قال برهان الدين بن فرحون نقلًا عن القاضي عياض ﵀ ما نصه: اعلم وفقنا الله وإياك أن حكم المتعبد بأوامر الله ونواهيه المتشرع بشريعة نبيه - ﷺ - طلب معرفة ما يتعبد به، وما يأتيه ويذره ويجب عليه ويحرم ويباح له ويرغب فيه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ - فهما الأصلان اللذان لا تعرف الشريعة إلا من قبلهما ثم إجماع المسلمين مرتب عليهما فلا يصح أن يؤخذ وينعقد إلا عليهما، إما من نص صريح عرفوه ثم تركوا نقله، أو اجتهاد مبني عليهما على القول بصحة الإجماع من طريق الاجتهاد وهذا كله لا يتم إلا بعد تحقيق العلم بذلك والعرف والدلالات الموصلة إليه من نقل ونظر وجمع وحفظ وعلم ما صح من السنن واشتهر ومعرفة كيف تفهم من علم ظواهر الألفاظ وهو علم العربية والفقه وعلم معانيها ومعاني موارد الشرع ومقاصده ونص الكلام وظاهره وفحواه وسائر مناهجه وهو المعبر عنه بعلم أصول الفقه وهذا كله يحتاج إلى مهلة والتعبد لازم لحينه، ثم الواصل لطريق الاجتهاد قليل وأقل القليل بعد الصدر الأول والسلف الصالح، وإذا كان هذا فلا بد لمن لم يبلغ هذه المنزلة من المكلفين أن يتلقى ما يُتَعَبَّد به وكلف من وظائف شريعته ممن ينقله له ويعرفه به، واثقًا به في نقله وعلمه، وهذا هو
[ ١ / ٣٩ ]
التقليد ودرجة عوام الناس بل أكثرهم، وإذا كان هذا فالواجب تقليد العالم الموثوق به في ذلك، فإذا كثر العلماء فالأعلم، وهذا حظ المقلد من الاجتهاد لدينه، ولا يترك المقلد الأعلم ويعدل إلى غيره وإن كان مشتغلًا بالعلم فيسأل حينئذ عما لا يعلم حتى يعلمه. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧، النحل: ٤٣] وأمر النبي - ﷺ - بالاقتداء بالخلفاء (١) بعده وأصحابه وقد بعث النبي - ﷺ - أصحابه في الناس ليفقهوهم في الدين ويعلموهم ما كتب عليهم. وإذا كان هذا الأمر لازمًا فأولى من قلده العامي الجاهل والطالب المسترشد والمتفقه في دين الله فقهاء أصحاب رسول الله -ﷺ - الذين أخذوا عنه الأمر وعلموا أسباب نزول الأوامر والنواهي وشاهدوا قرائن الأمور وثاقفوا في أكثرها النبي - ﷺ - واستفسروه عنها مع ما كانوا عليه من صفة العلم ومعرفة معاني الكلام وتنوير القلوب وانشراح الصدور فكانوا أعلم الأمة بلا مرية وأولاهم بالتقليد، لكنهم لم يتكلموا من النوازل إلا في اليسير مما وقع، ولا تفرعت عنهم المسائل ولا من الشرع إلا في قواعد ووقائع، وكان أكثر اشتغالهم بالعمل بما علموا والذب عن حوزة الدين وتوطين شريعة المسلمين، ثم بينهم في الاختلاف في بعض ما تكلموا فيه مما يُبقي المقلد في حيرة ويحوجه إلى نظر وتوقف. وإنما جاء التفريع وبسط الكلام فيما يتوقع وقوعه بعدهم فجاء التابعون فنظروا في اختلافهم وبنوا على أصولهم، ثم جاء من بعدهم من العلماء من أتباع التابعين والوقائع قد كثرت، والفتاوى قد تشعبت فجمعوا أقاويل الجميع وحفظوا فقههم وبحثوا عن اختلافهم واتفاقهم وَحَذِرُوا انتشار
[ ١ / ٤٠ ]
