"صَاحِبُ رَايَةِ الْأَنْصَارِ فِي بَدْرٍ"
كَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ أَهَلَّ نُورُ النُّبُوَّةِ …
فَارِسًا مِنْ أَعَزِّ فُرْسَانِ يَثْرِبَ نَفَرًا …
وَأَعْلَاهُمْ سُلْطَانًا، وَأَعْرَضِهِمْ جَاهًا.
وَكَانَ فِي الذُّرْوَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ …
وَكَانَ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ فِي الذُّرْوَةِ مِنَ الْأَوْسِ (^١).
وَكَانَ فَتَى الْأَوْسِ وَسَيِّدَهَا؛ يَسْتَمِعُ إِلَى أَخْبَارِ الدَّاعِيَةِ الْمَكِّيِّ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ (^٢)؛ فَلَا يُعِيرُهَا كَثِيرًا مِنِ اهْتِمَامِهِ …
وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَلَّ فِي ضِيَافَةِ ابْنِ خَالَتِهِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، وَأَنَّهُمَا يَتَعَاوَنَانِ عَلَى بَثِّ الدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ الْجَدِيدِ فِي رُبُوعِ يَثْرِبَ؛ فَلَا يَعْتَرِضُ سَبِيلَهُمَا؛ رِعَايَةً لِحَقِّ ابْنِ خَالَتِهِ عَلَيْهِ.
* * *
وَبَيْنَمَا كَانَ سَيِّدُ الْأَوْسِ يَتَجَوَّلُ فِي ضَوَاحِي دِيَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ (^٣)، إِذْ رَأَى الدَّاعِيَةَ الْمَكِّيَّ وَمُضِيفَهُ فِي بُسْتَانٍ قَرِيبٍ مِنْ مَنَازِلِ قَوْمِهِ؛ يَسْتَرِيحَانِ فِي ظِلِّ نَخِيلِهِ، وَيَسْتَقِيَانِ مِنْ مَاءٍ بِئْرِهِ …
وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّينِ الْجَدِيدِ، وَطَفِقُوا يَسْأَلُونَ
_________________
(١) الأوس: قبيلة يمانية ارتحلت هي وأختها الخزرج إلى المدينة بعد خراب سد مأرب واستقرت فيها.
(٢) مصعب بن عمير: انظره ص ٣٨٩.
(٣) أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْر: انظره في الكتاب الثالث من "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.
[ ٢ / ٩٩ ]
مُصْعَبًا أَنْ يُفَقِّهَهُمْ فِي دِينِ اللهِ، وَأَنْ يُقْرِئَهُمْ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللهِ …
فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِ الْأَوْسِ، وَعَزَّ عَلَيْهِ أَنْ تَبْلُغَ الْجُرْأَةُ بِابْنِ خَالَتِهِ وَضَيْفِهِ حَدًّا؛ جَعَلَهُمَا يَجْهَرَانِ بِدِينِ مُحَمَّدٍ فِي عُقْرِ (^١) دَارِه.
فَقَالَ لِأُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ:
لَا أَبَا لَكَ (^٢) يَا أُسَيْدُ؛ انْطَلِقْ إِلَيْهِمَا وَانْظُرْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الْمَكِّيِّ الَّذِي أَتَى لِيَعِيبَ دِينَنَا، وَيَنْتَقِصَ مِنْ آلِهَتِنَا وَيَفْتِنَ ضُعَفَاءَنَا …
فَازْجُرْهُ عَنْ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْ دِيَارِنَا بَعْدَ الْيَوْمِ …
ثُمَّ أَرْدَفَ يَقُولُ:
وَلَوْلَا أَنَّ ابْنَ زُرَارَةَ هُوَ ابْنُ خَالَتِي، وَهُوَ مِنِّي حَيْثُ تَعْلَمُ؛ لَكَفَيْتُكَ ذَلِكَ، وَلَكَانَ لِي مَعَهُمَا شَأْنٌ آخَرُ.
