وَلما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز كتب أما بعد فَإِنِّي أوصيكم بتقوى الله وَلُزُوم كِتَابه والاقتداء بِسنة نبيه ﷺ وهديه فَإِن الله قد بَين لكم مَا تأتون وَمَا تَتَّقُون وأعذر إِلَيْكُم فِي الْوَصِيَّة وَأخذ عَلَيْكُم الْحجَّة حِين أنزل عَلَيْكُم كِتَابه الحفيظ الَّذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ قَالَ ﴿وبالحق أَنزَلْنَاهُ وبالحق نزل وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا مبشرا وَنَذِيرا﴾ وَقَالَ ﴿وَلَقَد جئناهم بِكِتَاب فصلناه على علم هدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ﴾ فأقيموا فَرَائِضه وَاتبعُوا سنَنه وَاعْمَلُوا بمحكمه واصبروا أَنفسكُم عَلَيْهِ وآمنوا بمتشابهه فَإِن الله علمكُم مِنْهُ مَا علمكُم وأولكم يَوْمئِذٍ أقل النَّاس شَوْكَة وأوهنه قُوَّة وأشده فرقة
[ ٦٥ ]
وأحقره عِنْد من سواهُم من النَّاس محقرة لَيْسَ لَهُم من الله حَظّ فِي الْهدى يرجعُونَ بِهِ إِلَيْهِ مَعَ أَن الدُّنْيَا ومواضع أموالها وعددها وجماعتها ونكايتها فِي غَيرهم حَتَّى أَرَادَ الله إكرامهم بكتابه وَنبيه بعث إِلَيْهِم مُحَمَّدًا ﷺ عبد الله وَرَسُوله بِالْحَقِّ بشيرا يبشر بالخيرالذي لَا خير مثله وينذر الشَّرّ الَّذِي لَا شَرّ مثله وأخره الله لذَلِك فِي الْقُرُون وَسَماهُ على لِسَان من شَاءَ من أنبيائه الَّذين سبقوا وَأخذ عَلَيْهِم مِيثَاق جَمَاعَتهمْ قَالَ ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه قَالَ أأقررتم وأخذتم على ذَلِكُم إصري قَالُوا أقررنا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنا مَعكُمْ من الشَّاهِدين﴾ فَأخر الله ذَلِك لمُحَمد ﷺ حِين بَعثه رَحْمَة للْعَالمين ﴿وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا﴾ وَأحكم الله فِي كِتَابه مَا رَضِي من الْأُمُور فَمَا جعل من ذَلِك حَلَالا فَهُوَ حَلَال إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمَا جعل من ذَلِك حَرَامًا فَهُوَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَعلمه سنته ففهمها وَعمل بهَا بَين ظَهْري أمته فصلى الصَّلَوَات لوَقْتهَا كَمَا أمره الله وَعلم مواقيتها الَّتِي وَقتهَا الله لَهُ فَإِنَّهُ قَالَ ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس إِلَى غسق اللَّيْل وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ ودلوك الشَّمْس ميلها بعد نصف النَّهَار فَلَمَّا نعت الله فِي هَذِه الْآيَة وَقت صَلَاة الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب ثمَّ قَالَ
[ ٦٦ ]
فِي آيَة أُخْرَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لِيَسْتَأْذِنكُم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم ثَلَاث مَرَّات من قبل صَلَاة الْفجْر وَحين تضعون ثيابكم من الظهيرة وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء﴾ وَصَلَاة الْعشَاء صَلَاة الْعَتَمَة فَهَذِهِ الصَّلَوَات قد جمعهَا الْقُرْآن وَبَينهَا مُحَمَّد ﷺ ثمَّ فرض رَسُول الله ﷺ الزَّكَاة على أَمر الله فِي الْعين والحرث والماشية وَبَين مَوَاضِع ذَلِك فَقَالَ ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل﴾ حَتَّى استقامت سنتها فِي الْأَخْذ حِين تُؤْخَذ وَفِي