رغم حملة الفكون على من (ادعى العلم والولاية) في عصره فإن الحياة العلمية بقسنطينة كانت بخير وهناك عدة مؤشرات تدل على ذلك. فقد كان لدى قسنطينة رصيد قوي من الثقافة ورثته عن العهد الحفصي وعرفه القرن التاسع الهجري (١٥ / م) (٢).
_________________
(١) الفكون (محدد السنان) مخطوط ١٦ - ١٧.
(٢) عن الحياة العلمية في قسنطينة في القرن التاسع الهجري انظر مؤلفات محمد الفراوسني الزواوي الذي درس هناك على شيخه سعيد الصفراوي. وكذلك مؤلفات أحمد القنفذ وخصوصا (الفارسية في مبادىء الدولة الحفصية).
[ ٢٨ ]
وعرف إقليم قسنطينة في القرن الموالي نشاطا واضحا في الحياة الثقافية لم تؤثر فيه كثير من الأحداث السياسية التي عرفتها المنطقة. فقد انتشرت الزوايا، بعضها تحت رعاية الطرق الصوفية في الأرياف وبعضها تحت رعاية العائلات الكبيرة في المدينة. وكانت هناك بعض المدارس المخصصة لنشر العلم، كما كان هناك جامع الزيتونة القريب والذي كان الطلبة يقصدونه بقطع النظر عن التحولات السياسية. صحيح أن الحياة العلمية لم تكن مزدهرة وأن العلماء كانوا يكتفون بالقليل من العلم لتولي المناصب الشرعية، وصحيح أن الدراويش قد كثروا ودجاجلة التصوف قد تعددوا وبذلك تكون حملة الفكون عليهم ليست مبالغة ولا ادعاء. وإنما كان يصف واقعا أخذ يتضخم تدريجيا ويهدد الحياة العقلية في البلاد بأسرها، ومن ثمة يهدد وجود الإسلام نفسه ولغته العربية.
فإذا عدنا إلى القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وجدنا الشرق الجزائري قد عرف شخصيات علمية متميزة. من بينها عمر الوزان ويححيى الفكون بمدينة قسنطينة وعبد الرحمان الأخضري من الزيبان. وقد أخرج هؤلاء الرجال مجموعة من التلاميذ البارزين منهم من قاد العلم فيما يأتي من الأيام ومنهم من جمع بين العلم والتصوف، بل منهم من تزعم ثورات هددت النظام العثماني في قسنطينة مثل يحيى الأوراسي. وقد سبق لنا أن ترجمنا للشيخ عمر الوزان فلا حاجة إلى تكرار ذلك هنا (١)
_________________
(١) انظر ترجمته في كتابنا (تاريخ الجزائر الثقافي) ج ١/ ٣٨٧، ط ٢ (١٩٨٥).
[ ٢٩ ]
ونود أن نلاحظ أن الوزان كان من العلماء الزهاد أيضا، وكان متفرغا للتدريس وإخراج التلاميذ. ومن أجل ذلك رفض وظيفة القضاء التي عرضت عليه من قبل العثمانيين سنة ٩٤٨ معتذرا بعدم أهليته وباضطراب الأحوال بقسنطينة، ولعمر الوزان أيضا مؤلفات منها واحد في الرد على زعم الطائفة الشابية، عرفة القيرواني الذي ثار على الأمير الحفصي ومن تلاميذ الوزان عبد الكريم الفكون، جد من نترجم له والذي لعب دورا سياسيا ودينيا خلال القرن العاشر، وكذلك يحيى الأوراسي الذي انتصب للتدريس أيضا ثم اعتصم بجبال أوراس وأعلن الثورة على حكومة العثمانيين بقسنطينة، وبعد مقتله تولى الثورة أخوه ثم ابنه كما سبق وأن ذكرنا. أما يحيى الفكون فقد كان إماما بجامع الزيتونة بتونس عندما هاجمها الإسبان واستولوا عليها ودنسوا حرمة الجامع المذكور وكان يحيى الفكون من ضحاياهم إذ قتله الجنود الإسبان بجامع الزيتونة سنة ١٥٢٨/ ٩٣٥ (١).
وكان مصير عبد الرحمان الأخضري يختلف عن ذلك. فقد كان أبرز من أنجبت الجزائر خلال هذا القرن ومن أخصبهم إنتاجا ومن أوسعهم شهرة في ميدان التأليف والتأثير في العالم الإسلامي، ذلك أن كتب الأخضري في المنطق والفرائض والبيان والمعاني والفلك والحساب كانت هي الكتب المقررة على الطلاب في الجامعات الإسلامية فترة طويلة، وما تزال، وقد كثر
_________________
(١) يذكر الفكون أن يحيى هذا قد توفي مجاهدا في تونس في واقعة سنة ١٥٣٤/ ٩٤١ م.