الأمر، وخروج الخلاف عن الضبط، فاجتهدوا في جمع السنن، وضبط الأحوال وسئلوا فأجابوا ومهدوا الأصول، وفرعوا النوازل ووضعوا التصانيف ودونوها وقاسوا على ما بلغهم ما يشبهه فالمتعين على المقلد أن يرجع في التقليد لهؤلاء لأحكامهم النظر في مذاهب من تقدمهم وكفايتهم ذلك لمن جاء بعدهم لكن تقليد جميعهم لا يتفق في أكثر النوازل لاختلافهم في الأصول التي بنوا عليها ولا يصلح أن يقلد المقلد من شاء منهم على الشهرة أو على ما وجد عليه أهل قطره فحظه هنا من الاجتهاد أن ينظر في أعلمهم ويعرف الأولى بالتقليد من جملتهم، حتى يركن في أعماله إلى فتواه، ولا يحل له أن يعدو في استفتائه إلى من هو لا يرى مذهبه، وكذلك يلزم هذا طالب العلم في بدايته في درس ما أصله الأعلم من هؤلاء وفرّعه والاهتداء بنظره؛ إذ لو ابتدأ الطالب يطلب في كل مسألة الوقوف على الحق منها بطريق الاجتهاد لعسر عليه ذلك إذ لا يتفق إلا بعد جمع خلاله كما تقدم وإذا اجتمعت خلاله كان حينئذ من المجتهدين لا من المقلدين انتهى. ثم قال ما ملخصه: وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط واتباعهم ودرس مذاهبهم دون من قَبْلَهُم مع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه. ثم اختلفت الآراء في تعيين المقلد منهم فغلب مذهب كل منهم على جهة: فمالك بالمدينة، وأبو حنيفة والثوري بالكوفة المتوفى سنة ١٦١هـ، والحسن البصري بالبصرة المتوفى سنة١١٦هـ، والأوزاعي بالشام المتوفى سنة ١٥٧هـ،
[ ١ / ٤١ ]
والليث بن سعد المتوفى سنة ١٧٥هـ إمام أهل مصر في الفقه والحديث المتوفى سنة ٩٤ هـ والشافعي بمصر وأحمد بن حنبل ببغداد وكان لأبي ثور المتوفى سنة ٢٤٦ هـ هناك أتباع أيضًا ثم نشأ ببغداد أبو جعفر الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وداود الأصبهاني المتوفى سنة ٢٧٠ هـ فألفا الكتب واختارا في المذهب على رأي أهل الحديث وطرح داود منها القياس وكان لكل واحد منهم أتباع فهؤلاء الذين وقع إجماع الناس على تقليدهم مع الاختلاف في أعيانهم واتفاق العلماء على اتباعهم والاقتداء بمذاهبهم ودرس كتبهم والتفقه على مآخذهم والبناء على قواعدهم والتفريع عى أصولهم دون غيرهم ممن تقدمهم أو عاصرهم للعلل التي ذكرناها. وصار الناس اليوم في أقطار الأرض على خمسة مذاهب: مالكية وحنبلية وشافعية وحنفية وداودية وهم المعروفون بالظاهرية انتهى باختصار مع زيادة وهؤلاء الأئمة لهم أتباع يختلفون قلة وكثرة في الاتباع والانتشار والدوام والانقطاع إلى أواخر المائة الخامسة فلم يبقَ من بينهم مَن له أتباع إلا الأئمة الأربعة. قال ولي الدين بن خلدون وقف التقليد في الأمصار عند الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ودرس المقلدون لمن سواهم وسدّ الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله، ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء، كل بما اختص به من المقلدين. وحظروا أن يُتداول تقليد من سواهم لما فيه من التلاعب ولم يبق إلا نقل مذاهبهم وعمل كل مقلد بمذهب مقلده منهم
[ ١ / ٤٢ ]
بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية لا محصول للفقه اليوم غير هذا ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأربعة انتهى. انظره. والأربعة:
١٧ - مالك بن أنس: إمام دار الهجرة ﵁ انتشر مذهبه بالحجاز والبصرة وما والاها وبإفريقية والمغرب والأندلس ومصر وأتباعه كثيرون جدًا مولده سنة ٩٣ هـ وتوفي سنة ١٧٩هـ وستأتي ترجمته [٧٩٥ م].
١٨ - وأبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي: التابعي ﵁ الإمام قدوة العلماء الأعلام وشيخ مشايخ الإسلام العالم الجليل القدر الشهير الذكر المتفق على جلالته وفضله وعلمه انتشر مذهبه بالكوفة والشام والعراق وما وراء النهرين والروم وغيرها وأتباعه كثيرون جدًا. ترجمته واسعة أفردت بالتأليف. مولده سنة ٨٠ هـ وتوفي ببغداد سنة ١٥٠هـ[٧٦٧ م].
