اعلم أن ما جاء في الشريعة المطهرة الفخيمة لا يخرج عن الرخصة والعزيمة. وقد أتى على تحرير ذلك بأبين بيان وأفصح عبارة، وألطف إشارة، العارف الشعراني في أوائل كتابه (كشف الغمة عن جميع الأمة) وإليك ما حرره، ﵀ وفي الملأ الأعلى ذكره. قال: الشريعة كالشجرة العظيمة المنتشرة، وأقوال علمائها
[ ١ / ٥٥ ]
كالفروع والأغصان. وكل مَن شهد تناقضًا في أخبارها أو خطأ في أقوال علمائها فإنما هو لقصوره عن درجة العرفان. فإن الشريعة قد جاءت على مرتبتين تخفيف وتشديد ولكل منهما رجال لا على مرتبة واحدة كما سيأتي في الميزان. ومن عسر عليه الجمع بين حديثين منها أو قولين من أقوال علمائها فليجعل المائل إلى الاحتياط منهما في مرتبة الأولوية والمائل إلى الرخصة في مرتبة خلاف الأولى يطلع على ما قلناه من أعطي الفرقان. ثم أتى على الميزان المشار إليها فقال: بيان ميزان نفيسة، يشرف الإنسان بها على تقرير جميع أدلة الشريعة، وما انبنى عليها من أقوال المجتهدين إلى يوم الدين. وذلك أن تعلم يا أخي أن الشريعة المطهرة جاءت عامة وليس مذهب بها أولى من مذهب، مَن ادعى تخصيصها بما ذهب إليه إمامه من المقلدين فقد أتى بابًا من الكبائر، وخطأ الأئمة أو ضعف أدلتهم بالرد تارة وبالقول بالنسخ تارة وبجرح الرواة لها تارة نسأل الله العافية. ولا تخرج يا أخي من هذه الورطة إلا أن تقول بصحة كل حديث أو أثر استدل به إمام من الأئمة لمذهبه كائنًا ذلك الإِمام من كان، فإنه لولا ما صح عنده ما استدل به وكفانا صحة ذلك الحديث أو الأثر استدلال مجتهديه ولا يقدح فيه تجريح غيره من المحدثين المجتهدين من طريق روايتهم فإذا تقرر عندك أدلة الشريعة كلها على هذا الطريق ثم خفت تعارضها رجعها كلها إلى مرتبتين عزيمة ورخصة يرتفع التعارض والخلاف عندك من الشريعة إن شاء الله تعالى، لأن الشريعة لا تخرج عن هاتين المرتبتين أبدًا. لأن الحديث إما أن يكون الحكم المحتوي عليه مائلًا إلى العزيمة والاحتياط وإما أن يكون مائلًا إلى الرخصة والتخفيف عن ضعفاء الأمة ولكل من المرتبتين رجال في حال مباشرة الأعمال فمن قوي منهم خوطب بالتشديد وحكم عليه به في الحقوق ونحوها، ومن ضعف منهم خوطب بالرخصة فلا يكلف الضعيف بالصعود لمرتبة الأقوياء ولا يؤمر القوي بالنزول لمرتبة الضعفاء، سواء كان ذلك المأمور به مندوبًا أو واجبًا ويوضح لك ذلك في أقوال المذاهب أن تجعل كل ما شرطه مجتهد بطريق الاستنباط في مرتبة الأولوية والاحتياط وتجعل مقابله من كلام المجتهد الآخر في مرتبة خلاف الأولى لا غير مع القول بصحة القولين وموافقتهما للشريعة وذلك كاشتراط النية في الطهارة واشتراط الطهارة بالماء الذي لم يستعمل ووجوب التسمية على الوضوء ووجوب المضمضة والاسثنشاق ووجوب الترتيب والموالاة وكنقض الوضوء بلمس المرأة ولو محرمًا ومس الذكر وبخروج الدم والقيء والقهقهة وكقراءة الفاتحة
[ ١ / ٥٦ ]
بخصوصها في الصلاة دون غيرها ووجوب الاعتدال والسجود على السبعة أعضاء وغير ذلك من سائر الأبواب فامتحن بهذا الميزان جميع الآيات والآثار والأخبار وما انبنى على ذلك من أقوال المجتهدين والمقلدين لهم إلى يوم الدين في سائر أبواب العبادات والمعاملات والمناكحات والحدود والجنايات والدعوى والبينات تجد كل دليل أو قول لا يخرج عن هاتين المرتبتين كما مر فما دخل الخلاف والنزاع بين أهل المذاهب ومقلديهم إلا من شهودهم أن الشريعة إنما جاءت على مرتبة واحدة وأن المصيب واحد في نفس الأمر من أصحاب تلك الأئمة أو الأقوال والباقي مخطئ وربما استدلوا على وقوع الخطأ بحديث "من اجتهد وأخطأ فله أجر" وهو لا يصلح دليلًا لأن المراد أخطأ الحديث الوارد عني بعد التتبع فلم يجده لا أنه أخطأ في عين الفهم إذ لو صحّ خطأه في عين الفهم لخرج عن الشريعة وإذا خرج فلا أجر فافهم فالحق الذي نعتقده أن الشريعة جاءت على مرتبتين كما قررنا ولو كانت جاءت على مرتبة واحدة إما تخفيف فقط أو تشديد فقط لكانت عذابًا في قسم التشديد ولم يظهر للدين شعار في قسم التخفيف والتسهيل وقد جاءت بحمد الله رحمة للخلق وإظهارًا لشعار الدين ثم قال: فمَن دخل لفهم الشريعة من باب هذا الميزان ارتفع الخلاف عنده من الشريعة جملة ورأى جميع علماء الشريعة في بحرها يسبحون لاستمدادهم كلهم من عين الشريعة وقرر جميع أدلة المجتهدين وأقوالهم ولم يجد شيئًا من أداتهم ولا أقوالهم خارجًا عن الشريعة المطهرة وعلم أن مجموع المذاهب هي بعينها الشريعة ومن لم يدخل لفهم الشريعة من هذا الباب نقض علمه بالشريعة وفاته خير كثير لأن كل حديث لم يأخذ به إمامه يترك العمل به والمذهب الواحد بلا شك لا يحتوي على كل أحاديث الشريعة إلا إن قال صاحبه إذا صح الحديث فهو مذهبي فيدخل في مذهبه كل حديث استدل به مجتهد من المجتهدين وقد ثبت عن الشافعي ذلك وهذا مشرب ما رأيته لأحد من العلماء إلى وقتي هذا وقد أخبرني الهاتف ﵇ أن هذا الميزان لم يظفر به أحد من التابعين ولا أحد من الأئمة المجتهدين بدليل ما نقل عن التابعين من الخلاف وما نصبه المجتهدون بينهم من المناظرات وردهم لأقوال بعضهم بعضًا بالحجج التي قامت عندهم ولو علموا هذا الميزان لم يقع بينهم خلاف لحمل كل واحد منهم كلام صاحبه على مرتبة من إحدى مرتبتي الشريعة اهـ ببعض اختصار.
[ ١ / ٥٧ ]