الحمد لله الذي شرف من عباده من قيض له وازعا يكفيه عما حرمه، وأهلهم لحلول بره ولطفه عندما تحلوا بطاعته وشكروا
[ ١٩٢ ]
نعمه، هم القوم لا يشقى جليسهم، ولا يستوحش أنيسهم، فما أسعد قربهم وما أعظمه، أحمده حمد من علم أنه الله الذي لا إله إلا هو يستعطف بها فضله ويدفع نقمه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ما وارحمه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم أنال فيه ثوابه وكرمه.
أما بعد، فقد دهمت بلية وقعت في البلاد، وسرى سمها في الحاضر والباد. وانتحلت مذهبا في الأقطار، وتوارثته عن سفلتها الأشرار، وتدرع لارتكابها بأكابر الأغمار، لما توهموا الإباحة إنها لا تعمى الأبصار؛ ولم يزل في قلبي منها نكد، وأشهر الإنكار على الأب والولد، فكأني أصيح في فيفا. وأنادي ذوية قفراء:
لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تناد
اتخذ القول مني هزؤا ولعبا، ورميت عن قوس البعاد من واصل أو صحبا، فأمسكت عنان المقال، وناديت في الضمير: يا لله والآل. ولم أزل بين نكد البال وكف اللسان أروم إبداء ما في الجنان، ببستان البنان. ثم أقول لست من فرسان هذا الشأن، إلى أن حرك مني الباعث أجوبة لبعض أهل الزمان، ممن لا يراقب مولاه، ولا يبالى بما اكتسبته يداه، بإباحة شربه وتناوله، والتنكيت على منكره وعاذله، فلهج به من هو على شاكلته، وأذاعه بناحيته وغير ناحيته، وما درا (كذا) أنه ممن ضل وضل، وغشي وأعل، على أنه وأمثاله ممن أخبر به الصادق المصدوق بوجوده آخر الأزمان، حين انقراض العلم وخراب الأوطان، فغرى مني ما أجد من ألم المصاب؛ وقلت إن لم أرمهم بشهاب
[ ١٩٣ ]
المعروف لم آمن من المولى العتاب، وما علي بعده من جاهل غمر، أومن حاسد حبر.
فبينما أنا في مجاري الأقدار، نابذا حلة الأحجار، متعرضا لأوان الكلام من فراغ البال، واستواء الحال، اطلعت على جواب في القضيه لبعض أهل مصر وغيرهم من العلماء، والصلحاء النخباء، فتأنست النفس بعد استيحاشها وانبسطت بعد انكماشها، واستعنت بالله على تبيين الحق في المسألة. وتوضيح الصواب في هذه المعضلة، بعد إيراد الأجوبة (١) له نظما ونثرا، وتتبعي في الجواب الأول منها سطرا سطرا. وبعد الفراغ إن شاء الله أذيله بما عليه أحوال أبناء الزمان، وأذكر من مساويهم ما هو في غاية النصح للإخوان، ولذا سميته (بمحدد السنان في نحور إخوان الدخان) (*).