عائلة الفكون من أقدم العائلات في قسنطينة. فإذا عدنا إلى عنوان الدراية للغبرينى (القرن ٨ هـ) وجدناه قد ذكر عددا
منها (٢) وهي عائلة اشتهرت بالعلم والصلاح قبل الأعمال
_________________
(١) تفيدنا رحلة العياشي ورحلة الدرعي أيضا بأخبار الحياة الدينية والعلمية في إقليم قسنطينة، سيما النواحي الصحراوية منه.
(٢) منها الحسن بن علي ابن الفكون (القرن السابع الهجري) صاحب القصيدة الشهيرة: ألا قل للسري ابن السري أبي البدر الجواد الأريحي
[ ٣٧ ]
الحكومية. وهي تنتسب إلى بني تميم إذ يذكرون مع أسمائهم هذه النسبة (التميمي). ومن ثمة فهي من العائلات العربية
العريقة. ويضيف الفكون المترجم له أن جده من قبل أمه كان من الأشراف الحسنيين، وكان قد تولى في قسنطينة وظيفة مزوار الشرفاء. ولكننا لا ندري إن كان جده لأمه من عائلة الفكون أيضا أو من فروع أخرى. فإذا كانت منها فإن العائلة كلها تكون أيضا شريفة حسنية.
غير أن هناك رأيا آخر في الموضوع لم يذكره آل الفكون ولكن ذكره غيرهم، وهو رأي عبد القادر الراشدي العالم، الذي تولى وظيفة الفتوى الحنفية في عهد صالح باي، أواخر القرن الثامن عشر (١٢ هـ). فقد نسب إليه تأليف ذكر فيه أن عائلة الفكون ليست شريفة وليست تميمية كما تدعى، ولكنها من قرية (فكونة) الموجودة بمنطقة الأوراس. ونحن لم تطلع على تأليف الراشدي. ولذلك نتساءل هل صحيح أنه قال بذلك؟ وما مدى صحة دعواه إن كان قد قال بذلك؟ وما الهدف من إثارته الموضوع أصلا؟ ومما يذكر أن عائلة البوني التي تنتسب هي أيضا إلى بني تميم لم تثر موضوع هذه النسبة لدى آل الفكون عندما عاتب أحد أعضائها، وهو أحمد البوني صاحب (الدرة المصونة)، عبد الكريم الفكون على تعرضه لوالده، محمد
_________________
(١) وقد رواها الأدباء عنه ومنهم العبدري صاحب الرحلة، والمقري صاحب نفح الطيب ٣/ ٢٤١ (ط. القاهرة). وقال عنها المقري: إنها (من در النظام وحر الكلام). وأوردها أيضا عباس بن إبراهيم، الأعلام ١٣٨/ ٣. انظر عنوان الدراية ص ٣٣٤ ط. بيروت.
[ ٣٨ ]
ساسي البوني. وفي الأزمنة المتأخرة أصبحت العائلة تعرف بعائلة ابن الفكون، وأحيانا بعائلة سيدي الشيخ.
ومهما يكن من شيء فإن عائلة الفكون قديمة في التاريخ. وقد ذكر لنا الفكون نفسه بعض أجداده الأبعدين والأقربين. فذكر من الأبعدين الجد عبد الرحمن الفكون الذي قال عنه: (الجد العبد الفقير إلى الله) وهو يريد بذلك أنه كان من الصالحين - وقال إن هذا الجد مدفون في زاويتهم القديمة التي آلت إلى عائلة ابن نعمون (منشور، ص ٧٠). كما يذكر أن جد جده (عبد الكريم الفكون الذي سمي هو على اسمه) هو محمد شقرون بن حليمة دفين رحبة قسنطينة المسماة آكدال. وقال عن هذا الجد (أي محمد شقرون) إنه كان (من الصلحاء وممن عمر، وظني أنه صاحب الدعوة من الخضر ﵇، حتى سمعت من الوالد أنه غيره من الأسلاف). (نفسه، ص ٢٣). ولكن الفكون لم يفصل في أجداده. فنحن لا نعلم من هو الأول في الترتيب مثلا: عبد الرحمن أو محمد شقرون، ولا نعرف تواريخ حياتهما ولعله هو أيضا لم يكن يعرف ذلك. وكلمة (غيره من الأسلاف) لم يوضحها أيضا، فمن هو الجد الذي كان صاحب الدعوة من الخضر، ﵇، إذن؟
أما من الأجداد الأقربين فقد ذكر منهم يحيى الفكون الذي ترجم له في كتابه (منشور الهداية)، وهو الجد الذي قلنا إنه مات مجاهدا بتونس حين قتل بجامع الزيتونة سنة ٩٤١ من قبل الجنود الإسبان. وتذهب بعض الروايات إلى أنه كان قد قصد تونس
[ ٣٩ ]
منفيا من قسنطينة (١) وقد وصفه حفيده بأنه كانت له اليد الطولى في الفقهيات، وقال عنه إنه كانت له حاشية على المدونة ضمنها نوازل ووقائع قل أن توجد في المطولات. وكان يحيى الفكون قد تولى الفتوى وإمامة جامع الزيتونة، كما سبق. وكان هو رأس عائلة الفكون في مطلع القرن العاشر. وعندما توجه إلى تونس تبعه ابنه قاسم الفكون إليها. وأثناء حياة والده تولى قاسم وظيفة الإمامة بجامع البلاط بتونس أيضا. وبعد وفاة والده بالطريقة التي ذكرناها رجع إلى قسنطينة واستقر بها وتولى فيها وظيفة القضاء أيام دخولها في طاعة العثمانيين. ويرجح بعض المؤلفين أن قاسم الفكون قد تولى نفس الوظيفة (القضاء) التي اعتذر عنها عمر الوزان في رسالته إلى حسن آغا، ومما يؤكد هذا أن حفيده الذي نترجم له ذكر أن جده تولى وظيفة القضاء زمن الوزان بل باقتراح منه. (توفي الوزان سنة ٩٦٥ كما سبق (٢) وكان قاسم الفكون من العلماء المؤلفين أيضا. إذ يذكر له حفيده بعض (التقاييد) على كتاب التوضيح لابن هشام حشاه (بالتعاليق الرائقة، جمعها من عدة علوم وتصانيف شتى). والمعروف أن قاسم الفكون توفي أيضا سنة ٩٦٥.
