هذه القصيدة كانت حوارًا مع مقبرة؛ بمناسبة موت عالم؛ ولعله من شيوخ الشيخ، وهي حقيقة تنطبق على شيخنا:
أمَقْبَرَةَ الحَيِّ كَمْ عَالمٍ … تَلَقَّيْتِهِ بِمُضِيِّ الزَّمَنْ
أَتَتْكِ الجُمُوعُ لِتَشْيِيعِهِ … وَقَدْ أَدْرَجَتْهُ بِذَاكَ الكَفَنْ
فَبَدَّلْتِهِ بِالكِتَابِ التُّرَابَ … وَأَلْزَمْتِهِ بِالظُّهُورِ الجَنَنْ
فَأَضْحَى بِمَوْتٍ حَدِيثَ العِبَادِ … وَقَدْ كَانَ يَوْمًا إِمَامَ الزَّمَنْ
وَأَمْسَى لَدَيْكِ رَهِينَ التُّرَابِ … وَعَاشَ ذَوُوهُ صُنُوفَ الحَزَنْ
فَكَيْفَ تَوَارَى لَدَيْكِ إِمَامٌ … وَصَارَ بِذَاكَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ؟!
كَشَيْخِي الكَرِيمِ مُفِيدِ الأَنَامِ … بِعِلْمٍ أَصِيلٍ وَخُلْقٍ حَسَنْ
وَفِي الإِسْمِ مِنْهُ ثَلاثُ مَعَانٍ … صَلَاحٍ تَعَدَّى وَعُلْوٍ لِشَأْنْ
وَنَصْرٍ لِحَقٍّ وَمَنْ يَسْتَحِقُّ … تَقَرَّبَ فِيهِ لِرَبِّ المِنَنْ
أَجَادَ العُلُومَ وَصَحَّ الفُهُومَ … بِفِقْهٍ دَقِيقٍ وَإِتْقَانِ فَنّْ
وَنَوَّرَ دَرْبًا بِنُورِ الهُدَى … أَضَاءَ القُلُوبَ وَصَدَّ الفِتَنْ
فَعَاشَ كَشَمْسٍ تُضِيءُ نَهَارًا … وَنَجْمٍ .. فَيَهْدِي إِذَا اللَّيْلُ جَنّْ
[ ٤٣ ]
وَمَاتَ عَزِيزًا بِهِ عِظَةٌ … تُذَكِّرُ حَيًّا بِحَيْنِ المَنَنْ
فَرَدَّتْ جَوَابًا يَقِينَ الصَّوَابِ … تَقُولُ بِحَالٍ لِتَأْخُذَ عَنْ
أَنَا الأَرْضُ مُسْتَوْدَعٌ لِلأَنَامِ … إِذَا مَا قَضَوْا نَحْبَهُمْ أَرْتَهِنْ
فَيَبْقُونَ فِيَّ لِيَومِ مَعَادٍ … بِهِ يُبْعَثُونَ لِعُظْمِ المِحَنْ
وَفِي الجَوْفِ مِنِّي كُنُوزٌ عِظَامٌ … وَخَامٌ نَفِيسٌ عَظِيمُ الثَّمَنْ
مِنَ التِّبْرِ ذَاكَ الَّذِي يُبْتَغَى … وَصِنْوٍ كَرِيمٍ بِهِ يُسْتَظَنّْ
وَغَازٌ يَطِيرُ وَنِفْطٌ خَطِيرٌ … وَمَاءٌ كَثِيرٌ بِجَوفِي خُزِنْ
وَبَذْرٌ كَثِيرٌ وَنَبْتٌ نَضِيرٌ … وَأَصْلٌ مَكِينٌ لِذَاتِ الفَنَنْ
وَفِيَّ فِجَاجٌ وَفِيَّ مَنَارٌ … وَفِيَّ بِحَارٌ لِجَرْيِ السُّفُنْ
وَفِيَّ بُيُوتٌ وَفِيَّ قُبُورٌ … لِحَيٍّ وَمَيْتٍ فَنِعْمَ السَّكَنْ
وَفِيَّ نَعِيمٌ وَفِيَّ عَذَابٌ … هَنِيئًا لِبَرٍّ وَطَاغٍ لُعِنْ
رِيَاضُ جِنَانٍ وَجُبِّ سَعِيرٍ … لِيَوْمِ نُشُورٍ بِهِ يُبْعَثُنّْ
فَكَيْفَ عَجِبْتَ بِأَنْ قَدْ حَوَيْتُ … وُعَاةَ العُلُومِ وِهَادَ السُّنَنْ
أُولَئِكَ حُبِّي بِهِمْ قَدْ كَلِفْتُ … وَإِنِّي لَأُبْغِضُ دَاعِي الفِتَنْ
فَهَاكَ جَوَابِي لِمَا قَدْ سَأَلْتَ … فَبَلِّغْ بِهِ كُلَّ شَخْصٍ فَطِنْ
[ ٤٤ ]