١٩ - وأبو عبد الله محمَّد بن إدريس الشافعي المطلبي ﵁: الإِمام البعيد الصيت والذكر الجليل القدر علامة الدنيا بلا ثنيا الحافظ الحجة النظار المتفق على جلالته وفضله وعلمه شهرته في أقطار الأرض تغني عن التعريف به. وترجمته واسعة أفردت بالتأليف له أتباع كثيرون جدًا وانتشر مذهبه انتشار مذهب أبي حنيفة ومن دعائه: اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير. وهو مشهور بين العلماء بالإجابة. مولده بغزة سنة ١٥٠هـ توفي بمصر سنة ٢٠٤ هـ.
٢٠ - أبو عبد الله أحمد بن محمَّد بن حنبل البغدادي ﵁: الإمام الثقة المثبت الأمين الحافظ الحجة النظار المتفق على جلالته وورعه وعلمه كان من علية أئمة الحديث انتشر مذهبه بكثير من بلاد الشام وغيرها ثم ضعف. ترجمته عالية ذكرت مفردة ومضافة مولود سنة ١٦٤هـ وتوفي ببغداد سنة ٢٤١هـ[٨٥٥ م].
[ ١ / ٤٣ ]
فهؤلاء الأربعة أئمة الدين الأعلام، وقف التقليد عندهم في سائر الأقطار والأمصار، إلى هذا الوقت. وفي باب أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء من كتاب حجة الله البالغة كلام نفيس هو من الأهمية بمكان، ولذا آثرت نقله بنصه وإن كان فيه طول، فإن الحسن غير مملول. قال ﵀: اعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئًا من حملة العلم إنجازًا لما وعده رسول الله - ﷺ - حيث قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولُهُ" (١) فأخذوا عمن اجتمعوا معه منهم صفة الوضوء والغسل والصلاة والحج والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه ورووا حديث النبي - ﷺ - وسمعوا قضايا قضاة البلدان وفتاوى مفتيها، وسألوا عن المسائل واجتهدوا في ذلك كله ثم صاروا كبراء قوم، ووسد إليهم الأمر فنسجوا على منوال شيوخهم ولم يألوا في تتبع الإيماءات والاقتضاءات، فقضوا وأفتوا ورووا وعلموا. وكان صنيع العلماء في هذه الطبقة متشابهًا. وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث رسول الله - ﷺ - والمرسل جميعًا ويستدل بأقوال الصحابة والتابعين. علمنا منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله - ﷺ - اختبروها فجعلوها موقوفة كما قال إبراهيم وقد روى حديث نهى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة
[ ١ / ٤٤ ]
والمزابنة فقيل له أما تحفظ من رسول الله - ﷺ - حديثًا غير هذا قال: بلى ولكن أقول قال عبد الله قال علقمة أحب إلى. وكما قال الشعبي وقد سئل عن حديث وقيل إنه يرجع إلى النبي - ﷺ - قال لا، علي من دون النبي - ﷺ - أحب إلينا فإن كان فيه زيادة ونقصان كان علي من دون النبي - ﷺ - أو يكون استنباطًا منهم من النصوص أو اجتهادًا منهم بآرائهم وهم أحسن صنيعًا في كل ذلك ممن يجيء بعدهم وأكثر إصابة وأقدم زمانًا وأوعى علمًا فتعين العمل بها إلا إذا اختلفوا وكان حديث رسول الله -ﷺ - يخالف قولهم مخالفة ظاهرة وأنه إذا اختلفت أحاديث رسول الله - ﷺ - في مسألة رجعوا إلى أقوال الصحابة فإن قالوا بنسخ بعضها أو بصرفه عن ظاهره أو لم يصرحوا بذلك ولكن اتفقوا على تركه وعدم القول بموجبه فإنه كابتداء علة فيه أو الحكم بنسخه أو تأويله اتبعوهم في كل ذلك وهو قول مالك: في حديث ولغ الكلب جاء هذا الحديث ولكن لا أدري ما حقيقته يعني حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول لم أرَ الفقهاء يعملون به وأنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في مسألة فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه لأنه أعرف
[ ١ / ٤٥ ]
