أول الطبقات، وغاية الغايات، وسيد السادات عين الرحمة، وينبوع كل فضيلة وحكمة، الذي جاء بالآيات البينات المخصوص بالنبوة والرسالة المنتخب من خير عنصر وأطيب سلالة، سيدنا ومولانا أبو القاسم محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهو بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن معد بن عدنان، وفيما فوق ذلك خلاف كثير، وكره مالك رفع النسب إلى آدم ﵇. وأمه
[ ١ / ٦١ ]
السيدة الرضية آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب المذكور. ولد - ﷺ - بمكة يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول عام الفيل الذي قدم فيه ملك الحبشة بجيوشه لهدم الكعبة الموافق لعام ٥٢٠ هـ من ميلاد عيسى ﵇ فهو الرسول الكريم الذي تلقى الوحي والقرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل عن الروح الأمين عن رب العالمين ﷻ وتقدس كلامه. أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: أنزل على رسول الله - ﷺ - وهو ابن أربعين سنة فمكث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشر سنين ثم توفي - ﷺ - وهو ابن ثلاث وستين سنة وتلقى أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ما جاء به بالمسرة والإجلال والمبرة وأيدوه وعزروه ونصروه من بين يديه ومن خلفه واتبعوا النور الذي أنزل عليه ولما حصل التبليغ وهو المقصود من بعثته بقوله وفعله وإظهار الدين على الدين كله أنزل عليه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قال المفسرون: نزلت هاته الآية يوم الجمعة بعد العصر يوم عرفة والنبي - ﷺ - واقف بعرفات على ناقته القصواء فكاد عضد الناقة تندق وبركت لثقل الوحي وذلك في حجة الوداع سنة عشر للهجرة أخرج ابن أبي شيبة عن عنترة أن عمر ﵁ لما نزلت هاته الآية بكى، فقال النبي - ﷺ - ما يبكيك يا عمر؟ فقال: أبكاني أنا كنا من زيادة في ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص، قال: صدقت فكانت هذه الآية نعي رسول الله - ﷺ - عاش بعدها واحدًا وثمانين يومًا ومضى روحي فداه إلى الرفيق الأعلى - ﷺ - يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأنور، وقيل لاثنتي عشرة ليلة. قال الخازن في تفسيره وهو الأصح سنة إحدى عشرة من الهجرة فمجموع عمره - ﷺ - ثلاث وستون سنة على الصحيح وماذا أقول وآي القرآن مفصحة عن علاه بما يبهر العقول ومصرحة من كل صفاته بما لا يستطاع إليه الوصول ففضله أشهر من أن يذكر ويبين فهو حجة الله في الأرض ومصطفاه من البشر المخصوص بمنزلة النبوة وآدم بين الماء والطين ولله در ابن الخطيب إذ يقول:
[ ١ / ٦٢ ]
يا مصطفى من قبل نشأة آدم والكون لم يفتح له أغلاق
أيروم مخلوق ثناءك بعد ما أثنى على أخلاقك الخلاف
ولما توفي - ﷺ - كان الخليفة بعده أفضل الصحابة وأسبقهم في الصحبة باتفاق أهل السنة الصاحب في الغار وفي السر والجهار سيدنا أبو بكر الصديق ﵁ واسمه عبد الله بن أبي قحافة واسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة يجتمع مع النبي - ﷺ - في مرة بويع له بالخلافة يوم الثلاثاء وهو اليوم الثاني من وفاته - ﷺ - وقام بها أحسن قيام إلى أن توفاه الله تعالى يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الثانية سنة ١٣هـ وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وعمره ثلاث وستون سنة وقام بالخلافة أفضل الفضلاء، وأعلم العلماء، بعد سيدنا أبي بكر ﵁ الخليفة الثاني أمير المؤمنين سيدنا أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁ ابن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي يجتمع مع النبي - ﷺ - في كعب توفي شهيدًا يوم السبت منسلخ ذي الحجة سنة ٢٣ هـ ودفن هلال محرم وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وقام بالخلافة أفضل الفضلاء وأعلم العلماء بعد سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الثالث أمير المؤمنين أبو عمرو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يجتمع مع النبي - ﷺ - في عبد مناف توفي شهيدًا لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة ٣٥ هـ وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يومًا وقام بالخلافة أفضل الفضلاء وأعلم الشرفاء والعلماء بعد سيدنا عثمان ﵁ الخليفة الرابع أمير المؤمنين سيدنا أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب جد النبي - ﷺ - بويع له بالخلافة يوم
[ ١ / ٦٣ ]
وفاة عثمان ومات شهيدًا صبيحة يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ٤٠ هـ ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.