[ ٣٠ ]
شراحها وطابعوها وناشروها وناسخوها ومترجموها أيضا. وقد عاش الأخضري في قرية بنطيوس وتثقف على والده، ولعله قرأ على الشيخ الوزان، ولعله أيضا ذهب إلى الزيتونة بتونس. غير أن الشيخ الأخضري قد تلقى بعض العلم ومبادىء الطريقة الزروقية على الشيخ محمد بن علي الخروبي وكان الأخضري يتردد على مناطق الهضاب العليا في الصيف طلبا للابتراد والراحة حتى إن الوفاة قد أدركته على ما قيل، في أحد الأصياف وهو في كجال (١) ومهما كان الأمر فإن أثر الوزان والأخضري سيظهر في إنتاج الفكون الحفيد الذي نترجم له إذ أنه ترجم وأعجب كثيرا بالوزان وأشاد بالأخضري وشرح بعض كتبه، بل تأثر بمذهبه الصوفي الذي يبدو أنه هو الطريقة الزروقية.
وقد ذكر لنا الفكون مجموعة من أعلام القرن العاشر الهجري تصدروا جميعا للتدريس والفتيا والقضاء وذكر لهم تآليف وأشعارا وخص بعضهم بالإشادة ومنهم:
عبد اللطيف المسبح الذي اشتهر بالحساب والفرائض رغم معرفته العميقة بالفقه.
ومحمد العطار المتوفى سنة ٩٤٣، وأحمد الغربي شارح رسالة عمر بن الخطاب وله غيره من المؤلفات.
وقاسم الفكون الذي تولى الإمامة بجامع البلاط بتونس ثم
_________________
(١) هناك اختلاف في تاريخ وفاة الأخضري ويغلب على الظن أنه سنة ٩٥٣ هـ (ويقول بعضهم أن الأخضري قد عاش إلى سنة ٩٨١). وكجال تقع بين قسنطينة وسطيف.
[ ٣١ ]
تولى القضاء بقسنطينة وتوفي في سنة ٩٦٥. ولقاسم الفكون تقاييد على توضيح ابن هشام.
ومحمد الكماد الذي كان من تلاميذ الوزان وله صلة قرابة به وقد تولى القضاء بقسنطينة أيضا، ويسميه الفكون قاضي الجماعة وكانت له فتاوى، وكان خطيبا فصيحا وينظم الشعر.
وعبد الكريم الفكون (الجد) الذي كان من تلاميذ الوزان. والذي ظهر في أحداث قسنطينة سنة ٩٧٥ حيث ثار أهل مدينة قسنطينة على واليها وخلعوا البيعة للعثمانيين وكان الفكون (الجد) من المعتنين بالتدريس ولا سيما تدريس البلاغة وامتاز بتجويد تدريس البلاغة كما امتاز بتجويد الخطابة وتوفي سنة ٩٨٨.
وقد تحدث الفكون أيضا عن آل باديس فقال عن جملتهم (وناهيك بهم من دار صلاح وعلم وعمل، وكيف وصاحب السينية وشرح مختصر ابن هشام عما لصاحبهما من كمال المعرفة والفطنة. ويقال إنه اجتمع فيهم أربعون كلهم صاحب منصب، حازوا المناصب الشرعية ببلدهم والمخزنية) (١).
ومنهم أحمد (حميدة) بن باديس الذي يقول عنه الفكون أنه كان من أشراف قسنطينة وله الرياسة والقضاء والإمامة بجامع القصبة. وله شرح على مختصر ابن هشام وتوفي سنة ٩٦٩.
وهناك شخصيات أخرى لا جدوى من سرد أسمائها هنا، غير أننا نلاحظ أن هؤلاء العلماء ساهموا جميعا في الحياة العامة
_________________
(١) انظر (منشور الهداية)، مخطوط.
[ ٣٢ ]
بتولي القضاء والفتوى والتدريس والإمامة والخطابة والتأليف في بعض العلوم وكان بينهم في بعض الأحيان تنافس، وكانت صلتهم بالسلطة المحلية أحيانا تنتهي بامتحان عسير يفضي إلى السجن وأحيانا إلى الموت.