بصحيح أقاويلهم من السقيم وأوعى للأصول المناسبة لها وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم فمذهب عمر وعثمان وابن عمر وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وأصحابهم- مثل سعيد بن المسيب فإنه كان أحفظهم لقضايا عمر وحديث أبي هريرة ومثل عروة وسالم وعطاء بن يسار وقاسم وعبيد الله بن عبد الله والزهري ويحيى بن سعيد وزيد بن أسلم وربيعة- أحق بالأخذ من غيره عند أهل المدينة لما بينه النبي - ﷺ - في فضائل المدينة ولأنها مأوى الفقهاء ومجمع العلماء في كل عصر ولذلك ترى مالكًا يلازم محجتهم ومذهب عبد الله بن مسعود وأصحابه وقضايا علي وشريح والشعبي وفتاوى إبراهيم أحق بالأخذ عند أهل الكوفة من غيره وهو قول علقمة حين مال مسروق إلى قول زيد بن ثابت في الشريك قال: هل أحد منكم أثبت من عبد الله؟ فقال: لا ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يشركون فإن اتفق أهل البلد على شيء أخذوا بنواجده وهو الذي يقول في مثله مالك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا وإن اختلفوا أخذوا بأقواها وأرجحها إما بكثرة القائلين به أو لموافقته لقياس قوي أو تخريج من الكتاب والسنة وهو الذي يقول في مثله مالك هذا أحسن ما سمعت فإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة خرجوا من كلامهم وتتبعوا الإيماء والاقتضاء وألهموا في هذه الطبقة التدوين فدون مالك ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذيب بالمدينة وابن جريج وابن عيينة بمكة والثوري بالكوفة وربيع بن الصبيح بالبصرة وكلهم مشوا على هذا المنهج الذي ذكرته ولما حج المنصور قال لمالك قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي صنفتها فتنسخ ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم بأن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى غيره فقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم
[ ١ / ٤٦ ]
أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وأتوا به من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم ويحكى نسبة هذه القصة إلى هارون الرشيد (١) وأنه شاور مالكًا في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه فقال لا تفعل فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل سنة مضت. قال: وفقك الله يا أبا عبد الله حكاه السيوطي وكان مالك من أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول الله - ﷺ - وأوثقهم إسنادًا وأعلمهم بقضايا عمر، وأقاويل عبد الله بن عمر، وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى فلما وسد إليه الأمر حدث وأفتى وأفاد وأجاد وعليه انطبق قول النبي - ﷺ -: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدًا أعلم من عالم المدينة" على ما قاله ابن عيينة وعبد الرزاق، وناهيك بهما. فجمع أصحابه رواياته ومختاراته ولخصوها وحرروها وشرحوها وخرّجوا عليها وتكلموا في أصولها ودلائلها وتفرقوا إلى المغرب ونواحي الأرض فنفع الله بهم كثيرًا من خلقه. وإن شئت أن تعرف حقيقة ما قلناه من أهل مذهبه فانظر في كتاب الموطأ تجده كما ذكرنا، وكان أبو حنيفة ﵁ ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه إلا ما شاء الله وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه دقيق النظر في وجوه التخريجات مقبلًا على الفروع أتم إقبال وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلناه فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب الآثار
[ ١ / ٤٧ ]
لمحمد ﵀ وجامع عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة، ثم قايسه بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة وهو في تلك اليسيرة أيضًا لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة وكان أشهر أصحابه ذكرًا أبا يوسف ﵀ تولى قضاء القضاة أيام هارون الرشيد فكان سببًا لظهور مذهبه والقضاء به في أقطار العراق وخراسان وما وراء النهر، وكان أحسنهم تصنيفًا وألزمهم درسًا محمد بن الحسن، وكان من خبره أن تفقه على أبي حنيفة وأبي يوسف ثم خرج إلى المدينة فقرأ الموطأ على مالك ثم رجع إلى نفسه فطبّق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة مسألة فإن وافق فيها وإلا فإن رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك، وإن وجد قياسًا ضعيفًا أو تخريجًا لينًا يخالفه حديث صحيح فيما عمل به الفقهاء أو يخالفه عمل أكثر العلماء تركه إلى مذهب من مذاهب السلف مما يراه أرجح ما هنالك، وهذان لا يزالان على محجة إبراهيم وأقرانه ما أمكن لهما كما كان أبو حنيفة ﵁ يفعل ذلك وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين إما أن يكون لشيخهما تخريج على مذهب إبراهيم يزاحمانه فيه أو يكون هناك لإبراهيم ونظرائه أقوال مختلفة يخالفان شيخهما في ترجيح بعضها على بعض فصنف محمد ﵀ وجمع رأي هؤلاء الثلاثة ونفع كثيرًا من الناس فتوجه أصحاب أبي حنيفة ﵁ إلى تلك التصانيف تخليصًا وتقريبًا أو شرحًا أو تخريجًا أو تأسيسًا أو استدلالًا ثم تفرقوا إلى خراسان وما وراء النهر فيسمى ذلك مذهب أبي حنيفة. ونشأ الشافعي في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما فنظر في صنيع الأوائل فوجد فيه أمورًا كبحت عنانه عن الجريان في طريقهم وقد ذكرها في أوائل كتاب الأم منها أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع فيدخل فيهما الخلل فإنه إذا جمع طرق الحديث يظهر أنه
[ ١ / ٤٨ ]
كم من مرسل لا أصل له، وكم من مرسل يخالف مسندًا (١) فقرر أن لا يأخذ بالمرسل إلا عند وجود شروط وهي مذكورة في كتب الأصول، ومنها أنه لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات مضبوطة عندهم فكان يتطرق بذلك خلل في مجتهداتهم فوضع لها أصولًا ودوّنها في كتاب وهذا أول تدوين كان في أصول الفقه مثاله ما بلغنا أنه دخل على محمد بن الحسن وهو يطعن علي أهل المدينة في قضائهم بالشاهد الواحد مع اليمين ويقول هذا زيادة على كتاب الله، فقال الشافعي: أثبت عندك أنه لا تجوز الزيادة على كتاب الله بخبر الواحد؟ قال نعم. قال: فلمَ قلت إن الوصية للوارث لا تجوز لقوله - ﷺ -: "ألا لا وصية لوارث" وقد قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية وأورد عليه أشياء من هذا القبيل فانقطع كلام محمَّد بن الحسن، ومنها أن بعض الأحاديث الصحيحة لم يبلغ علماء التابعين ممن وسد إليهم الفتوى فاجتهدوا بآرائهم أو اتبعوا العمومات أو اقتدوا بمن مضى من الصحابة فأفتوا حسب ذلك ثم ظهرت بعد ذلك في الطبقة الثالثة فلم يعملوا بها ظنًا منهم أنها تخالف عمل أهل مدينتهم وسنتهم التي لا اختلاف لهم فيها وذلك قادح في الحديث وعلة مسقطة له أو لم تظهر في الثلاثة وإنما ظهرت بعد ذلك عندما أمعن أهل الحديث في جميع طرق الحديث ورحلوا إلى أقطار الأرض وبحثوا عن حملة العلم فكثر من الأحاديث ما لا يرويه من الصحابة إلا رجل واحد، أو رجلان، ولا يرويه عنه أو عنهما إلا رجل واحد أو رجلان وهلم جرًا فخفي على أهل الفقه وظهر في عصر الحفاظ الجامعين لطرق الحديث كثير من الأحاديث رواه أهل البصرة مثلًا وسائر الأقطار في غفلة منه فبيّن الشافعي أن العلماء من الصحابة والتابعين لم يزل شأنهم يطلبون الحديث في
[ ١ / ٤٩ ]
المسألة فإذا لم يجدوا تمسكوا بنوع آخر من الاستدلال ثم إذا ظهر عليهم الحديث بعد رجعوا من اجتهادهم إلى الحديث فإذا كان الأمر على ذلك لا يكون عدم تمسكهم بالحديث قدحًا فيه اللهم إلا إذا بينّوا العلة القادحة مثاله: حديث القلتين فإنه حديث صحيح روي بطرق كثيرة معظمها ترجع إلى أبي الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله أو محمَّد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله كلاهما عن ابن عمر ثم تشعبت الطرق بعد ذلك. وهذان وإن كانا من الثقات لكنهما ليسا ممن وسد إليهم الفتوى وعول الناس عليهم فلم يظهر الحديث في عصر سعيد بن المسيب ولا في عصر الزهري ولم يمشِ عليه المالكية ولا الحنفية فلم يعملوا به وعمل به الشافعي وكحديث: "خيار المجلس": فإنه حديث صحيح روي بطرق كثيرة وعمل به: ابن عمر، وأبو هريرة من الصحابة. ولم يظهر على الفقهاء السبعة ومعاصريهم فلم يكونوا يقولون به فرأى مالك وأبو حنيفة هذه علة قادحة في الحديث وعمل به الشافعي ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر
[ ١ / ٥٠ ]
الشافعي فتكثرت واختلفت وتشعبت ورأى كثيرًا منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم ورأى السلف لم يزالوا يرجعون في مثل ذلك إلى الحديث فترك التمسك بأقوالهم ما لم يتفقوا وقال هم رجال ونحن رجال. ومنها أنه رأى قومًا من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع بالقياس الذي أثبته فلا يميزون واحدًا منهم من الآخر ويسمونه بالاستحسان وأعني بالرأي أن ينصب مظنة حرج أو مصلحة علة لحكم وإنما القياس أن تخرج العلة من الحكم المنصوص ويدار عليها الحكم فأبطل هذا النوع أتم إبطال وقال: "مَن استحسن فإنه أراد أن يكون شارعًا" حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول مثاله رشد اليتيم أمر خفي فأقاموا مظنة الرشد وهو بلوغ خمس وعشرين سنة مقامه وقالوا إذا بلغ هذا العمر سلم إليه ماله قالوا هذا استحسان والقياس أن لا يسلم إليه وبالجملة لما رأى في صنع الأوائل مثل هذه الأمور أخذ الفقه من الرأس فأسس الأصول وفرع الفروع وصنف الكتب فأجاد وأفاد واجتمع عليه الفقهاء وتصرفوا اختصارًا وشرحًا واستدلالًا وتخريجًا ثم تفرقوا في البلدان فكان هذا مذهبًا للشافعي اهـ. ثم عقد بابًا في الفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي ونص محل الحاجة منه كان عندهم إذا وجد في المسألة قرآن ناطق فلا يجوز التحول منه إلى غيره، وإذا كان القرآن محتملًا لوجوه فالسنة قاضية عليه، فإذا لم يجدوا في كتاب الله أخذوا سنة رسول الله - ﷺ - سواء كان مستفيضًا دائرًا بين الفقهاء أو يكون مختصًا بأهل بلد أو أهل بيت أو بطريق خاصة، وسواء عمل به الصحابة والفقهاء أو لم يعملوا به. ومتى كان في المسألة حديث فلا يتبع فيها خلاف أثر من الآثار ولا اجتهاد أحد من المجتهدين، وإذا أفرغوا جهدهم في تتبع الأحاديث ولم يجدوا في المسألة حديثًا أخذوا بأقوال جماعة من الصحابة والتابعين ولا يتقيدون بقوم دون قوم ولا ببلد دون بلد كما كان يفعل من قبلهم، فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شيء فهو المقنع وإن اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علمًا وأورعهم ورعًا وأكثرهم ضبطًا أو ما اشتهر عنهم. فإن وجدوا شيئًا يستوي فيه قولان فهي مسألة ذات قولين، فإن عجزوا عن ذلك أيضًا تأملوا في عمومات الكتاب والسنة وإيماءاتها واقتضاءاتها وحملوا نظير المسألة عليها في الجواب إذا كانتا متقاربتين بادئ الرأي لا يعتمدون في ذلك على قواعد من الأصول ولكن
[ ١ / ٥١ ]
على ما يخلص إلى الفهم ويثلج به الصدر كما أنه ليس ميزان التواتر عدد الرواة ولا حالهم ولكن اليقين الذي يعقبه في قلوب الناس كما نبهنا على ذلك في بيان حال الصحابة. وكانت هذه الأصول مستخرجة عن صنيع الأوائل وتصريحاتهم، وعن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله - ﷺ - في ذلك الأمر سنة قضى بها فإن أعياه خرج يسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله - ﷺ - قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله - ﷺ - فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل بيننا من يحفظ عن نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله - ﷺ - جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به. وعن شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله - ﷺ - فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله - ﷺ - فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك. ثم قال: وعن عبد الله بن عباس وعطاء ومجاهد ومالك ﵃ أنهم كانوا يقولون: ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله - ﷺ -. وبالجملة فلما مهدوا الفقه على هذه القواعد لم تكن مسألة من المسائل التي تكلم فيها من قبلهم والتي
[ ١ / ٥٢ ]
