"إِنَّ بِمَكَّةَ لَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ أَرْبَأُ بِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ
وَأَرْغَبُ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ … أَحَدُهُمْ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ"
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ]
هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ هَذَا الصَّحَابِيِّ؟!.
لَقَدْ سَجَّلَ التَّارِيخُ أَنَّهُ الْمَوْلُودُ الْوَحِيدُ الَّذِي وُلِدَ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ …
أَمَّا قِصَّةُ وِلَادَتِهِ هَذِهِ، فَخُلَاصَتُهَا أَنَّ أُمَّهُ دَخَلَتْ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ أَتْرَابِهَا (^١) إِلَى جَوْفِ الْكَعْبَةِ لِلتَّفَرُّجِ عَلَيْهَا …
وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ مَفْتُوحَةً لِمُنَاسَبَةٍ مِنَ الْمُنَاسَبَاتِ.
وَكَانَتْ وَالِدَتُهُ آنَذَاكَ حَامِلًا بِهِ، فَفَجَأَهَا الْمَخَاضُ (^٢) وَهِيَ فِي دَاخِلِ الكَعْبَةِ؛ فَلَمْ تَسْتَطِعْ مُغَادَرَتَهَا …
فَجِيءَ لَهَا بِنِطْعِ (^٣) فَوَضَعَتْ مَوْلُودَهَا عَلَيْهِ …
وَكَانَ ذَلِكَ الْمَوْلُودُ حَكِيمَ بْنَ حَزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ …
وَهُوَ ابْنُ أَخِي أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ وَأَرْضَاهَا.
* * *
_________________
(١) أترابها: لداتها وصويحباتها.
(٢) فجأها المخاض: أتاها الطَّلْقُ فجأَة.
(٣) النطع: قطعة من الجلد.
[ ١ / ٣٣٧ ]
نَشَأَ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ فِي أُسْرَةٍ عَرِيقَةِ النَّسَبِ (^١)، عَرِيضَةِ الْجَاهِ، وَاسِعَةِ الثَّرَاءِ.
وَكَانَ إِلَى ذَلِكَ عَاقِلًا سَرِيًّا (^٢) فَاضِلًا؛ فَسَوَّدَهُ قَوْمُهُ (^٣)، وَأَنَاطُوا بِهِ (^٤) مَنْصِبَ الرِّفَادَةِ (^٥).
فَكَانَ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ مَا يُرْفِدُ بِهِ الْمُنْقَطِعِينَ مِنْ حُجَّاجِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ …
وَقَدْ كَانَ حَكِيمٌ صَدِيقًا حَمِيمًا (^٦) لِرَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ.
هُوَ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنَ النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ بِخَمْسِ سَنَوَاتٍ؛ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَأْلْفُهُ، وَيَأْنَسُ بِهِ، وَيَرْتَاحُ إِلَى صُحْبَتِهِ وَمُجَالَسَتِهِ. وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُبَادِلُهُ وُدًّا بِوُدٍّ، وَصَدَاقَةً بِصَدَاقَةٍ.
ثُمَّ جَاءَتْ آصِرَةُ الْقُرْبَى (^٧) فَوَثَّقَتْ (^٨) مَا بَيْنَهُمَا مِنْ عَلَاقَةٍ، وَذَلِكَ حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂.
* * *
وَقَدْ تَعْجَبُ بَعْدَ كُلِّ الَّذِي بَسَطْنَاهُ لَكَ مِنْ عَلَاقَةِ حَكِيم بِالرَّسُولِ ﵊ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ حَكِيمًا لَمْ يُسْلِمُ إِلَّا يَوْمَ الْفَتْحِ (^٩)، حَيْثُ كَانَ قَدْ مَضَى عَلَى بَعْثَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ عَامًا!!.
_________________
(١) عريقة النّسب: كريمة الآباء والأجداد.
(٢) السَّرِي: الشّريف.
(٣) سوَّدَه قومه: جعلوا له السِّيادَة عَلَيْهِم.
(٤) أناطوا به: أسندوا إليه.