الْقِسْمَة حِين تقسم فَعمل بهَا الْمُسلمُونَ فِي جَزِيرَة الْعَرَب حَتَّى علموها أَو كل ذِي عقل مِنْهُم ثمَّ غزا رَسُول الله ﷺ بِنَفسِهِ غير مرّة وأغزى الجيوش والسرايا يقسم إِذا كَانَ حَاضرا وَيَأْمُر من تولى أَمر جيوشه وسراياه بِالَّذِي أَمر الله بِهِ من قسم مَا أَفَاء الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم فَإِن الله ﵎ قَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه وَمَا أنزلنَا على عَبدنَا يَوْم الْفرْقَان يَوْم التقى الْجَمْعَانِ وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ثمَّ أمره الله فِي الْحَج بِمَا أمره فَقَالَ ﴿وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ يأتوك رجَالًا وعَلى كل ضامر يَأْتِين من كل فج عميق ليشهدوا مَنَافِع لَهُم ويذكروا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام فَكُلُوا مِنْهَا وأطعموا البائس الْفَقِير ثمَّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ ثمَّ أَفَاء الله على رَسُوله مُحَمَّد ﷺ أَمْوَال قرى لم يوجف عَلَيْهَا خيل وَلَا ركاب فَقَالَ فِيهَا لتَكون سنة فِيمَا يفتح الله من الْقرى بعْدهَا ﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب وَلَكِن الله يُسَلط رسله على من يَشَاء وَالله على كل شَيْء قدير﴾
[ ٦٧ ]
وَقَالَ ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل كي لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ ثمَّ سمي فِي هَؤُلَاءِ الْآيَات الَّذِي للْمُسلمين فَلَيْسَ لأحد مِنْهُم قسم إِلَّا وَهُوَ فِي هَذِه الْآيَات فَقَالَ ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ وَأهل هَذِه الْآيَة من خرج من بِلَاده مُهَاجرا إِلَى الْمَدِينَة وَلَيْسَ فيهم الْأَنْصَار ثمَّ قَالَ ﴿وَالَّذين تبوؤوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ وَأهل هَذِه الْآيَة من كَانَ بِالْمَدِينَةِ من الْأَنْصَار فَإِن هِجْرَة رَسُول الله ﷺ كَانَت إِلَيْهِم ثمَّ قَالَ فِي الْآيَة الثَّالِثَة وَهِي الَّتِي جمعت حَظّ من بَقِي من الْمُسلمين بعد هذَيْن الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلين فِي الْإِسْلَام وَقسم المَال ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم﴾ فهم جمَاعَة من بَقِي من أهل الْإِسْلَام وَمن هُوَ دَاخل فِيهِ بعد الْهِجْرَة الأولى حَتَّى تَنْقَضِي الدُّنْيَا فَفِي الَّذِي علمكُم الله من كِتَابه وَالَّذِي سنّ رَسُول الله ﷺ من السّنَن الَّتِي لم تدع شَيْئا من دينكُمْ وَلَا دنياكم نعْمَة عَظِيمَة وَحقّ وَاجِب فِي شكر الله كَمَا هدَاكُمْ وعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ فَلَيْسَ لأحد فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ أَمر وَلَا رَأْي إِلَّا إِنْفَاذه والمجاهدة عَلَيْهِ وَأما مَا حدث من الْأُمُور الَّتِي تبتلى الْأَئِمَّة بهَا مِمَّا لم يحكمه
[ ٦٨ ]
الْقُرْآن وَلَا سنة النَّبِي ﷺ فَإِن وَالِي أَمر الْمُسلمين وَإِمَام عامتهم لَا يقدم فِيهَا بَين يَدَيْهِ وَلَا يقْضى فِيهَا دونه وعَلى من دونه رفع ذَلِك إِلَيْهِ وَالتَّسْلِيم لما قضى