وقعت في زمانهم إلا وجدوا فيها حديثًا مرفوعًا متصلًا أو مرسلًا أو موقوفًا صحيحًا أو حسنًا أو صالحًا للاعتبار أو وجدوا أثرًا من آثار الشيخين أو سائر الخلفاء وقضاة الأمصار وفقهاء البلدان أو استنباطًا من عموم أو إيماء أو اقتضاء فيسر الله لهم العمل بالسنة على هذا الوجه، وكان أعظمهم شأنًا وأوسعهم رواية وأرفعهم للحديث مرتبة وأعمقهم فقهًا أحمد بن محمَّد بن حنبل ثم إسحاق بن راهويه. وكان ترتيب الفقه على هذا الوجه يتوقف على جمع شيء كثير من الأحاديث والآثار حتى سئل أحمد يكفي الرجل مائة ألف حديث حتى يفتي؟ قال: لا. حتى قيل خمسمائة ألف حديث؟ قال: أرجو. كذا في غاية المنتهى. ومراده الإفتاء على هذا الأصل. ثم أنشأ الله تعالى قرنًا آخر فرأوا أصحابهم قد كفوا مؤنة جمع الحديث وتمهيد الفقه على أصلهم فتفرغوا لفنون أخرى كتمييز الحديث الصحيح المجمع عليه بين كبراء أهل الحديث كزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان وأحمد إسحاق وأضرابهم، وكجمع أحاديث الفقه التي بني عليها فقهاء الأمصار وعلماء البلدان مذاهبم وكالحكم على كل حديث بما يستحقه وكالشاذة والفاذة من الأحاديث لم يرووها أو طرقها التي لم يخرجوا من جهتها الأوائل مما فيه اتصال أو علو سند أو رواية فقيه عن فقيه أو حافظ عن حافظ ونحو ذلك من المطالب العلمية وهؤلاء هم البخاري ومسلم وأبو داود وعبد الله بن حميد والدارمي وابن ماجه وأبو يعلى والترمذي والنسائي والدارقطني والحاكم والبيهقي والخطيب والديلمي وابن عبد البر وأمثالهم، وكان أوسعهم علمًا عندي وأنفعهم تصنيفًا وأشهرهم ذكرًا رجال أربعة متقاربون في العصر:
- أولهم: أبو عبد الله البخاري وكان غرضه تجريد الأحاديث الصحاح المستفيضة المتصلة من غيرها واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها، فصنف جامعه الصحيح ووفى بما شرط، وبلغنا أن رجلًا من الصالحين رأى رسول الله - ﷺ - في منامه وهو يقول: مالك اشتغلت بفقه محمَّد بن إدريس وتركت كتابي. قال: يا رسول الله وما كتابك؟ قال: صحيح البخاري. ولعمري أنه نال من الشهرة والقبول درجة لا يرام فوقها.
- وثانيهم: مسلم النيسابوري توخى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين المتصلة المرفوعة مما يستنبط منه السنة وأراد تقريبها إلى الأذهان وتسهيل الاستنباط منها فرتب ترتيبًا جيدًا وجمع طرق كل حديث في موضع واحد ليتضح اختلاف المتون وتشعب الأسانيد أصرح ما يكون وجمع بين المختلفات فلم يدع لمن له معرفة لسان العرب عذرًا في الإعراض عن السنة إلى غيرها.
[ ١ / ٥٣ ]
- وثالثهم: أبو داود السجستاني وكان همه جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ودارت فيهم وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار، فصنف سننه وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل. قال أبو داود: ما ذكرت في كتابي حديثًا أجمع الناس على تركه، وما كان منها ضعيفًا صرح بضعفه وما كان فيه علة بيّنها بوجه يعرفه الخائض في هذا الشأن، وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليه ذاهب. ولذلك صرح الغزالي وغيره بأن كتابه كاف للمجتهد.
- ورابعهم: أبو عيسى الترمذي وكأنه استحسن طريقة الشيخين حيث بينا وما أبهما وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع تلك الطريقتين وزاد عليهما بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار فجمع كتابًا جامعًا واختصر طرق الحديث اختصارًا لطيفًا فذكر واحدًا وأومأ إلى ما عداه وبيّن أمر كل حديث من أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر وبيّن وجه الضعف ليكون الطالب على بصيرة من أمره فيعرف ما يصلح للاعتبار عما دونه وذكر أنه مستفيض أو غريب وذكر مذاهب الصحابة وفقهاء الأمصار وسمى من يحتاج إلى التسمية وكنى من يحتاج إلى التكنية ولم يدع خفاء لمن هو من رجال العلم ولذلك يقال إنه كاف للمجتهد مغن للمقلد.