وأقرب الجدود للمترجم هو عبد الكريم الفكون الذي يكتبه (أبا محمد). وإذا كان الجدان السابقان قد وجدا في زمن
_________________
(١) انظر فايسات (روكاي) ١٨٦٧، ٢٢١ - ٣٢٩.
(٢) لم يذكر الفكون أن جده قاسم تولى إمامة الجامع الكبير بقسنطينة أيضا. ولكن ميرسييه ذكر ذلك، إذ قال أنه تولى إمامة جامع البطحاء وهو الجامع الكبير. انظر (روكاي) ١٨٧٨، ص ٢٢٦.
[ ٤٠ ]
مخضرم ومضطرب عرفته قسنطينة عند انتقالها من إدارة حفصية إلى إدارة عثمانية، فإن أبا محمد عبد الكريم قد وجد في فترة أخذت فيها الأمور تستتب في المدينة وإعلان الطاعة لحكومة الجزائر المركزية يتضح. ولكن الحياة السياسية لم تتركه. فقد تعرض هذا الجد للخطر عند حدوث اضطرابات في المدينة أدت إلى خلع البيعة من العثمانيين تماما، وبحكم منصب وعلمه بعثه السكان لباشا الجزائر عندئذ محمد بن صالح رايس، سعيا في الصلح، وكان يرافقه في هذه المهمة الخطيرة عالم آخر مرموق هو عبد اللطيف المسبح. ولم يكد ينتهي بهما المطاف لدى الباشا والاتفاق معه على الصلح حتى حدثت تلك الاضطرابات وخلع الناس البيعة (سنة ٩٧٥) فخاف الفكون والمسبح مغبة الأمر فهربا إلى بلاد زواوة (ناحية القبائل اليوم)، ولكن الباشا أمر بالبحث، عنهما وإحضارهما وسجنهما. وعندما اتضحت الأمور بإثبات براءتهما مما حدث أطلق الباشا سراحهما وأعادهما مكرمين إلى قسنطينة. وقد حضر إلى المدينة أيضا الباشا نفسه، وبذل العالمان المذكوران جهودهما في الصلح والعافية وحقن الدماء.
ويعلق بعض المؤرخين نتائج هامة على هذه العلاقة بين السلطة العثمانية وعائلة الفكون وعلى رأسها أبو محمد عبد الكريم الفكون. وسنتعرض إلى ذلك بعد قليل (١) وعلى كل حال فإن حفيده قد وصف ما جرى لجده عندئذ بأنه (امتحان)
_________________
(١) انظر ميرسييه (روكاي) ١٨٧٩، ص ٢١٥ وما يليها.
[ ٤١ ]
وسمى ما حدث سنة ٩٧٥ (فتنة). ومما نسب الفكون لجده حاشية على المدونة تدل على مكانته عندئذ، فقد كان أحد اليهود يدعى المختاري قد أسلم ودخل الجندية، ولكنه تجاسر بعد ذلك على الدين فسب الرسول، (ص)، فقال أبو محمد الفكون يقتله وقال القاضي يحيى بن محجوبة بعدم قتله. واشتد الخلاف وكادت تقع فتنة في المدينة، لأن المعسكر كانوا مع زميلهم ضد قتله. وانعقد مجلس الشورى بحضور الوالي والشرطة والجنود والعلماء والقضاة إلخ. وتداولوا وكانوا جميعا ضد قتله إلا الفكون فقد أضر على قتله، ورغم الضجيج والضغط والتهديد فقد كان الفكون مصرا على رأيه. وأخيرا خضع الجميع، حسب قول الفكون الحفيد، إلى رأي جده، بما فيهم القاضي ابن محجوبة الذي رجع، كما قال عنه، إلى الحق (١).
