كان سماحة الشيخ ابن باز ﵀ كالأب الحنون للشيخ عبد الله، فقد كانت له مكانة خاصة عنده؛ إذ كان يسأل عنه، ويتفقد أحواله، ويكلفه ببعض المهام. ويُعد الشيخ ابن باز من أكثر الشخصيات التي تأثّر بها الشيخ عبد الله. وقد وصفه الشيخ عبد الله، لما رأى فيه من علم وزهد وعبادة وخلق كريم، بصفات عديدة في لقاء إذاعي، حيث قال عنه: " هو أمة في الصبر والدأب، ومواصلة العمل النافع الذي ينفع دين الله وعباده في العاجل والآجل بلا كلل ولا ملل، كان آية من آيات الله في هذا الجانب.
كان يحفظ الوقت فيما ينفع حتى إنه إذا كان فيه اجتماع عنده في البيت أو في المكتب ثم احتاج الأمر إلى إحضار شيء من الأوراق أو التقويم أو غير ذلك يستفيد من هذا الوقت ريثما يُحضر المطلوب فيقول: هات الكتاب الفلاني، افتح الحديث الفلاني الصفحة الفلانية الجزء الفلاني، اقرأ كذا، ثم يُقرأ عليه ويستمع، ثم يقول: افتح الكتاب الفلاني. وهكذا كان ما يترك شيئًا من الوقت دون أن يستفيد منه.
كان كثيرًا اللهج بذكر الله ﷿، وهذا من أسباب نجاحه وتوفيقه وعون الله له؛ لأن الذكر من أعظم ما يستعان به على المهمات العظيمة.
كان محبًا للعلم والسلف الصالح، فكان لا يمل من ذكر أخبارهم وسيرهم، يضرب الأمثلة بهم دائمًا، ولا سيما خواص أصحاب النبي ﷺ.
[ ٣٤ ]
كان حسن الخلق، يتحمل جفاء الناس وتقصيرهم ولا يقابل المسيء بالإساءة بل يقابله بالإحسان، بالصفح والإحسان والعفو، ويعامله بما يقتضيه الشرع لا بما بلغه عنه، إلا إذا كان على معصية لله تعالى أو في أمر يقدح في الإسلام؛ فإن الشيخ ينبهه ويذكره ويخوفه بالله ﷿ فيما بينه وبينه، أما إذا كان في أمور دنيوية أو فيما يتعلق بشخص الشيخ أو غير ذلك فكأن شيئًا لم يكن، فكان آية من آيات الله في الحلم وحسن المعاملة وبذل المعروف لمن أساء إليه. وعدد من الناس الذين أساؤا إليه وجفوا في حقه وتوفوا قبله خلفهم بأهلهم بخير، واساهم عند مصابهم وتفقد حالهم، إذا كان على المتوفى ديون أو كان على أهله أجرة للمنزل ونحو ذلك، فكان يبذل ما يستطيع في ذلك ويعدهم خيرًا ويتلطف لهم، يشعرهم بأنه معهم ويقول: إذا كان لكم أي حاجة فأخبروني.
كذلك كان يهمه أمر الإسلام ليل نهار، فكان يتتبع الأخبار عن أحوال المسلمين والعالم الإسلامي والحوادث التي تحدث فيه، والنتائج التي تصل إليها، ويهمه ذلك ويتضرع إلى الله ﷿ أن يعلي دينه وينصر كلمته، ويعز عباده وهكذا.
كذلك كانت الدعوة إلى الله ﷿ تجري في شرايينه فكان يهمه أمر الدعوة، يبذل في سبيله ما استطاع من وقت ومال وجاه ونصح ودفاعًا عن الدعاة وغير ذلك، فكانت له المواقف المشهورة العظيمة" (^١).
_________________
(١) لقاء إذاعي مع د. محمد المشوح بعنوان: في مواكب الدعوة في السيرة الذاتية للشيخ.
[ ٣٥ ]
قصيدة للشيخ عبد الله في شيخه ابن باز بعد وفاته ﵏ قال فيها:
مصاب دهى قلبي فسيّل أدمعي … وأجج نارًا للأسى بين أضلعي
لدن قيل إن الحبر شيخ شيوخنا … سليل ابن باز بكرة اليوم قد نعي
إمام التقى راعي الهدى مروي الظمأ … شفاء عليلٍ يبتغي الحق مولع
قفا سنة المختار قولًا وسيرة … فنعم الإمام الحق ليس بمدّعي
صبور حليم عالم متعفف … كريم تقي عابد ذو تورّع
نصوح لرب الخلق والناس جملة … بقولٍ سديد بالدليل مرصع
غضوبٌ إذا نيلت محارم ربه … شكور لذي النعما كثير التبرع
تمثل نهج السابقين بزينا … فلولاه لم يعرف ولولاه لم نعي
وأظهر دين الله في كل محفل … وثبت أهل الحق في كل موقع
وحارب إشراكًا وزيفًا وباطلًا … وفنّد أقوالًا لأهل التبدع
وكم من صعاب قد شفى القلب نحوها … وكم معضلات قاصمات لها دُعي
ففرّجها ربي به وأزالها … وأبدلها يسرًا وخيرًا لمن يعي
فأفضاله جلّى وأخلاقه عُلى … وإحسانه عمّ الورى كل موقع
وأكرمني ربي ببعض دروسه … سُررت به مرأى وشنف مسمعي
وأوسعني فضلًا وأعلمني هدى … وكان على الخيرات خير مشجع
[ ٣٦ ]
ورغبني تعليم علمٍ لطالبٍ … وأرشدني للوعظ في كل مجمع
فيا آل بازٍ صبِّروا النفس حسبة … ويا أمة الاسلام لله فافزعي
فإن مصاب الشيخ قد آلم الورى … فجلَّ مصابًا ليس ينساه من يعي
ورحماك رب الخلق بالشيخ إنه … رحيمٌ عفوٌ فاعف عنه وأوسع
فيا ربِّ حرِّمه على النار رحمةً … وأورثه الفردوس غير مفزع
وصلِّ إله الخلق ربي مسلِّمًا … على المصطفى الهادي كثير التضرع
محمدٍ المبعوث للناس رحمة … شفيع الورى طرًّا وخير مشفع
قال شيخنا عن القصيدة: "هذه جرت على البديهة بين مفاجأة الخبر، وأردت أن أسجل فيها بعض مآثر الشيخ؛ حتى تبلغ من يتأسى بها وينفعه الله تعالى بها. والله تعالى أسأل أن يتغمده بواسع رحمته" (^١).
_________________
(١) لقاء إذاعي مع د. محمد المشوح بعنوان: في مواكب الدعوة في السيرة الذاتية للشيخ.
[ ٣٧ ]