(٥) الرّفادَة: أحد مناصب قريش في الجاهلية، ويقوم صاحبه بمعونة المحتاجين والمنقطعين من الحجاج.
(٦) صديقًا حميمًا: صديقًا متين الصّداقة.
(٧) آصِرَة القربي: علاقة الْقُرْبَى.
(٨) وَثْقَتْ: قَوَّت ومتَّنَتْ.
(٩) يوم الفتح: يوم فتح مكة.
[ ١ / ٣٣٨ ]
فَقَدْ كَانَ الْمَظْنُونُ بِرَجُلٍ مِثْلِ حَكِيمِ بْنِ حَزَامِ حَبَاهُ اللهُ (^١) ذَلِكَ الْعَقْلَ الرَّاجِحَ، وَيَسَّرَ لَهُ تِلْكَ الْقُرْبَى الْقَرِيبَةَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، الْمُصَدِّقِينَ لِدَعْوَتِهِ، الْمُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِ.
وَلَكِنَّهَا مَشِيئَةُ اللهِ …
وَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ …
* * *
وَكَمَا نَعْجَبُ نَحْنُ مِنْ تَأَخُّرِ إِسْلَامِ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ، فَقَدْ كَانَ يَعْجَبُ هُوَ نَفْسُهُ مِنْ ذَلِكَ.
فَهُوَ مَا كَادَ يَدْخُلُ الْإِسْلَامَ وَيَتَذَوَّقُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، حَتَّى جَعَلَ يَعَضُّ بَنَانَ النَّدَمِ (^٢) عَلَى كُلِّ لَحْظَةٍ قَضَاهَا مِنْ عُمُرِهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِاللهِ مُكَذِّبٌ لِنَبِيِّهِ.
فَلَقَدْ رَآهُ ابْنُهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَنَاهُ؟!.
قَالَ: أُمُورٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا أَبْكَانِي يَا بُنَيَّ:
أَوَّلُهَا بُطْءُ إِسْلَامِي مِمَّا جَعَلَنِي أُسْبَقُ إِلَى مَوَاطِنَ (^٣) كَثِيرَةٍ صَالِحَةٍ حَتَّى لَوْ أَنَّنِي أَنْفَقْتُ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمَا بَلَغْتُ شَيْئًا مِنْهَا.
ثُمَّ إِنَّ اللهَ أَنْجَانِي يَوْمَ "بَدْرٍ" وَ"أُحُدٍ" فَقُلْتُ يَوْمَئِذٍ فِي نَفْسِي:
لَا أَنْصُرُ بَعْدَ ذَلِكَ قُرَيْشًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ، فَمَا لَبِثْتُ أَنْ جُرِرْتُ إِلَى نُصْرَةِ "قُرَيْشٍ" جَرًّا.
ثُمَّ إِنَّني كُنْتُ كُلَّمَا هَمَمْتُ بِالْإِسْلَامِ، نَظَرْتُ إِلَى بَقَايَا مِنْ رِجَالَاتِ
_________________
(١) حباه الله: أعطاه الله.
(٢) يعضُّ بنان النَّدَم: كناية عن شِدَّة النَّدَم.
(٣) مواطن كثيرة: مواقف كثيرة.
[ ١ / ٣٣٩ ]
قُرَيْشٍ لَهُمْ أَسْنَانٌ (^١) وَأَقْدَارٌ مُتَمَسِّكِينَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَقْتَدِي بِهِمْ وَأُجَارِيهِمْ …
وَيَا لَيْتَ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ …
فَمَا أَهْلَكَنَا إِلَّا الْاِقْتِدَاءُ بِآبَائِنَا وَكُبَرَائِنَا …
فَلِمَ لَا أَبْكِي يَا بُنَيَّ؟!!.
* * *
وَكَمَا عَجِبْنَا نَحْنُ مِنْ تَأَخُرِ إِسْلَامِ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ، وَكَمَا كَانَ يَعْجَبُ هُوَ نَفْسُهُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، فَإِنَّ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ كَانَ يَعْجَبُ مِنْ رَجُلٍ لَهُ مِثْلُ حِلْمِ (^٢) حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ وَفَهْمِهِ، كَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَكَانَ يَتَمَنَّى لَهُ وَلِلنَّفَر (^٣) الَّذِينَ هُمْ عَلَى شَاكِلَتِهِ (^٤) أَنْ يُبَادِرُوا إِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِ الله.
فَفِي اللَّيْلَةِ الَّتِي سَبَقَتْ فَتْحَ مَكَّةَ قَالَ ﵊ لِأَصْحَابِهِ:
(إِنَّ بِمَكَّةَ لَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ أَرْبَأ (^٥) بِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ، وَأَرْغَبُ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ)
قِيلَ: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟.
قَالَ: (عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو (^٦».
وَمِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا جَمِيعًا …
* * *
_________________
(١) لهم أسنان: متقدمون في السِّنِّ.
(٢) الحلْمُ: العَقْل.
(٣) النَّفر: الجماعَة.
(٤) عَلَى شاكلته: عَلَى طريقته.
(٥) أربأ بهم عن الشرك: لا أرضاه لهم ولا أجدهم أهلًا له.
(٦) سهيل بن عمرو: انظره ص ٥١١.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وَحِينَ دَخَلَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ فَاتِحًا؛ أَتَى إِلَّا أَنْ يُكَرِّمَ حَكِيمَ بْنَ حَزَامٍ فَأَمَرَ مُنَادِيَهُ أَنْ يُنَادِيَ:
مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ آمِنٌ …
وَمَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَوَضَعَ سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ ..
وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ …
وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ …
وَمَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ فَهُوَ آمِنٌ …
وَكَانَتْ دَارُ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، وَدَارُ أَبِي سُفْيَانَ فِي أَعْلَاهَا.
* * *
أَسْلَمَ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ إِسْلَامًا مَلَكَ عَلَيْهِ لُبَّهُ، وَآمَنَ إِيمَانًا خَالَطَ دَمَهُ وَمَازَجَ قَلْبَهُ …
والى (^١) عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ كُلِّ مَوْقِفٍ وَقَفَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ نَفَقَةٍ أَنْفَقَهَا فِي عَدَاوَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِأَمْثَالِ أَمْثَالِهَا.
وَقَدْ بَرَّ بِقَسَمِهِ …
مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ آلَتْ إِلَيْهِ (^٢) دَارُ النَّدْوَةِ وَهِيَ دَارٌ عَرِيقَةٌ ذَاتُ تَارِيخ …
فَفِيهَا كَانَتْ تَعْقِدُ قُرَيْشُ مُؤْتَمَرَاتِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِيهَا اجْتَمَعَ سَادَتْهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ لِيَأْتَمِرُوا بِرَسُولِ اللهِ (^٣) ﷺ.
_________________
(١) آلى على نفسه: قطع عهدًا عَلَى نَفْسِه.
(٢) آلت إليه: أصْبَحَتْ في مُلْكِه.
(٣) ليأتمروا برسول الله: ليتآمروا عَلَى قَتْلِه.
[ ١ / ٣٤١ ]
فَأَرَادَ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهَا - وَكَأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُسْدِلَ سِتَارًا مِنَ النِّسْيَانِ عَلَى ذَلِكَ الْمَاضِي الْبَغِيضُ - فَبَاعَهَا بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنْ فِتْيَانِ قُرَيْشٍ:
لَقَدْ بِعْتَ مَكْرُمَةَ (^١) قُرَيْشٍ يَا عَمِّ.
فَقَالَ لَهُ حَكِيمٌ: هَيْهَاتَ (^٢) يَا بُنَيَّ، ذَهَبَتِ الْمَكَارِمُ كُلُّهَا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا التَّقْوَى، وَإِنِّي مَا بِعْتُهَا إِلَّا لِأَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ …
وإنِّي أُشْهَدُكُمْ أَنَّنِي جَعَلْتُ ثَمَنَهَا في سَبِيل الله ﷿.
* * *
وَحَجَّ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَسَاقَ أَمَامَهُ مِائَةَ نَاقَةٍ مُجَلَّلَةٍ بِالْأَثْوَابِ الزَّاهِيَةِ ثُمَّ نَحَرَهَا جَمِيعَهَا تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ …
وَفِي حَجَّةٍ أُخْرَى وَقَفَ فِي عَرَفَاتٍ، وَمَعَهُ مِائَةٌ مِنْ عَبِيدِهِ وَقَدْ جَعَلَ فِي عُنُقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَوْقًا مِنَ الْفِضَّةِ، نَقَشَ عَلَيْهِ:
عُتَقَاءُ للهِ ﷿ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ.
ثُمَّ أَعْتَقَهُمْ جَمِيعًا …
وَفِي حَجَّةٍ ثَالِثَةٍ سَاقَ أَمَامَهُ أَلْفَ شَاةٍ - نَعَمْ أَلْفَ شَاةٍ - وَأَرَاقَ دَمَهَا كُلِّهَا فِي "مِنًى"، وَأَطْعَمَ بِلُحُومِهَا فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ تَقَرُّبًا للهِ ﷿.
* * *
وَبَعْدَ غَزْوَةِ "حُنَيْنٍ" سَأَلَ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْغَنَائِمِ فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ، حَتَّى بَلَغَ مَا أَخَذَهُ مِائَةَ بَعِيرٍ - وَكَانَ يَوْمَئِذٍ حَدِيثَ
_________________
(١) مكرمة قريش: يريد الدّار التي بقيت من آثار قريش.
(٢) هيهات: لقد بَعُدْتَ عن الصواب
[ ١ / ٣٤٢ ]
إِسْلَامِ - فَقَالَ لَهُ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ:
يَا حَكِيمُ:
(إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ (^١) …
فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ (^٢) بُورِكَ لَهُ فِيهِ …
وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ (^٣) لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ …
واليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى).
فَلَمَّا سَمِعَ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ ذَلِكَ مِنَ الرَّسُولِ ﵊ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَسْأَلُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا …
وَلَا أخُذُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا …
وَبَرَّ حَكِيمٌ بِقَسَمِهِ أَصْدَقَ الْبِرِّ.
فَفِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ دَعَاهُ الصِّدِّيقُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ لِأَخْذِ عَطَائِهِ (^٤) مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ …
وَلَمَا آلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الْفَارُوقِ دَعَاهُ إِلَى أَخْذِ عَطَائِهِ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا أَيْضًا …
فَقَامَ عُمَرُ فِي النَّاسِ وَقَالَ:
أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنِّي أَدْعُو حَكِيمًا إِلَى أَخْذِ عَطَائِهِ فَيَأْبَي.
_________________
(١) حلوة خضرة: حُلْوٌ محبَّبٌ للنفس.
(٢) بسخاوة نفس: بقناعة.
(٣) بإشراف نَفْس: بطمع.
(٤) لأخذ عطائه: لأخذ حقِّه من بيت المال.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وَظَلَّ حَكِيمٌ كَذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا حَتَّى فَارَقَ الْحَيَاةَ (*) …
_________________
(١) (*) للاستزادة من أخبار حَكيم بنِ حَزَامٍ انظر:
(٢) الاستيعاب "بهامش الإصابة": ١/ ٣٢٠.
(٣) الإصابة: ١/ ٣٤٩ أو "الترجمة" ١٨٠٠.
(٤) الملل والنحل: ١/ ٢٧.
(٥) الطبقات الكبرى: ١/ ٢٦.
(٦) سير أعلام النّبلاء: ٣/ ١٦٤.
(٧) زعماء الإسلام: ١٩٠ - ١٩٦.
(٨) حماة الإسلام: ١/ ١٢١.
(٩) تاريخ الخلفاء: ١٢٦.
(١٠) صفة الصّفوة: ١/ ٣١٩.
(١١) المعارف: ٢/ ٩ - ١٥.
(١٢) أسْدُ الغابة: ٢/ ٩ - ١٥.
(١٣) محاضرات الأدباء: ٤/ ٤٧٨.
(١٤) مروج الذّهب: ٢/ ٣٠٢.
[ ١ / ٣٤٤ ]