وقد وصف الفكون جده بأنه كان منشغلا بما يعنيه دينا ودنيا. وأنه كان معتكفا على التدريس والإقراء. وأنه كان متوليا إمامة الجامع الأعظم والخطابة. وهذه هي أول مرة يتحدث فيها الفكون عن أحد أجداده إنه كان متوليا هذه الوظيفة الهامة، وهي الوظيفة التي بنى عليها بعض المؤرخين أيضا نتائج سياسية سنتعرض إليها. وقال الفكون عن جده إن الولاية (وهو يقصد الصلاح) قد غلبت عليه وأنه كان ملازما للأذكار وقيام الليل، وأنه من تلاميذ
_________________
(١) انظر ص ٣٦ من مخطوط (منشور الهداية). ومما يذكر أن عائلة ابن محجوبة عائلة قديمة وتعود إلى ناحية سطيف، ومنها يحيى بن محجوبة القرشي السطيفي الذي ذكره الغبريني في عنوان الدراية، ص ١١٩، وقال أنه توفى سنة ٦٧٧.
[ ٤٢ ]
الشيخ الوزان. وذكر أن له عناية خاصة بعلم البيان وأنه كان يقرىء كتاب سعد الدين التفتزاني المطول في هذا الفن. وأن لجده تأليفا جمع فيه الآيات القرآنية التي استشهد بها التفتزاني في كتابه المذكور. وأن جده كان قد جدد في أسلوب الخطابة بالجامع، فأحدث نوعا من الخطب تقوم على الأحاديث النبوية. أما وفاته فكانت سنة ٩٨٨.
ومن أبرز أفراد عائلة الفكون والد مترجمنا، وهو محمد الفكون. وماذا نتوقع أن يقول ولد بار عن والده؟ وصف الفكون والده بأنه قد تولى إمامة الجامع الأعظم بقسنطينة بعد وفاة أبيه، أبي محمد عبد الكريم الفكون. وقال عنه أنه كان فقيها صوفيا، وأنه كان أيضا يكثر من تلاوة الأوراد وقيام الليل. ولم يتحدث الفكون عن فن الخطابة عند والده، ولا عن تآليفه إن كانت، ولا عن دوره في الحياة العامة. ولعل أهم من ذلك أن نلاحظ أنه لم يذكر أن جده السابق ولا والده قد تولى إمارة ركب الحج إلى البقاع المقدسة، وهي الوظيفة التي بنى عليها بعض المؤرخين نتائج سياسية هامة أيضا سنعرض إليها ونعتقد أنه لو تولاها أحدهما أو كلاهما لما أهملها الفكون الذي كان حريصا على ذكر أنواع المجد وألقاب الرفعة لعائلته. وقد ذكر أن والده قد توفي أثناء منصرفه من الحج والزيارة في مكان يقع، كما قال، بين مكة والمدينة ومصر يسمى المويلح، وذلك سنة ١٠٤٥ (١) ونعرف من
_________________
(١) ذكر العياشي، الرحلة ١٧٠/ ١، أنه رأى قبر محمد الفكون في المويلح وأقام بهذا المرسى يومين، وأنه زار القبر وتبرك بصاحبه. والمويلح =
[ ٤٣ ]
الوثائق التالية أن الفكون الحفيد تولى مهمة والده بعد وفاته، وأقدم الوثائق في ذلك تعود إلى سنة ١٠٤٨ ويبدو أن الفكون ألف عمله (منشور الهداية) بين هذين التاريخين (١٠٤٥ و١٠٤٨) لأنه ذكر فيه وفاة والده، ولم يذكر فيه توليه هو مهامه الجديدة التي سنتحدث عنها.
وبالإضافة إلى ذلك لدينا معلومات عن أنساب ومصاهرات عائلة الفكون قد تفيد في إلقاء الضوء على مسيرتها ودورها في التاريخ. فنحن نعلم مثلا أن محمد بن قاسم بن محمد الشريف الحسني كان جدا للفكون من جهة الأم، وأن محمدا هذا تولى
_________________
(١) = مرسى يقع على الرصيف المقابل لمصر من أرض الحجاز. ومن ناحية أخرى يدل كلام العياشي على أن إمارة ركب الحج كانت في عبد الكريم الفكون الحفيد (الذي نترجم له) ثم في ابنه محمد الذي حج معه العياشي إذ يقول عن محمد أنه كان أميرا لركب الحج الجزائري وكان يسير في ذلك (على نهج أبيه وعادته). ولو كانت الإمارة في آخرين قبله من آل الفكون لقال العياشي عبارة أخرى تدل على ذلك مثل (على نهج أبيه وأسلافه) أو نحو ذلك، وهذه هي عبارة العياشي بحروفها (وممن لقيت بطرابلس الشيخ الفقيه سيدي محمد بن سيدي عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الفكون. قدمها حاجا، وهو أمير ركب أهل الجزائر وقسنطينة وتلك النواحي، على نهج أبيه وعادته في ذلك، محافظا على سلوك سيرة والده من التؤدة والحلم والوقار، فأحبته القلوب ومالت إليه النفوس، ولم يطلع أميرا إلا في هذه السنة (يعني سنة ١٠٧٤)، وقبل ذلك إنما كان يطلع بالركب والده. فلما توفي قام ولده هذا مقامه في ذلك). العياشي الرحلة ٢/ ٣٩٠، ط. ١٨٩٩.