وكان بأزاء هؤلاء في عصر مالك وسفيان وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل ولا يهابون الفتيا ويقولون على الفقه بناء الدين فلا بد من إشاعته ويهابون رواية حديث رسول الله - ﷺ - والرفع إليه حتى قال الشعبي على من دون النبي - ﷺ - أحب إلينا فإن كان فيه زيادة أو نقصان كان على من دون النبي - ﷺ -. وقال إبراهيم: أقول: قال عبد الله وقال علقمة أحب إلينا. وكان أبو مسعود إذا تحدث عن رسول الله - ﷺ - تربد وجهه وقال: هكذا أو نحوه، هكذا أو نحوه. وقال عمر حين بعث رهطًا من الأنصار إلى الكوفة: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قومًا لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم فيقولون: قدم أصحاب محمد! قدم أصحاب محمَّد! فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث فأقلوا الرواية عن رسول الله - ﷺ -. قال ابن عون: كان الشعبي إذا جاءه شيء اتقى. وكان إبراهيم يقول ويقول. أخرج هذه الآثار الدارمي. فوقع تدوين الحديث والفقه والمسائل من حاجتهم بموقع من وجه آخر وذلك أنه لم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على الأصول التي اختارها أهل الحديث ولم تنشرح صدورهم للنظر في أقوال علماء البلدان وجمعها والبحث عنها واتهموا أنفسهم في ذلك وكانوا اعتقدوا في أئمتهم أنهم في الدرجة العليا من التحقيق وكأن قلوبهم أميل شيء إلى أصحابهم كما قال علقمة: هل أحد منهم أثبت
[ ١ / ٥٤ ]
من عبد الله، وقال أبو حنيفة: إبراهيم أفقه من سالم ولولا فضل الصحبة لقلت علقمة أفقه من ابن عمر. وكان عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذهن من شيء إلى شيء ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم، وكل ميسر لما خلق له، وكل حزب بما لديهم فرحون. فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج وذلك أن يحفظ كل أحد كتاب من هو لسان أصحابه وأعرفهم بأقوال القوم وأصحهم نظرًا في الترجيح فيتأمل في كل مسألة وجه الحكم، فكلما سئل عن شيء أو احتاج إلى شيء رأى فيما يحفظه من تصريحات أصحابه فإن وجد الجواب فيها وإلا نظر إلى عموم كلامهم فأجراه إيماء واقتضاء يفهم المقصود، وربما كان للمسألة المصرح بها نظير تحمل عليه وربما نظروا في علة الحكم المصرح به بالتخريج أو باليسر والحذف فأداروا حكمه على غير المصرح به، وربما كان له كلامان لو اجتمعا على هيئة القياس الاقتراني أو الشرطي أنتجا جواب المسألة وربما كان في كلامهم ما هو معلوم بالمثال والقسمة غير معلوم بالحد الجامع المانع فيرجعون إلى أهل اللسان ويتكلفون في تحصيل ذاتياته وترتيب حد جامع مانع له وضبط فهمه وتمييز مشكله، وربما كان كلامهم محتملًا بوجهين فينظرون في ترجيح أحد المحتملين، وربما يكون تقريب الدلائل خفيًا فيبينون ذلك، وربما استدل بعض المخرجين من فعل أئمتهم وسكوتهم ونحو ذلك فهذا هو التخريج ويقال له القول المخرج لفلان كذا، ويقال على مذهب فلان أو على أصل فلان أو على قول فلان جواب المسألة كذا وكذا ويقال لهؤلاء المجتهدون في المذهب وعنى هذا الاجتهاد على هذا الأصل من قال: من حفظ المبسوط كان مجتهدًا. أي وإن لم يكن له علم برواية أصلًا ولا بحديث واحد فوقع التخريج في كل مذهب وكثر، فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وسد إليهم القضاء والإفتاء واشتهرت تصانيفهم في الناس ودرسوا درسًا ظاهرًا انتشر في أقطار الأرض ولم يزل ينتشر كل حين، وأي مذهب كان أصحابه خاملين ولم يولوا القضاء والإفتاء ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين اهـ.