قال أصحاب المناقب: ينبغي لكل مقلد إمام أن يعرف حال إمامه الذي قلده ولا يحصل ذلك إلا بمعرفة مناقبه وشمائله وفضائله وسيرته في أحواله وصحة أقواله ثم إنه لا بد من معرفة اسمه وكنيته ونسبه وعصره وبلده ثم معرفة أصحابه وتلامذته إذا علمت ذلك فأقول إني مقلد مذهب مالك وهو الأستاذ الذي منه أنوار المعارف والفوائد تقتبس ونفائس الفرائد تلتمس.
٤٦ - أبو عبد الله مالك بن أنس، بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي: جده أبو عامر صحابي جليل ﵁ شهد المغازي كلها مع النبي - ﷺ - خلا بدرًا.
كان ﵁ إمام دار الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية الوارث لحديث الرسول الناشر في أمته الأحكام والفصول العالم الذي انتشر
[ ١ / ٨٠ ]
علمه في الأمصار واشتهر فضله في الأقطار ضربت له أكباد الإبل وارتحل الناس إليه من كل فج. قال الإِمام الشافعي ﵁: مالك أستاذي وعنه أخذت العلم وجعلت مالكًا بيني وبين الله حجة وإذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته وقال: ما على الأرض كتاب أقرب إلى القرآن من كتاب مالك بن أنس الموطأ وهو بصفة المفعول المشدد الطاء المهملة المهموز سمي به لما فيه من أحاديث الأحكام الممهدة للشريعة. وقال بعضهم: إنما سمى كتابه الموطأ لأنه عرضه على بضعة عشر تابعيًا وكلهم واطئوه على صحته وقد جرب أن الحامل إذا مسكته وضعت حملها. وقال أبو زرعة: لو حلف رجل بالطلاق على أن أحاديث مالك التي في الموطأ صحاح لم يحنث ولما ألف الموطأ اتهم نفسه بالإخلاص فيه فألقاه في الماء وقال: إن ابتل فلا حاجة لي به فلم يبتل منه شيء. وقال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: الموطأ هو الأصل الأول واللباب والبخاري الأصل الثاني في هذا الباب وعليهما بني الجميع كمسلم والترمذي. وروى أبو نعيم في الحلية عن مالك بن أنس أنه قال: شاورني هارون الرشيد أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه فقلت: لا تفعل فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلاد وكل مصيب. فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله. وروى ابن سعد في الطبقات عن مالك قال: لما حج المنصور قال: عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها أن تنسخ ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منه نسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوا إلى غيرها. فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ودانوا به فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. وقال القاضي عياض: لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بالموطأ، وعد نحو ستين رجلًا اعتنوا به اعتناء فوق ما يقال وكان يقول في فتواه ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وكان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على فراشه وسرّح لحيته وتمكن من جلوسه بوقار وهيبة ثم حدث فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله - ﷺ - ولا أحدث به إلا متمكنًا من طهارة وكان يقام بين يديه الرجل كما يقام بين يدي الأمراء؛ وكان مهابًا جدًا إذا أجاب في مسألة لا يمكن أن يقال له من أين، وكان الثوري إذا جلس بين يدي مالك ونظر إلى إجلال الناس له وإجلال مالك للعلم أنشد:
يأبى الجواب فلا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو المطاع وليس ذا سلطان
[ ١ / ٨١ ]
وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه ويقول: لا أركب في مدينة فيها جسد رسول الله - ﷺ -، قيل له: كيف أصبحت؟ قال: في عمر ينقص وذنوب تزيد.
ألّف تآليف كثيرة غير الموطأ منها رسالة في القدر وكتابه في النجوم وحساب مدار الزمان ومنازل القمر ورسالته في الأقضية عشرة أجزاء ورسالته إلى محمَّد بن المطرف في الفتوى مشهورة ورسالته المشهورة إلى هارون الرشيد في الأدب والمواعظ، وروى عنه ﵁ أنه قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فقد أدركت سبعين ممن يقول قال فلان قال رسول الله - ﷺ - عند هذا الأساطين وأشار إلى أساطين مسجد رسول الله - ﷺ - فما أخذت عنهم شيئًا وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت مال لكان أمينًا لم يكونوا من هذا الشأن ويقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم على بابه.
أخذ على أكثر من تسعمائة شيخ منهم أبو بكر محمَّد بن شهاب الزهري وأبو عثمان ربيعة وإسحاق بن عبد الله والعلاء بن عبد الرحمن وحميد الطويل وأبو عبد الله محمَّد الثقفي وأبو عثمان عمر بن ميسرة وأبو الزبير المكي وأبو عبد الله محمَّد بن المنكدر وزيد بن أسلم ووهب بن كيسان وأبو عبد الله نافع وأبو عبد الرحمن بن دينار وسلمة بن دينار وأبو سعيد المقبري وأبو نعيم المجمر واقتصرنا على ذكر مشايخه المذكورين بالطبقة الثالثة ومشايخ مشايخه المذكورين بالطبقة قبلها لأنهم المروي لهم ثنائيات الموطأ. وصحب جعفر الصادق وروى عنه وهو عن أبيه محمَّد وهو عن أبيه زين العابدين وهو عن أبيه الحسين وهو عن أبيه وجده - ﷺ - وعليهم أجمعين.
انتصب لتدريس العلم وهو ابن سبع عشرة سنة واحتاج إليه شيوخه، وروى عنه الكثير ممن تقدمه أو عاصره أو تأخر عنه مع كثرة الرحلة إليه والاعتماد في وقته عليه والرواة عنه كثيرون جدًا بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته ألف الخطيب كتابًا فيهم وذكر القاضي عياض أنه ألف في المشاهير منهم كتابًا ذكر فيه نيفًا على الألف والثلاثمائة وعد في مداركه نيفًا على الألف وقال: إنما ذكرت المشاهير وتعرض لذكر كثير ممن روى عنهم من شيوخه من التابعين ومنهم أبو حنيفة فقد ذكر غير واحد أنه لقي مالكًا وأخذ عنه شيئًا من الأحاديث وذكر الجلال السيوطي في كتابه تزيين الممالك بترجمة الإِمام مالك أن رواية أبي حنيفة عن مالك ذكرها جماعة من المتقدمين والمتأخرين فمن المتقدمين الدارقطني في كتابه وابن حجر والبزار في مسند أبي حنيفة والخطيب البغدادي في كتب الرواة عن مالك وذكرها من المتأخرين الحافظ مغلطاي وسراج الدين البلقيني. قال الزركشي في نكته: صنف الدارقطني
[ ١ / ٨٢ ]
جزءًا في الأحاديث التي رواها أبو حنيفة عن مالك قال: وقال الحنفية: أجل من روى عن مالك أبو حنيفة وقال ابن الأثير: كفى مالكًا شرفًا أن الشافعي تلميذه وكفى الشافعي شرفًا أن مالكًا شيخه، وقال الأمير في ثبته: رواية أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة. ولنقتصر على ذكر بعض الأعلام أئمة الإِسلام الآخذين عنه المترجم لهم في الطبقة الآتية وهم: عبد الله بن المبارك وثوبان المعروف بذي النون وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج والدراوردي ونافع الأصغر والوليد بن مسلم وسعيد بن كثير وعبد الحميد بن أبي أويس وأخوه إسماعيل ويحيى بن يحيى التميمي وسليمان بن بلال وعبد الرحمن بن مهدي والمغيرة بن عبد الرحمن ومحمد بن دينار والقعنبي وأحمد بن زرارة ومحمد بن سلمة ومطرف بن سليمان وعبد الملك بن الماجشون وعبد الله بن نافع الصائغ ومعن القزاز وعبد الله بن فروخ وعنبسة والبهلول بن راشد وصقلاب بن زياد وعبد الله بن أبي حسان وعبد الله بن غانم وعلي بن زياد وأسد بن الفرات وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن وهب وأشهب بن عبد العزيز وهارون بن عبد الله الزهري وعبد الله بن عبد الحكم وزياد المعروف بشبطون ويحيى بن يحيى القرطبي وغازي بن خليل ومحمد بن شرحبيل وقد تقدم ذكره في المقدمة ويأتي ذكره في التتمة وبالجملة فالثناء عليه كثير وفضله شهير أفرد ترجمته جماعة من المتقدمين والمتأخرين بالتأليف. ولد على الأشهر سنة ٩٣ هـ وتوفي بالمدينة المنورة سنة ١٧٩ هـ.