وَقد أَحْبَبْت فِي كتابي هَذَا أَن تعرفوا الْحَال الَّتِي كُنْتُم عَلَيْهَا قبل نزُول كتاب الله وَسنة نبيه من الضَّلَالَة والعمى وضنك الْمَعيشَة وَالَّذِي أبدلكم الله من الْكَرَامَة والنصر والعافية وَالْجَمَاعَة وسلب لكم مِمَّا كَانَ فِي يَد غَيْركُمْ مِمَّا لم تَكُونُوا لتسلبوه بقوتكم لَو وكلكم إِلَى أَنفسكُم كَانَ قد شَرط ذَلِك للْمُؤْمِنين وَأَعْطَاهُمْ إِيَّاه إِذْ شَرط عَلَيْهِم شَرطه فقد وفاكم الله مَا شَرط لكم وَهُوَ آخذكم بِمَا اشْترط عَلَيْكُم قَالَ ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا وَمن كفر بعد ذَلِك فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ فقد أنْجز الله لكم وعده فأنجزوا دين الله فِي رِقَابكُمْ أَن يكفر كَافِر بِنِعْمَة الله أَو ينسى بلاءه فيجد على الله هينا وَيطول خلوده فِيمَا لَا طَاقَة لَهُ بِهِ ثمَّ إِنِّي أَحْبَبْت أَن يعلم من كَانَ جَاهِلا من أَمْرِي وَالَّذِي انا عَلَيْهِ مِمَّا لم أكن أُرِيد بِهِ الْمنطق فِي يومي هَذَا حَتَّى رَأَيْت أَن الْمنطق بِبَعْضِه هُوَ أقرب إِلَى الصّلاح فِي عَاجل الْأَمر وآجله للَّذي قد أفْضى إِلَيّ من الْأَمر وَأَنا أعلم من كتاب الله وَسنة نبيه ﵇ وَمَا سلف عَلَيْهِ أَمر الْأَئِمَّة بَين يَدي علما من الله علمنيه من لم يكن لَهُ شغل عَنهُ وَقد كَانَ شغلي وَالَّذِي كتب الله أَن ابتلى بِهِ عَاملا مِنْهُ بِمَا علمت أَو قاصرا مِنْهُ على مَا قصرت فَمَا كَانَ من خير عَلمته فبتعليم الله ودلالته وَإِلَى الله أَرغب فِي بركته وَمَا كَانَ عِنْدِي من غير ذَلِك من دَاء الذُّنُوب
[ ٦٩ ]
فاسأل الله الْعَظِيم تجاوزه عني بمغفرته فلعمري مَا ازددت علما بِالْولَايَةِ إِلَّا ازددت لَهَا مَخَافَة وَمِنْهَا وجلا وَلها إعظاما حَتَّى قدر الله لي مِنْهَا وَقدر عَليّ مَا قدر فَأَنا أَشد مَا كنت لَهَا استثقالا ثمَّ أحسن الله حميد أعواني وعاقبتي وعاقبة من ولاني أمره فَأصْلح أَمرهم وَجمع كلمتهم وَبسط عَليّ من نعمه وَعَلَيْهِم مَا لم يكن دعائي وَلَا دعاؤهم ليبلغه عِنْد الله بِهِ ثوابي وَعِنْده بِهِ جزائي من صَلَاح عامتهم وَأَدَاء حُقُوقهم إِلَيْهِم وَالْعَفو عَن ذِي الذَّنب مِنْهُم
وَقد أَعْطَانِي من ذَلِك وَله الْحَمد فِي عَاجل الدُّنْيَا وَجَمَاعَة من الشمل وَصَلَاح ذَات الْبَين وسعة فِي الرزق وَنصر على الْأَعْدَاء وكفاية حَسَنَة حَتَّى أغْنى لأهل كل ذِي جَانب من الْمُسلمين جانبهم ووسع عَلَيْهِم الرزق وَلَا يرى أهل كل نَاحيَة إِلَّا أَنهم أفضل قسما مِمَّا بسط الله بهم من رزقه ونعمه من أهل النَّاحِيَة الْأُخْرَى فَإِن تعرفوا نعْمَة الله عَلَيْكُم وتشكروا فَضله فأحرص بِي على ذَلِك وأحبب بِهِ إِلَيّ قد يعلم الله كَيفَ دعائي بذلك وَكَيف حرصي عَلَيْهِ عَلَانيَة وَإِن يجهل ذَلِك جَاهِل أَو يقصر عَنهُ رَأْيه فَإِن الَّذِي حرصت عَلَيْهِ أَن أحملكم عَلَيْهِ من كتاب الله وَسنة نبيه مُحَمَّد ﷺ هُوَ حجتي فِي الدُّنْيَا وبغيتي فِيمَا بعد الْمَوْت وَلَا تلبسوا ذَلِك بِغَيْرِهِ. . وَإِيَّاكُم أَن يتشبه فِي أَنفسكُم مَا حملتكم عَلَيْهِ من كتاب الله وَسنة نبيه وَأما مَا سوى ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي من رَأْي النَّاس فَإِنِّي لعمري لَوْلَا أَن أعمل ذَلِك فِيكُم مَا وليت أَمركُم وَإِن تعملوا بِهِ مَا نفست الَّذِي أَنا فِيهِ من الدُّنْيَا على أبْغض النَّاس رجل
