ٥٦، رقم ٣٨٩٧.
(٥) الحاكم: المستدرك على الصحيحين، كتاب معرفة الصحابة - ﵃ - ، باب ذكر أم حبيبة واسمها حمنة بنت جحش -﵂-،٤/ ٦٨، رقم ٦٩٠٦. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، ٧/ ٢٢٣، برقم ٣٢٣٣.
[ ٤٧ ]
هكذا كانت سيرة مصعب بن عمير - ﵁ -، ذلكم الذي ضحى بماله وجسده ووقته وحياته كلها في سبيل الله، فقد قدم للإسلام كل ما يملك، وذلك بالدعوة إليه من خلال منهجٍ نبوي نهله من رسول الله - ﷺ -، فجزاه الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين، ورضي الله عن مصعب بن عمير وعن الصحابة أجمعين، وحشرنا معهم في جنات النعيم، بجوار نبينا محمد - ﷺ -.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،،
[ ٤٨ ]