فإذا انتقلنا إلى القرن الحادي عشر الهجري وهو عصر الفكون الحفيد، وجدنا مجموعة أخرى من العلماء العاملين رغم أن نظرة الفكون إليهم لا ترقى إلى نظرته إلى من سبقوهم في أغلب الأحيان. ونلاحظ أن علماء هذا القرن كانوا قليلي التأليف بالمقارنة. وقلما نجد من بينهم شاعرا مفلقا أو خطيا مصقعا فهل هذا يعود إلى ضعف العارضة العلمية عندهم؟ قد يكون ذلك، ولكن الفكون الذي ذكر هذه النماذج كان ثائرا على أمثال هؤلاء لكونهم باعوا أنفسهم للسلطة وتنافسوا من أجل المناصب الشرعية لم يرعوا لها حرمة لأنهم غير أهل لها. فهل هذا مبالغة منه فقط؟ ربما يكون ذلك صحيحا لو وجدنا ما يخطيء الفكون فيما ذهب إليه. ذلك أننا بدراستنا للحياة الثقافية بقسنطينة ونواحيها لا نكاد نجد، فعلا سوى علماء بسطاء، إذا استثنيناه هو. فهذا مثلا بركات بن باديس وعاشور القسنطينى المعروف بالفكيرين ومحمد ساسي البوني وأمثالهم ليسوا من الفطاحل الذين يجعلوننا نخطيء الفكون. حقا إن القرن الحادي عشر لم يعرف بقسنطينة ونواحيها شاعرا عظيما واحدا ولا مؤلفا معروفا وإذن فإن دعوى الفكون وحملته على أدعياء العلم في عصره وثورته على الجهل قد تكون صحيحة.
ومهما كان الأمر فقد ذكر الفكون نماذج من العلماء تميزوا
[ ٣٣ ]
بخصال طيبة. وحاولوا أن يكونوا شموعا في وسط ذلك الجهل السائد. وعلى رأس هؤلاء شيخه محمد التواتي المغربي الذي كان قد درس بفاس ثم حل بقسنطينة في وقت لا نعلمه بالضبط، وتولى بها بعض الوظائف وانتصب للتدريس، وخصوصا تدريس النحو. وعلى يديه تخرج الفكون وقد توفي التواتي في باجة بتونس بالطاعون سنة ١٠٣١ بعد خروجه من قسنطينة مغضوبا عليه من السلطة. وكان التواتي شيخا لعدد من معاصري الفكون أيضا منهم محمد بن راشد الزواوي. وقائمة العلماء الذين ذكرهم الفكون طويلة ولكن ليس فيهم من ملأ عينه. ونحن نعرف أنه كانت لبركات بن باديس (الذي لم يذكره الفكون) مؤلفات مثل (نزع الجلباب) وهو من تلاميذ الفكون. ونعرف أيضا أن عاشور القسنطيني من تلاميذ الفكون كذلك كما ذكر هو ذلك بنفسه، وكان عاشور هذا قد تنقل بين قسنطينة وتلمسان وتونس والحجاز وغيرها، وانتصب للتدريس واهتم بالرحلة والتاريخ ولكنه لم يترك تأليفا على ما نعرف (١) أما محمد ساسي البوني فقد شن عليه الفكون حربا قوية لخلطه بين العلم والتخريف والتدجيل على العامة واستغلال بساطتها ونشر بدعة الحضرة والإنشاد والرقص بينها ولكننا نعرف من جهة أخرى أن للشيخ محمد ساسي البوني تآليف في التصوف وأن له رسائل وأشعارا تبادلها مع يوسف باشا، حاكم الجزائر في وقته (١٠٥٠) وأن له إبنا، هو أحمد بن محمد ساسي البوني، فاق والده شهرة وتأليفا، وهو الذي عاتب الفكون
_________________
(١) انظر عنه كتابنا تاريخ الجزائر الثقافي ٣٩٧/ ٢، ط ٢ (١٩٨٥).
[ ٣٤ ]
(بعد وفاته بمدة طويلة) على تعرضه لوالده (١).