[ ٧٠ ]
وَاحِد إِذا حجزه الله على ديني أَن يفتنني وَلَا كنت ارى الْمنزل الَّذِي أَتَى بِهِ لمن عَسى أَن يعْمل بِغَيْر كتاب الله وَسنة نبيه غِبْطَة وَلَا كَرَامَة وَلَا رفْعَة وَلَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فَمن كَانَ سَائِلًا عَن الَّذِي فِي نَفسِي وَعَن بغيتي فِي أَمر أمة مُحَمَّد ﷺ فَإِن الَّذِي فِي نَفسِي وبغيتي مِنْهُ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين أَن تتبعوا كتاب الله وَسنة نبيه وَأَن تجتنبوا مَا مَالَتْ إِلَيْهِ الْأَهْوَاء والزيغ الْبعيد وَمن عمل بِغَيْرِهِمَا فَلَا كَرَامَة وَلَا رفْعَة لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى وليعلم من عَسى أَن يذكر لَهُ ذَلِك أَن لعمري أَن تَمُوت نَفسِي أول نفس أحب إِلَيّ من أَن أحملهم على غير اتِّبَاع كتاب رَبهم وَسنة نَبِيّهم الَّتِي عَاشَ عَلَيْهَا من عَاشَ وتوفاه الله عَلَيْهَا حِين توفاه إِلَّا أَن يَأْتِي عَليّ من ذَلِك أَمر وَأَنا حَرِيص على اتِّبَاعه وَإِن أَهْون النَّاس عَليّ تلفا وحزنا لمن عَسى أَن يُرِيد خلاف شَيْء من تِلْكَ السّنة وَذَلِكَ الْأَمر الَّذِي رفعنَا وَنحن بِمَنْزِلَة الوضيعة وَأَكْرمنَا وَنحن بِمَنْزِلَة الهوان وأعزنا وَنحن بِمَنْزِلَة الذل معَاذ الله من أَن نستبدل بذلك غَيره ومعاذ الله من أَن نتقي أحدا فَإِذا تكلمتم فِي مجالسكم أَو ناجى الرجل أَخَاهُ فليذكر هَذَا الْأَمر الَّذِي حضضتكم عَلَيْهِ من إحْيَاء كتاب الله وَسنة نبيه وَترك مَا خَالف ذَلِك فَإِنَّهُ لَيْسَ بعد الْحق إِلَّا الْبَاطِل وَلَا بعد الْبَصَر إِلَّا الْعَمى وليحذر قوم الضَّلَالَة بعد الْهدى والعمى بعد الْبَصَر فَإِنَّهُ قَالَ لقوم صَالح ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى فَأَخَذتهم صَاعِقَة الْعَذَاب الْهون بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ اتبعُوا مَا تؤمرون بِهِ وَاجْتَنبُوا مَا تنهون عَنهُ وَلَا يعرض أحدكُم بِنَفسِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لي فِي دنياكم وَالْحَمْد لله رَغْبَة لَا فِي مَا فِي يَدي مِنْهَا وَلَا مَا فِي أَيْدِيكُم وَلَيْسَ عِنْدِي مَعَ ذَلِك
[ ٧١ ]
صَبر على انتقاص شَيْء من كتاب الله وَسنة نبيه ﵇ وَلَا اسْتِبْقَاء لمن خَالف وَالْحَمْد لله وَلَا نعْمَة عين ولعمري إِن من يعْمل ذَلِك مِنْكُم لحقيق أَن يظنّ بامرئ لَا حَاجَة لَهُ فِي دنياكم وَلَا صَبر لَهُ على زيغكم عَن دينكُمْ ولجاجتكم فِيمَا لَا خير لكم فِيهِ أَنه جرأ على هراقة دم من انْتقصَ كتاب الله أَو زاغ عَن دينه وَسنة نبيه مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ
هَذَا نَحْو من الَّذِي قبلي قد بَينته لكم ولعمري لتخلصن جماعتكم أَيهَا الْجند وخياركم مِمَّا يكره من الْأُمُور ولتتبعن أحسن مَا توعظون بِهِ إِن شَاءَ الله أسأَل الله برحمته وسعة فَضله أَن يزِيد الْمُهْتَدي هدى وَأَن يُرَاجع بالمسيء التَّوْبَة فِي عَافِيَة مِنْهُ وَأَن يحكم على من أَرَادَ خلاف كِتَابه وَسنة نبيه ﵇ بِحكم يغلب بِهِ فِي خاصته ويعجله لَهُ فَإِنَّهُ على ذَلِك قَادر وَأَنا إِلَيْهِ فِيهِ رَاغِب وَيحسن عَاقِبَة الْعَامَّة وَلَا يعذبنا بذنب الْمُسِيء وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله