تلاميذه يأتون إليه من قسنطينة نفسها ومن خارجها. وكثيرا ما يذكر وطن التلميذ أو طالب العلم عموما وبعض طلاب العلم جاؤوه من بلاد إسلامية أخرى. وكان الطلاب أحيانا يأتون لإقامة قصيرة وأحيانا لإقامة طويلة. وفيهم من كان ينزل عنده ويتعهده بالمؤونة أيضا، ومنهم من كان ينزل المدينة على حسابه أو في زوايا ومحلات أخرى. ونعرف من أخبار الفكون أن بعض أصحابه كان يقوم بالتخفيف عنه في ذلك فيمحل بعض الطلبة للسكنى عنده.
حدث ذلك عندما ذكر الفكون أن أحمد بن ثلجون أخذ منه ثلاثة من الطلبة تخفيفا عليه، ولكن الفكون هو الذي وفر لهم المؤونة.
ولكن تلاميذ الفكون لم يكونوا في مستوى واحد، فمنهم من نبغ وعلا شأنه وأصبح علما من أعلام العصر كالثعالبي والعياشي والشاوي، ومنهم من بقي خاملا لم يخرج علمه عن دائرته الضيقة، ومنهم أيضا من لم يسمع له صوت بعد قراءته عليه. وكان هو يتفرس التلاميذ ويعرف منهم النجيب الذكي والبليد الغبي وكان يسر بالنوع الأول ويحكم حكما قاسيا على النوع الثاني وهو يخبر فيما بعد أن فراسته قد صدقت في كليهما.
وسنحاول ذكر بعضهم بالطريقة التالية مع ذكر الأخبار الممكنة عن كل منهم:
١ - أبو مهدي عيسى الثعالبي: ويبدو أن تلمذة الثعالبي عليه كانت بعد كتابة تأليفه (منشور الهداية) إذ لا نجد له فيه ذكرا.
ويبدو كذلك أن الثعالبي قد درس على الفكون قبل رحيله (أي الثعالبي) نهائيا من الجزائر (سنة ١٠٦١). وأخيرا يظهر أن الثعالبي
[ ٩٠ ]
قد درس على الفكون في قسنطينة وليس في غيرها. ولكن من المحتمل أن يكون قد واصل عليه ذلك أثناء تردد الفكون على مصر والحجاز للحج. وفي الحجاز كانت إقامة الثعالبي الطويلة، كما نعرف من سيرته (١) ومهما كان الأمر فإن الثعالبي هو أشهر تلاميذ الفكون وأبعدهم صيتا. وقد ترك الثعالبي مروياته عن الفكون في كتاب له سماه (كنز الرواة) (٢) قرأ عليه الثعالبي بعض كتاب الموطأ للإمام مالك، والصحيحين (البخاري ومسلم) والسنن الأربع (سنن أبي داود، بالنسائي والترمذي وابن ماجة)، وطرفا من الأحكام الصغرى لعبد الحق الإشبيلي، والشفاء للقاضي عياض، والشهاب للقضاعي، وبعضا من رباعيات أبي عوانة، ومن نظم أصول السلمي لزروق، وأجاز له باقي جميع الكتب المذكورة. كما قرأ عليه كتبا أخرى مثل (غنيمة الوافد) لعبد الرحمن الثعالبي. ومن جهة أخرى عرض الثعالبي على الفكون الوظيفة الزروقية وحزب البحر لأبي الحسن الشاذلي. ولقنه الذكر وهو كلمة الإخلاص وألبسه الخرق الصوفية. وسنتحدث عن تصوف الفكون فيما بعد.