هي النسخة التي كتبها المؤلّف بخطّه، وتقع في (٢١١) ورقة ذهبت الورقة الأولى منها - أو ربما أكثر - فيها أول مقدّمة المؤلّف، مسطّرتها (٢١) سطرا في كلّ سطر قدر ١٠ - ١٢ كلمة، وخطّ المؤلّف جيّد ومقروء خال من الشكل في الأغلب الأعمّ، وتتكون من اثنين وعشرين جزءا حديثيا في مجلّدين، أولهما: يشمل الأجزاء من الأول إلى نهاية الرابع عشر، وفيه الوفيات من سنة ٦٤١ هـ إلى سنة ٦٥٨ هـ، والثاني: يشمل الأجزاء من الخامس عشر إلى نهاية الجزء الثاني والعشرين ويشمل الوفيات من سنة ٦٥٩ هـ إلى آخر سنة ٦٧٥ هـ، وهي محفوظة في مكتبة كوبرلي برقم (١١٠١).
وقد وقع انتقال بعض الأوراق من مكانها عند التجليد، لا سيما الأوراق ٦٢ - ٧٣، حيث هي من الجزء الأخير من الكتاب. على أنّ هذا الارتباك في تجليد النسخة من السهولة تلافيه لمن له معرفة بالمترجمين وإلمام بمصادر هذه الحقبة، مثل: «تاريخ الإسلام» للذهبي، وقد أشرنا إلى ترتيب النسخة في مواضعها.
[ ١ / ٢٣ ]
وتظهر على النسخة إلحاقات يسيرة، مما يدلّ على أنها المبيّضة التي ارتضاها المؤلّف.
كما توجد في حواشي النسخة استدراكات كتبها عالم جليل هو:
شرف الدّين أبو الحسين أحمد بن أيبك الحساميّ الدّمياطيّ المولود سنة ٧٠٠ هـ والمتوفّى بالطاعون الجارف الذي ضرب البلاد سنة ٧٤٩ هـ (^١). ومع أنه لم يصرّح في هذه التعليقات باسمه إلاّ في موضع واحد (لدى تعليقه على الترجمة رقم ٤٥٣) إلا أننا كنّا قد عرفنا ذلك من خطّه، إذ كنت قد حصلت علي نسخة مصوّرة من كتاب «المستفاد من ذيل تاريخ بغداد» لابن النجّار بخطّه، وهي النسخة التي حقّقها تلميذي النجيب محمد مولود خلف بإشرافي ونال بها رتبة الدبلوم العالي في تحقيق المخطوطات وطبعت في مؤسسة الرّسالة سنة ١٩٨٦ م، فظهر بذلك تماثل الخطّين، فضلا عن تصريح تقيّ الدّين الفاسيّ في ترجمة شعيب بن يحيى بن أحمد بن محفوظ بن عطية التّميميّ القيروانيّ ثم الإسكندراني نزيل مكة، فقد نقل وفاته من وفيات الحسينيّ هذا ثم قال وهو يغلّطه في تاريخ الوفاة بقوله: «وأكثر من هذا مخالفة أنّي وجدت بخطّ أحمد بن أيبك الدّمياطيّ في وفيات الشريف أبي القاسم الحسينيّ أنّ الزكيّ المنذريّ ذكر أنه توفّي في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة» (^٢).
فاتفقنا أنا وتقيّ الدّين الفاسيّ على معرفة هذا الخط، فضلا عن التصريح الوحيد الذي أشرنا إليه آنفا.
وهذه الاستدراكات في الغاية من الأهمية، وهي على نوعين، الأول:
استدراكات مضافة إلى تراجم الحسينيّ من مصادر أغلبها مفقود اليوم، وتصحيحات وتعقّبات، فكأنه يحقّق معلومات هذا الكتاب. والثاني: تراجم جديدة لم يذكرها الحسينيّ استدركها عليه في مواضعها، وكتبها بخطّه الدقيق في حواشي النسخة وإن كان التجليد السيّئ قد طمس شيئا يسيرا منها حاولنا
_________________
(١) تنظر مقدمة «المستفاد من ذيل تاريخ بغداد» ص ٤٧ فما بعد.
(٢) العقد الثمين ٥/ ١٣.
[ ١ / ٢٤ ]
استدراكه عند الاستطاعة.
وعلى النسخة أيضا تعليقات يسيرة بخطّ العالم الفاضل أبي الفضل جعفر ابن ثعلب بن جعفر الأدفويّ صاحب كتاب «الطالع السّعيد الجامع أسماء نجباء الصّعيد» وخطّه غليظ غير جيد (^١).
وقد سمع ثلاثة من الفضلاء هذا الكتاب على المؤلّف وهم: ابنه القاضي السيد شرف الدّين أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد الحسينيّ، والشيخ وجيه الدّين أبو القاسم موسى ابن القاضي شرف الدّين أبي عبد الله محمد بن موسى الأنصاريّ الشافعيّ المصريّ المتوفّى سنة ٦٩٥ هـ، وهو قارئ الكتاب على المؤلّف، وكاتب الطباق أحمد بن عبد الرحيم بن أبي عبد الله الشافعيّ، الذي استرجمت أنه هو الذي ذكره الذهبيّ في وفيات سنة ٦٩٥ هـ من «تاريخ الإسلام».
وقد كتبوا طبقة سماع لكلّ جزء: بدءا من الجزء السادس حتى نهاية الكتاب، كما كتبوا طبقة سماع في نهاية المجلّدة الأولى. ولمّا كانت هذه الطّباق متشابهة فسوف نكتفي بتدوين طبقة السماع المدوّنة في المجلّد الثاني، وهذا نصّها:
«سمع جميع هذه المجلّدة والمجلّدة قبلها على مصنّفها سيدنا وشيخنا الفقيه الإمام العالم الحافظ ناصر السّنة السيد عزّ الدّين أبي القاسم أحمد ابن الإمام العلاّمة شرف الدّين أبي عبد الله محمد ابن الإمام المفتي نجيب الدّين أبي القاسم عبد الرّحمن الحسينيّ الشافعيّ نقيب النّقباء، فسح الله في مدّته ونفع المسلمين ببركته، بقراءة القاضي العدل المحدّث وجيه الدّين أبي القاسم موسى ابن القاضي العدل شرف الدّين أبي عبد الله محمد بن موسى الأنصاريّ الشافعيّ الصّوفي، والعبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن عبد الرّحيم بن أبي عبد الله الشافعيّ عفا الله عنه وهذا خطّه، وسمع من أوّل الجزء الرابع إلى آخر هذا البلاغ بخطّي السيد الشريف شرف الدّين أبو الحسن محمد ابن سيدنا
_________________
(١) تنظر قائمة التراجم المستدركة في فهارس الكتاب. وهي (١٢٣) ترجمة.
[ ١ / ٢٥ ]
المسمع أيّدهم الله تعالى، وسمع القاضي العدل الرئيس شرف الدّين أبو عبد الله الحسين ابن الشيخ أبي المنصور بن أبي الفرج الشافعيّ من أول الجزء الخامس إلى هذا البلاغ، وصحّ وثبت في مجالس آخرها غرة ربيع الأول من سنة خمس وثمانين وستّ مئة بدار المسمع وأجاز لنا جميع ما يجوز له روايته، والحمد لله وحده».
وكان السّماع في مجالس آخرها غرة ربيع الأول سنة ٦٨٥ هـ بمنزل صاحب الكتاب الذي كان قبالة جامع السّرّاجين بالقاهرة كما نصّ عليه في بعض الطّباق الأخرى.
ولمّا كانت النّسخة بخطّ مؤلّفها، بل هي المبيّضة كما استرجمنا، فلم تعد هناك حاجة إلى نسخة أخرى، بل لا نعلم بوجود نسخة أخرى حتى عند المؤلّفين الناقلين عنه، فقطب الدّين اليونينيّ، والذهبيّ، وتقيّ الدّين الفاسي، وغيرهم، لم يستعملوا غير هذه النسخة. ومعلوم في بدائه علم تحقيق المخطوطات أنّ نسخة المؤلّف التي ارتضاها في آخر حياته لا تعلوها نسخة أخرى، ولا يحتاج معها إلى نسخ أخرى.