وكما اشتهرت، قسنطينة ونواحيها بهذه الحياة العلمية التي مثلها رجال اشتهروا بالوظائف والتدريس والتأليف سواء في القرن العاشر أو الحادي عشر، اشتهرت أيضا بعدد من العلماء الزائرين والطلبة الراغبين في تحصيل العلم فيها. ولا سبيل إلى ذكر هؤلاء جميعا، لأن بعضهم كان عابر طريق، وبعضهم أقام مدة ثم رجع إلى بلاده ثم عاد إليها ثانية، وبعضهم استقر بها إلى أن أدركته الوفاة ونحن نجد في مؤلفات الفكون نفسه أسماء لهؤلاء العلماء والطلبة، بعضهم جاء من زواوة (والمقصود بها بجاية ونواحيها) وأسماؤهم كثيرة منهم محمد الفقيه الزواوي وابن راشد الذي سبق ذكره وأحمد بن تكفة، وعلي البهلول. وهناك من جاء من نواحي الجزائر ومن بني بترون وبني هارون، ومن جاء من نواحي الأوراس والزيبان، ومن جاء من نواحي عنابة إلخ. أما من المغاربة فنجد أسماء محمد السوسي المعروف في كتب أخرى باسم الشريف السوسي والذي كان ينظم الشعر ويدعي العلم، وقد ذهب إلى الجزائر لطلب الفتوى ولكن الوفاة أدركته قبل رجوعه إلى قسنطينة، وبينه وبين الفكون مراسلات ومساجلات شعرية، وكذلك أحمد الفاسي الذي قال عنه إنه تعاطى الكتابة لأحد أمراء العرب وهو يعني بهم العبابسة (قلعة بني عباس؟) ولكنه ذمه على اشتراكه في مجالس الخنا واللهو. وقد وصل به
_________________
(١) انظر كتابنا (تجارب في الأدب والرحلة) الجزائر ١٩٨٤ ففيه رساتل من البوني إلى يوسف باشا سنة ١٠٥٠.
[ ٣٥ ]
الأمر أن هجا الفكون. أما من تونس فنجد الشيخ الفلاري الأستاذ بجامع الزيتونة والذي كان يتردد على قسنطينة وكانت بينه وبين الفكون بعض المناوشات العلمية. وهكذا نرى أن قسنطينة لم تكن منغلقة على نفسها، بل كانت مدينة يقصدها طلبة وعلماء الوقت للاستفادة والمذاكرة. ولعل من أبرز الشخصيات التي وردت على قسنطينة في القرن الحادي عشر القاضي العثماني المعروف بالمولى علي الذي نزل عند الفكون وتذاكر معه وكانت معه مكتبة عظيمة.
وكانت بمدينة قسنطينة مجموعة من الزوايا التي تعتز بها عائلاتها لأنها مجلبة للشهرة والعلم في الدنيا وسبيل إلى الرضى والأجر في الآخرة. ومن العائلات التي كانت لها زوايا باسمها عائلة الفكون، وعائلة بن نعمون، وعائلة ابن باديس وعائلة ابن آفوناس، إلخ. وكانت هذه الزوايا مقصد الطلبة للعلم والراحة والإقامة. كما كانت مقر العلماء الزائرين، إذ تحتوي على المبيت وقاعة الاستقبال ومكان الدرس والمكتبة ونحو ذلك من المرافق. ولا شك أن هذه الزوايا أيضا كانت تضم مدافن الأسرة فهذا الوزان مثلا دفن في زاوية صهره ابن آفوناس، وهذا جد الفكون مدفون بزاويتهم أيضا (١)، وبالإضافة إلى الزوايا كانت هناك بعض المدارس التي أسست أصلا لنشر العلم وحده ويذكر الفكون أنه كانت لهم مدرسة في عهد جده. وقد جددها والده محمد وبنى قبتها ووسعها وأن جده قد دفن بها ولعله يقصد بها الزاوية.
_________________
(١) انظر شيربونو (روكاي) ١٨٥٦ - ٨٥٧ا، ص ٨٧. وكذلك (منشور الهداية)، مخطوط.
[ ٣٦ ]
أما في الأرياف وفي المدن الأقل شهرة من قسنطينة فقد كثرت الزوايا بشكل ملفت للنظر ولم تكن كلها لإطعام الطعام ونشر العلم وإيواء السابلة، بل كانت في معظمها مصيدة لجلب الأنصار وإشاعة الخرافة وإعطاء الورد والاتصال بالشيخ المرابط. ومن أشهر الزوايا خارج قسنطينة عندئذ زاوية الأخضري ببنطيوس، وزاوية البوني بعنابه. وكانت بعض هذه الزوايا تتبع الطرق الصوفية مثل الزروقية والشابية والشاذلية. وبعضها تنسب إلى المرابط المعاصر. ولا شك أن انتشار الطرق الصوفية في حد ذاته يعود من بعض الوجوه إلى الفراغ السياسي الذي كان يشعر به الناس، وقلة الأمن، فكانوا يبحثون عن الحماية حيثما وجدوها.
وكانت الزوايا وعلى رأسها المرابطون يوفرون لهم بعض الأمن ولو بثمن باهظ أحيانا (١).