وتوفي - ﷺ - عن تسع نسوة وهن أزواجه أمهات المؤمنين في الاحترام والتحريم واستحقاق المبرة والتكريم وهن: السيدة سودة بنت زمعة القرشية العامرية المتوفاة في خلافة عمر ﵃ ويقال توفيت سنة ٥٤هـ. السيدة عائشة بنت سيدنا أبي بكر لم يتزوج بكرًا غيرها أفقه النساء على الإطلاق وكانت أحب نسائه إليه بعد خديجة ﵃ توفيت في رمضان سنة سبع أو ثمان وخمسين. السيدة حفصة بنت سيدنا عمر بن الخطاب ﵄ توفيت سنة ٤٥ هـ. السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية المتوفاة سنة ٦١ هـ. السيدة زينب بنت جحش الأسدية أسد خزيمة المتوفاة سنة ٢٠ هـ. السيدة جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية المتوفاة سنة ٥٦ هـ. السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب القرشية الأموية المتوفاة سنة ٤٤هـ. السيدة صفية بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية النضرية من سبط هارون ﵇ توفيت سنة خمسين أو اثنتين وخمسين. السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية
[ ١ / ٦٤ ]
العامرية المتوفاة سنة إحدى وخمسين أو إحدى وستين ﵅ هذا على الأشهر في الترتيب والوفيات. قال الإِمام القسطلاني في المواهب: وقد ذكر أسماءهن الحافظ أبو الحسن بن فضل المقدسي نظمًا فقال:
توفي رسول الله عن تسع نسوة إليهن تعزى المكرمات وتنسب
فعائشة ميمونة وصفية وحفصة تتلوهن هندوزينب
جويرية مع رملة ثم سودة ثلاث وست ذكرهن مهذب
ودخل - ﷺ - بإحدى عشرة بلا خلاف التسع المذكورات والسيدة زينب بنت خزيمة الهلالية ماتت في حياته - ﷺ - والسيدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وفيه تجتمع مع رسول الله - ﷺ - تزوجها قبل النبوة بعد أبي هالة التيمي وولدت له هندًا وبعد عتيق المخزومي وهي ابنة أربعين سنة وستة أشهر وسن رسول الله - ﷺ - خمس وعشرون سنة على أحد الأقوال كانت فاضلة عاقلة ذات مال قيل هي أول من أسلم بعث رسول الله - ﷺ - في يوم الاثنين فأسلمت ذلك اليوم وكانت عونًا على حاله كله تثبته على أمره وتصبره على ما يلقى من أذى قومه وكان - ﷺ - يحبها ويقول "رزقت حبها" ولم يتزوج عليها حتى ماتت قبل الهجرة بسبع سنين وقيل بخمس وقيل بأربع وقيل بثلاث وهو أصح وأشهر وتوفيت هي وأبو طالب في سنة واحدة والأصح أنها أفضل أزواجه. وأجمع أهل النقل على أنها ولدت له أربع بنات كلهن أدركن الإسلام وهاجرن زينب وفاطمة ورقية وأم كلثوم وأجمعوا على أنها ولدت له ولدًا وسماه القاسم وبه كان يكنى واختلف هل ولدت له ذكرًا غيره؟ فقيل لم تلد غيره وقيل ولدت ثلاثة: عبد الله والطيب والطاهر ويقال الثلاثة أسماء لولد واحد على الصحيح والخلاف في ذلك كثير ومات القاسم
[ ١ / ٦٥ ]
بمكة صغيرًا ولم يكن له - ﷺ - من غير خديجة إلا إبراهيم ولدته مارية القبطية سريته بالمدينة وبها توفي وهو رضيع فالذكور ماتوا صغارًا قال الحافظ العراقي في باب ذكر أولاده - ﷺ -:
كان له ثلاثة بنون القاسم الذي به يكنون
بمكة قبل النبوة ولد والطيب الطاهر وهو واحد
هذا الصحيح واسمه عبد الله وقيل بل هذان اثنان سواه
والثالث إبراهيم بالمدينة عاش بها عامًا ونصف السنة
وقيل مع نقصان شهر وقضى سنة عشرفرطًا له مضى
وأما الإناث فتزوجهن كلهن فأما زينب فتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف فولدت له عليًا وأمامة وأمية وأما رقية فتزوجها سيدنا عثمان ﵄ فولدت له عبد الله ثم ماتت فزوجه رسول الله - ﷺ - أختها أم كلثوم فلم تلد وماتت البنات الثلاث في حياة رسول الله - ﷺ - ولم تعقب واحدة منهن أما فاطمة فتزوجها سيدنا علي بن أبي طالب فولدت له الحسن والحسين ومحسنًا وأم كلثوم وزينب ورقية وأعقب - ﷺ - منها وتوفيت بعده بستة أشهر على أحد الأقوال وهي بنت ثلاثين سنة رضوان الله عليهم أجمعين وما ذكرته نقطة من بحر وقد ألف في مناقبهم أصحاب السير وغيرهم التآليف الكثيرة كالمواهب اللدنية وغيرها:
حب آل النبي خالط قلبي فاعذروني في حبهم اعذروني
أنا والله مغرم بهواهم عللوني بذكرهم عللوني
وسترى ما يشرح الصدور في شأن صاحب الرسالة - ﷺ - والخلفاء الراشدين وكثير من أعيان الصحابة في أوائل التتمة.