[ ٤٤ ]
وظائف هامة في قسنطينة منها الفتوى، ومزوار (أي نقيب) الشرفاء، وأنه خضع (لامتحان) عسير من قبل العسكر العثماني بقسنطينة الذين حكموا عليه أحكاما قاسية منها إرادة قتله، ثم خفضوا ذلك فحكموا عليه بالتوجه إلى الجزائر، أي دار الإمارة، كما يسميها الفكون، كما منعوه من حمل القلم، وهو إجراء يبدو أنه كان من أقسى أنواع العقوبات. وبعد هذا الامتحان عاد محمد الشريف إلى وظيفته في الفتوى. وكانت لعائلة الفكون مصاهرات أيضا مع كبار العائلات الأخرى بقسنطينة. ومن أهمها عائلتا ابن باديس وابن نعمون. فقد كان محمد بن نعمون هو ابن أخت عبد الكريم الفكون الجد الذي رباه وسهر عليه إلى أن بلغ أشده وتولى الفتوى ورغم بلادته) كما يقول الفكون (١) وكان أحمد بن باديس الذي سبق الحديث، عنه، متزوجا من أخت والدة الفكون الذي نترجم له، فهو إذن زوج خالته. ومن جهة أخرى ذكر الفكون أنه هو نفسه قد تزوج ابنة أحمد بن حسن الغربي الذي تولى عدة وظائف شرعية ومخزنية في وقته، وعائلة الغربي من بيوتات قسنطينة أيضا.
وقد عرفنا أن عائلة الفكون كانت لها زاوية ومدرسة كما
_________________
(١) يقول الفكون عن محمد بن نعمون أن جده لأبيه هو الفقيه الإمام أبو البركات ابن نعمون. وهم دار عافية، ومن بيوتات قسنطينة وشهرتهم في أسلافهم بنسل الصالح سيدي نعمون، دفين الزاوية الجوفية المشتهرة باسمهم. واعتذر الفكون أنه لا يذكر اسم هذا الرجل الصالح الذي تنتسب إليه عائلة ابن نعمون. وقال عن زاويتهم أنها كانت أصلا لعائلة الفكون إلى أن رفع أسلافه أنفسهم عن الزاوية لأصهارهم أولاد نعمون.
[ ٤٥ ]
كانت لها أملاك كثيرة. فهي من العائلات الغنية. ولم يكن ذلك الغنى يعود إلى العهد الثاني بل إنه يعود إلى عهود سابقة غير محددة. وقد حدثنا الفكون أن زاوية أسلافه كانت لهم إلى أن بنى جد جده مدرسة فترك آل الفكون الزاوية لأصهارهم آل نعمون واستقلوا هم بالمدرسة. وفي هذه الزاوية دفن أبو محمد عبد الكريم الفكون. وقد مر بنا أن المدرسة قد جددها ووسع منها والد مترجمنا ولكن الفكون يذكر في عدة مناسبات الزاوية والمدرسة والدار، أحيانا بدون تمييز، فكلما ذكر العلماء والطلبة الذين يأتون إليه في قسنطينة للقراءة أو للزيارة إلا وذكر أنهم نزلوا عنده في مدرسة العائلة وأحيانا بزاويتها وأحيانا بداره هو. ولكننا عرفنا أن الزاوية تنسب عادة إلى رجل صالح أسسها أو دفن فيها، أما المدرسة فقد تأسست لنشر العلم في الأساس، رغم وجود مدافن عائلية بها. أما عن ثروة عائلة الفكون فأمرها واضح. وإذا كنا لا نجد كثيرا من الوثائق العائلية التي تثبت ذلك في العهد السابق للعثمانيين فإننا نجد وثائق القرن العاشر (١٦ م) تشير إلى ذلك (١) وأهم مصدر لثروتهم أوقاف الجامع الكبير، الذي كانوا يتولون فيه الإمامة والخطابة منذ القرن العاشر. وقد وجدت وثيقة شراء الفكون صاحب الترجمة لخمس قطع من الأرض، كانت من أملاك بلقاسم بن ناصر العيشاوي (٢)، وهناك وثيقة أخرى تمنح
_________________
(١) يذكر فايسات أنه وجد وثيقة تعود إلى سنة ٩٢٩ (١٥٢٠) تثب أن عائلة الفكون كانت لها أملاك طائلة في قسنطينة نفسها وفي الريف. انظر (روكاي) ١٨٦٧، ص ٣٢١ وما يليها.
(٢) انظر نص العقد في المجلة الآسيوية (١٨٥٨)، ص ٥٩٩.
[ ٤٦ ]
للفكون نفسه سنة ١٠٦٠ فوائد سوق الفواكه والخضر وفائض أوقاف الجامع الكبير وحقوقا كثيرة. وسنتحدث عن هذه الوثيقة حين نذكر امتيازات أمير ركب الحج.
بقي علينا أن نتحدث عن صعود هذه العائلة إلى الصف الأول بين العائلات في قسنطينة بل إلى تقديمها على جميع العائلات الأخرى هناك، خلال العهد العثماني. كيف وقع ذلك؟ ومن هو أول من تقدم منها؟ وما الفرق بين الروايات الرسمية (التاريخية) والشعبية؟ وهل ما زعمه بعض الكتاب الفرنسيين في القرن الماضي حول الموضوع يثبت اليوم؟ هذا ما نحاول الإجابة عليه هنا ولو باختصار.
وقبل كل شيء نبادر إلى القول بأننا نرى أن إمارة ركب الحج لم تمنح إلا إلى عبد الكريم الفكون الحفيد صاحب هذه الترجمة. ودليلنا على ذلك عدة أمور، منها أنه لم يذكر هذه المهمة مقرونة باسم جده ولا والده حين ترجم لهما. ولو تولاها أحدهما أو كلاهما لذكرها لأنه كان حريصا كل الحرص على إظهار مجد العائلة وتوليها الوظائف السامية، ولا سيما الدينية منها، كما فعل حين ذكر تولي جده وأبيه إمامة الجامع الكبير والخطبة فيه والتدريس ونحو ذلك.
ومنها أنه أشار إلى حج والده ووفاته أثناء منصرفه من حجه سنة ١٠٤٥، كما سبق، ولم يذكر أنه كان أميرا لركب الحج أو كانت له أية مسؤولية دينية أو دنيوية مع الآخرين في ذلك ولو كان والده متقلدا لتلك الوظيفة لما أهملها في ترجمته. ومن جهة
[ ٤٧ ]
أخرى فإن الفكون لم يتحدث أبدا عن حج جده، سواء بنفسه أو على رأس وفد رسمي، ونعتقد أن جده لم يحج أصلا، ولو قد فعل لما أهمل حفيده ذكر ذلك لأن الحج كان عندئذ مناسبة علمية ودينية يحرص المترجمون على ذكرها لمترجميهم. فكيف نقول مع القائلين أن مشيخة الإسلام وأمارة ركب الحج فد منحها العثمانيون لعبد الكريم الجد وورثها منه ابنه محمد ثم حفيده عبد الكريم الذي نحن بصدد الترجمة له؟
ومنها أن الفكون ذكر في ترجمة أحد معاصريه، وهو الشيخ محمد الفقيه الزواوي، ما يدل على أن إمارة ركب الحج كانت ما تزال، أثناء حياة والده، في يد عائلة ابن عبد المؤمن. ولكن الفكون لم يذكر تاريخ ذلك بالضبط. غير أننا نستنتج من سياق القصة أن ذلك وقع بعد ١٠٤٥ سنة وفاة والد الفكون. فهو يقول عن نفسه أنه تدخل لمنع الشيخ محمد الفقيه المذكور من الحج ثانية رفقة محمد، حفيد الشيخ عبد المؤمن (أمير ركب الحج؟) لأن محمد الفقيه كان قد سبق له الحج، بينما أهله محتاجون إلى النفقة. ولكن محمد الفقيه حج مع ذلك مع حفيد الشيخ عبد المؤمن مخالفا نصيحة الفكون. ولم يكن الفكون ضمن هذا الركب على كل حال، لأنه يخبر أن الشيخ محمد الفقيه وقف عند الفكون بعد رجوعه من الحج وأعلن ندمه عن فعله. وها نحن نسوق عبارة الفكون نفسه. قال إن الشيخ محمد الفقيه جاء إلى قسنطينة من زواوة وتزوج ومارس التدريس بجامع القصبة، و(خطر بباله الحج ثانيا فأنعم له بحمله له حبيبنا محمد، حفيد الشيخ عبد المؤمن. فأرسل إلي في شأن إمساكه صهره وأهله،
[ ٤٨ ]
فبعثت في إثره لقصد معارضته عنه لحجه أولا، وسوء مطعمه فيه ومركبه ثانيا، ومجاورته مما لا ينبغي لموفق مفارقته فتخفى مني إلى أن نفذ حكم الله. فسافر إلى الحج صحبة من ذكر. فوقع له شعب (كذا) مع بعض الرفقة أفضى الأمر فيه إلى المضاربة. وبعد قدومه وقف عندي واعتذر عن فعله) (١).
نستنتج من ذلك كله:
١ - أن أول من تولى وظيفة الإمامة والخطابة بالجامع الكبير (جامع البطحاء) في العهد العثماني هو عبد الكريم الفكون الجد، بعد سنة ٩٧٥ هـ، أي سنة خلع البيعة من قبل حضر قسنطينة.
٢ - وأن أول من تولى وظيفة القضاء في نفس العهد من عائلة الفكون هو قاسم الفكون.
٣ - وأن أول من تولى إمارة ركب الحج - بالإضافة إلى الإمامة والخطابة بالجامع الكبير - هو عبد الكريم الفكون الحفيد الذي نترجم له.
٤ - وإن إمارة ركب الحج قد بقيت في عائلة عبد المؤمن إلى زمن محمد حفيد عبد المؤمن الذي تحدث عنه الفكون نفسه في النص السابق، أي إلى ما بعد حوالي قرن من وجود العثمانيين.
_________________
(١) منشور الهداية، ص ٩٠ كلمة (شعب) يجب أن تقرأ (شغب). وعبارة (أنعم له بحمله له) تعني أن حفيد عبد المؤمن كان هو أمير الركب، وإلا فلا معنى لهذا الإنعام.
[ ٤٩ ]
ومع هذا الوضوح في تسلسل الأحداث وتولي المسؤوليات فإن بعض المؤرخين (سيما الفرنسيون) قد خلطوا في هذه القضية.
فذهب بعضهم إلى أن ولاء عائلة الفكون للعثمانيين يبدأ من خيانة عائلة عبد المؤمن لهم. وأن عائلة الفكون قد (منحت) وظيفة القضاء والإمامة والخطابة بالجامع الكبير (وهو منصب يعني الجاه والثروة) جزاء لها على دورها في نشر العافية وجلب طاعة الرعية خلافا لعائلة عبد المؤمن التي تعاونت مع أولاد صولة وخلعت البيعة ورفضت الانصياع للعثمانيين. وقد استدل بعضهم، مثل شيربونو، برواية شعبية مفادها أن عائلة عبد المؤمن هي التي كانت تتوارث إمارة ركب الحج في قسنطينة. وعندما حل خير الدين بربروس بالقل تضررت تجارة قسنطينة فجاءه وفد منها وعرضوا عليه الطاعة فعين عليهم بايا. ولما سمع الشيخ عبد المؤمن أغلق أبواب المدينة فظل الباي الجديد وجنوده في المنصورة (بأعلى المدينة). وهنا اتصلت بهم عائلة الفكون المنافسة لعبد المؤمن واقترحوا على الأتراك أن يعدوا عبد المؤمن
بإبقاته في وظيفته، فأرسل إليه الأتراك رسالة وأقاموا له وليمة في المنصورة فجاءهم إليها وفتح لهم أبواب المدينة. وأثناء هذه الوليمة سموه وسلخوا جلده وحشوه تبنا وأرسلوه إلى الجزائر. ومنذ ذلك الحين ظلت العلاقة بين الأتراك وآل الفكون جيدة (١).
وهذه الرواية وجدت صدى في كتابات فايسات وميرسييه أيضا ولكن الأول (فايسات) لاحظ أن هذه الرواية لا تستند على
_________________
(١) انظر شيربونو (روكاي)، ١٨٥٦، ١٨٥٧، ص ٩٧.
[ ٥٠ ]
أية وثيقة. ومع ذلك فهو يقول إن أول من أعطي لقب شيخ الإسلام م عبد الكريم الفكون الجد سنة ١٥٦٧ أو ١٥٦٨، بعد الثورة التي حدثت ذلك العام (٩٧٥ هـ)، والتي قادها أولاد عبد المؤمن بالتعاون مع أولاد صولة (١) ولكن المعروف أن الفكون الجد تولى فقط إمامة وخطابة الجامع الكبير ولم يتول إمارة ركب الحج ولم يلقب بلقب (شيخ الإسلام). أما ميرسييه فيذهب أبعد من ذلك، فيرى أن إمامة وخطابة الجامع الكبير قد منحت إلى قاسم الفكون بعد رجوعه من تونس (والواقع أنه تولى القضاء فقط، باقتراح من الشيخ الوزان، الذي اعتذر عن ولاية القضاء بنفسه). ويؤكد (ميرسييه) إن أول أمير لركب الحج هو عبد الكريم الفكون الجد (وقد عرفنا أن هذا المنصب بقي في يد عائلة عبد المؤمن إلى أوائل القرن الحادي عشر، وأن الفكون الجد قد تولى فقط إمامة وخطابه الجامع الكبير، وأنه قد لا يكون حج أصلا). ويرجح ميرسييه أن لقب أمير ركب الحج قد منح للفكون الجد سنة ١٥٧٢ (٩٨٠ هـ) على أثر الثورة الكبيرة التي أدت إلى مقتل الشيخ عبد المؤمن (٢) ولكنه يستدرك على نفسه
_________________
(١) انظر فايسات (روكاي)، ١٨٦٧، ص ٣٢١ وما بعدها.
(٢) يرى فايسات أن منح الفكون لقب شيخ الإسلام كان بعد ثورة (٩٧٥) ١٥٦٧ - ٦٨ وبعد رجوع الشيخ من الجزائر. ويرى ميرسييه أن ذلك كان سنة ١٥٧٢ (٩٨٠) بعد الثورة الثانية، لأنه من الممكن أن يغفر الأتراك المرة الأولى لعبد المؤمن. وكلا الكاتبين متفق على أن صعود عائلة الفكون مكان عائلة عبد المؤمن كان بين ١٥٦٧ و١٥٧٢. وقد رأينا خطأ هذا التقدير وعن رأي ميرسييه انظر (روكاي) ١٨٧٨، ص ٢٢٦.
[ ٥١ ]
فيقول إن لقب أمير ركب الحج وشيخ الإسلام قد منحا ضمنيا لا تصريحا، لأن إمام الجامع الكبير كان بالضرورة شيخا للإسلام وأميرا لركب الحج. وهو أيضا استدراك غير صحيح، لأن إمارة الركب بقيت في عائلة عبد المؤمن مدة طويلة بعد وفاة الفكون الجد وابنه محمد وحتى إلى عهد الفكون الحفيد. أما لقب الإسلام فلم يصرح به إلا لهذا الأخير.
والشيء المؤكد هو أن أسرة الفكون ظلت تتوارث هذه الوظائف بعد ذلك: إمامة وخطابة الجامع الكبير، وإمارة ركب الحج ولقب شيخ الإسلام، إلى الاحتلال الفرنسي، وبالضبط إلى سنة ١٨٣٨، حين ألغت السلطات الفرنسية ذلك. وهكذا فإن الوثائق تتحدث عن تولي محمد الفكون (والد المترجم) جميع مهام والده (سنة ٩٨٩ هـ)، وتولى الفكون الحفيد جميع مهام والده سنوات ١٠١٥، و١٠٤٨، و١٠٦٠ وتولى محمد الفكون (ابن المترجم له) جميع مهام والده سنة ١٠٧٤، و١٠٧٥ واستمر الحال كذلك إلى الاحتلال الفرنسي كما أشرنا. وآخر وثيقة لتثبيت هذه العائلة على وظائفها وامتيازاتها، يعود إلى عهد الحاج أحمد باي آخر حكام قسنطينة العثمانيين، وبالضبط إلى سنة ١٢٤١ (١٨٢٦) (١).
_________________
(١) أشار إلى هذه الوثائق كل عن فايسات وميرسييه في المصدر المذكور، وكذلك ميرسييه (روكاي) ١٨٧٩، ص ٢١٥ وما بعدها. ويبدو أن محمد الفكون ابن عبد الكريم الذي نترجم له هو نفسه الذي لقيه وتحدث عنه العالم التونسي أحمد برناز في كتابه (الشهب المحرقة). انظر دراستنا عن شعبان باشا من خلال هذا الكتاب في كتابنا (أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر) ج ٢، ط١، ١٩٨٦.
[ ٥٢ ]
ولعل الإلحاح على صعود عائلة الفكون إلى القمة لا يعود فقط إلى القيمة الروحية ولكن إلى الثروة المادية التي أصبحت تتمتع بها. ولكننا رأينا أن الناحيتين قديمتان فيها. فقد كانت تتمع بقيمة روحية (الدين والصلاح والعلم) قبل توليها وظائف الجامع الكبير ومشيخة الإسلام وإمارة ركب الحج. وكانت كذلك غنية تملك العقارات في قسنطينة والأراضي في الأرياف قبل ذلك أيضا. فما الجديد حينئذ؟ لعل الجديد هو العلاقة بين من يتولى هذه الوظائف وبين السلطة الزمنية في البلاد عندئذ. ومنذ القرن العاشر أصبحت هذه السلطة في يد العثمانيين، وكان هؤلاء يبحثون، ككل سلطة جديدة، عن الأنصار من أصحاب النفوذ الروحي والمادي. فوقع تحول في مراكز هذا النفوذ من عائلة إلى عائلة كما لاحظنا وأصبحت عائلة الفكون، سيما في عهد عبد الكريم الحفيد الذي نترجم له، في قمة مجدها روحيا وماديا. ولكن هذا لم يتم فجأة ولا وقع بطرق ملتوية، كما يحلو لمؤرخي الفرنسيين ذلك، وإنما وقع بالتدرج وبدون التخلي عن القيم العائلية والإسلامية التي عرفتها مدينة قسنطينة في عهدها الطويل. ولأمر ما لا نجد كلمة نقد واحدة موجهة من الفكون إلى عائلة عبد المؤمن أو أحد أفرادها، رغم تعرضه بالنقد لأعيان وعلماء ودراويش عصره كما سنرى. بالعكس فقد وجدناه يحتفظ لمن ذكره منهم بألفاظ التجلة والاحترام.
حقيقة أن ثروة عائلة الفكون قد زادت، وأن جاهها قد ازداد علوا في نظر الناس، نتيجة الوظائف الجديدة. ذلك أنها بالإضافة إلى أوقاف الجامع الكبير كانت تحكم بما تراه صالحا في الأمور
[ ٥٣ ]
العامة. ولا أحد يعترض عليها، بما في ذلك موظفو الجامع والقضاة ولا حتى ممثل الوالي (الباي)، ولا أي شخص آخر مهما علا قدره. وكان التمتع بهذه الامتيازات يصدر من باشوات الجزائر ومن بايات قسنطينة معا. بل أصبح المنصب نفسه وراثيا. وكانت العائلة تأخذ بمقتضى ذلك عشر ما يستورد إلى المدينة من البضائع كالزرابي والخشب. وأصبحت تتدخل في الشؤون السياسية إذا كانت تتعلق بالأمن العام والصالح العام. من ذلك أن الفكون هو الذي اقترح على السلطة المركزية في الجزائر اسم باي جديد على قسنطينة فقبلت اقتراحه، وذلك بعد ثورة شيخ العرب أحمد بن الصخري سنة ١٠٤٧ (١٦٣٧ م).
وتذكر بعض المصادر أن هذا الباي المقترح هو فرحات باي وأنه تولى منصبه سنة ١٠٥٧ (١٦٤٧ م) متحالفا بذلك مع الفكون الذي نترجم نحن له. وقد بقي فرحات باي في الحكم سنتين بعد وفاة الفكون نفسه سنة ١٠٧٣، إذ توفي سنة ١٠٧٥، بعد أن كان قد عين كل منهما ولده في مكانه: الفكون خلفه ابنه محمد الفكون، الذي تحدث عنه أحمد برناز، وفرحات باي خلفه ابنه مجمد أيضا، ووافق على كل منهما باشا الجزائر. وهكذا بقي الرجلان (عبد الكريم الفكون وفرحات باي) حوالي ست عشرة سنة في تحالف من أجل الصالح العام، وكان عهدهما عهد استقرار لم تعرفه قسنطينة من قبل (١) فهل يصح بعد ذلك أن
_________________
(١) ما تزال معلوماتنا عن محمد بن فرحات غامضة. فالفكون نفسه يذكره في كتابه (منشور الهداية) ويصفه تارة بالقائد وتارة بالأمير. والمعروف أن =
[ ٥٤ ]
نقول مع فايسات: أن عائلة الفكون في عهد توليها مشيخة الإسلام (لم تستعمل نفوذها في غير الشؤون الدينية ولم تتدخل، على الأقل مباشرة، في الشؤون السياسية، بل تركت السياسة للحكام واكتفت هي بحكم الأرواح)؟ (١) طبعا لا فقد رأينا الفكون أثناء ثورة ابن الصخري يقف موقفا سياسيا واضحا ضد الثورة، ورأينا حفيده يقف موقفا سياسيا صريحا ضد صالح باي في آخر الأمر، سنة ١٢٠٨ (١٧٩٣م)، كما رأينا حفيده الآخر يقف مع أحمد باي ضد الفرنسيين سنة ١٢٤٦ (١٨٣٠ م). ولعل هذا الموقف الأخير هو الذي حمل الفرنسيين على جعل إلغاء لقب شيخ الإسلام من أوائل إجراءاتهم بقسنطينة.
ومهما كان الأمر فإن عائلة الفكون ظلت تتوارث الوظائف المذكورة أبا عن جد وإبنا عن أب إلى احتلال قسنطينة من قبل الفرنسيين. فهذا محمد بن عبد الكريم الفكون خلف والده في إمامة الجامع الأعظم وفي كل ما لهذه الوظيفة من امتيازات سبق ذكرها. كما ناب عنه في قيادة ركب الحج حتى أثناء حياته عند عجز عبد الكريم على القيام بها شخصيا، كما يذكر العياشي في رحلته الثانية إذ لقى ابنه محمد الفكون قائما مقام أبيه. وقد توفي محمد الفكون هذا سنة ١١١٤ وبذلك يظهر أن نفوذه وتأثيره قد
_________________
(١) هذا الكتاب مؤلف قبل سنة ١٠٤٨، ومعنى ذلك أن القائد ابن فرحات كان موجودا قبل هذا التاريخ. أما محمد بن فرحات الذي ذكره فايسات فقد جاء بعد فرحات باي، أي حوالي سنة ١٠٥٩، وهو يؤكد أنه تولى القيادة بعد أبيه سنة ١٠٧٥، كما سبق.
(٢) فايسات، (روكاي)، ١٨٦٧، ص ٣٢١ وما بعدها.
[ ٥٥ ]
طال في هذه الوظيفة (أكثر من أربعين سنة) (١) ولكن يبدو أن قوته المعنوية وتأثيره العلمي لم يكن في درجة أبيه الذي نتحدث عنه إذ لا نعرف له تاليفا ولا تذكر له المصادر السياسية مواقف بارزة كالتي كانت لأبيه. ولعل استقرار الأحوال في قسنطينة للسلطتين الزمنية في يد البايات والروحية في يد الفكون قد ساعد على هذا الخمول الذي عرفه عهد محمد الفكون. وقد خلف بدر الدين والده محمد الفكون سنة ١١١٤ في كل وظائفه أيضا ولكننا لا نعرف له أثرا علميا ولا سياسيأ. ويكاد الصمت يخيم على نشاط هذه العائلة في القرن الثامن عشر (١٢ هـ) لولا ظهور عبد الرحمن الفكون في عهد صالح باي، وبالضبط سنة ١٢٠٨ وذلك أن عبد الرحمن هذا هو الذي تقول الأخبار أنه سحب حمايته عن صالح باي بجذب برنسه عنه بعد أن اتهمت السلطة المركزية هذا الباي بمحاولة التمرد والاستقلال وحكمت عليه بالموت فكان سحب البرنس عنه إيذانا بالموافقة على تنفيذ الحكم فيه أما آخر أسماء آل الفكون عند احتلال قسنطينة فهو الشيخ (محمد؟) الفكون (٢) الذي كان على علاقة طيبة مع الحاج أحمد باي، آخر البايات.
وغداة الاحتلال عين الفرنسيون ابنه الشاب حمودة الفكون
_________________
(١) هو نفسه الشيخ الذي وصفه أحمد برناز في (الشهب المحرقة)، انظر دواستنا عن شعبان باشا في مجلة التاريخ، ١٩٨٥، وكتابنا (أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر) ج٢، ط ١، ١٩٨٦.
(٢) لم نجد له في الوثائق التي عندنا إسما، وإنما تذكره سيدي الشيخ، أو الشيخ الفكون.
[ ٥٦ ]
ليكون شيخ البلاد لقسنطينة في وظيفة رئيس بلديتها، وذلك لأن والده كان شيخا هرما تجاوز الثمانين سنة. ولكن ذلك كان إجراء مؤقتا فقط ريثما تستقر لهم الأوضاع وتهدأ النفوس. ذلك أنهم سرعان ما ألغوا (سنة ١٨٣٨) وظيفة شيخ الإسلام التي طالما تمتع بها آل الفكون، كما الغوا وظيفة شيخ البلاد أو رئيس البلدية، وبذلك أسدل الفرنسيون الستار مؤقتا على نفوذ عائلة آل الفكون بقسنطينة وهو النفوذ الذي استأنفته هذه العائلة في العهد الجديد، والذي تغلب عليه الدنيا وليس الدين (١).