كانت السنة في القرون الأولى تؤخذ من أفواه الشيوخ وقلما كان الرواة يثقون بالخطوط وكان اتصال سند الراوي بالرسول مع عدالة المروي عنهم وكان ضبطهم أمرًا لا محيص عنه حتى يحوز الحديث درجة الصحة، فلما أن صنفت كتب الصحاح المشهورة وذاعت في الأقطار المختلفة قامت شهرتها مقام تواترها فلم تبق حاجة لاتصال السند منا إلى مصنفيها في كل حديث دون فيها وأصبح الاعتماد على الكتاب فوق الاعتماد على الشيوخ.
[ ١ / ٢٢ ]
قال أبو عمرو بن الصلاح (١) المتوفى سنة ٦٤٣ هـ: اعلم أن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود منها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطًا يصح لأن يعتمد عليه، وإنما المقصود به بقاء سلسلة الإسناد الذي خصت به هذه الأمة. أقول: وهذا هو الغرض بعينه في عصرنا والعصور السالفة قبله في محافظة الشيوخ على سلسلة السند إلى مصنفي الكتب الشهيرة كالبخاري ومسلم إنما الواجب على أمثالنا أن يتثبتوا في أمور ثلاثة: كون الكتاب الذي يروون الحديث عنه صحت نسبته إلى مؤلفه أو تواترت، والبحث في سند الحديث الذي روي به في ذلك الكتاب وخلوه من الغلط والتحريف والدخيل. وسبيل معرفة الثالث أن تقابل نسخة من الكتاب الذي يراد الأخذ عنه بنسخ أخرى منه مختلفة في الرواية إن كان ثم اختلاف فيها أو بنسخ متعددة منه إن لم يكن اختلاف في الرواية، فإذ ذاك يطمئن القلب إلى تلك النسخة وتتبين منه درجة صحتها وخلوها من العيوب فيقوم ذلك مقام تعدد الرواة اهـ. مفتاح السنة (٢) للعلامة أبي عبد الله محمَّد عبد العزيز الخولي وسترى ملخصه في خاتمة المقصد.