* * *
أَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْر حَرْبَتَهُ، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ وَصَاحِبِهِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمَا …
فَابْتَدَرَهُ (^٣) مُصْعَبٌ بِوَجْهِهِ الطَّلْقِ، وَكَلِمَتِهِ اللَّيِّنَةِ، وَأَخَذَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام، وَطَفِقَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ مَا يَسْتَلِينُ الْقُلُوبَ الْقَاسِيَةَ، وَيَسْتَمِيلُ النُّفُوسَ النَّافِرَةَ، حَتَّى أَشْرَقَ وَجْهُهُ، وَانْبَسَطَتْ أَسَارِيرُهُ، وَقَالَ لِمُصْعَبٍ:
مَا أَعْذَبَ هَذَا الْكَلَامَ وَمَا أَحْسَنَهُ!!! …
كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ الْجَدِيدِ؟.
_________________
(١) في عقر دَاره: في وسط بيته.
(٢) لا أبَا لَك: كلمة تستعمل للذم والمدح، وهنا للذم.
(٣) فابتدره: أسرع إليه.
[ ٢ / ١٠٠ ]
قَالَ: تَغْتَسِلُ، وَتُطَهِّرُ ثَوْبَكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَتَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ للهِ … وَهَذَا الْمَاءُ مِنْكَ قَرِيبٌ.
فَقَامَ أُسَيْدٌ إِلَى الْمَاءِ مِنْ تَوِّهِ، فَاغْتَسَلَ، وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ للهِ، ثُمَّ قَالَ لِمُصْعَبٍ:
إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا إِنِ اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْسِلُهُ لَكُمَا الْآنَ؛ فَأَحْسِنَا التَّأْتِّيَ (^١) لَهُ …
* * *
عَادَ أُسَيْدٌ إِلَى نَادِي (^٢) الْقَوْمِ؛ فَلَمَّا رَآهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا؛ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ:
أَحْلِفُ بِاللهِ إِنَّ أُسَيْدًا جَاءَكُمْ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ …
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ وَقَالَ: مَا فَعَلْتَ يَا أُسَيْدُ؟!.
قَالَ: كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ - فَوَاللَّهِ - مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا …
فَنَهَضَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُغْضَبًا، وَأَخَذَ الْحَرْبَةَ مِنْ يَدِ أُسَيْدٍ، وَقَالَ:
وَاللهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ (^٣) شَيْئًا، وَلَئِنْ دَامَ الْأَمْرُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؛ لَأَجِدَنَّهُمَا غَدًا فِي دَارِي يَدْعُوَانِ زَوْجِي وَأَوْلَادِي؛ إِلَى تَرْكِ دِينِي وَدِينِ آبَائِي وَأَجْدَادِي.
* * *
تَوَجَّهَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ إِلَى حَيْثُ يَجْلِسُ مُصْعَبٌ وَصَاحِبُهُ …
فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ خَالَتِهِ سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ مُقْبِلًا، قَالَ لِمُصْعَبٍ:
_________________
(١) أحسنَا التّأني لَهُ: أحسنا عرض الأمر عليه.
(٢) النَّادِي: مجلسُ القوم ومُتَحَدَّثهُم.
(٣) مَا أَغْنَيْتَ شَيْئًا: ما كفيت شيئًا.
[ ٢ / ١٠١ ]
أَيْ مُصْعَبُ؛ لَقَدْ جَاءَكَ - وَاللهِ - سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَإِنَّهُ إِنْ يَتْبَعْكَ لَا يَتَخَلَّفْ عَنْكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ؛ فَانْظُرْ مَاذَا أَنْتَ فَاعِلٌ؟ …
فَمَا إِنْ بَلَغَهُمَا سَعْدٌ وَوَقَفَ عَلَيْهِمَا، حَتَّى اتَّجَهَ إِلَى ابْنِ خَالَتِهِ، وَبَادَرَهُ قَائِلًا:
يَا أَبَا أُمَامَةَ … أَمَا وَاللهِ - لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ - مَا طَمِعْتَ (^١) هَذَا مِنِّي … أَتَغْشَانَا (^٢) فِي دِيَارِنَا بِمَا نَكْرَهُ؟!!.
فَبَادَرَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ بِوَجْهِهِ الطَّلْقِ وَكَلِمَتِهِ الْحُلْوَةِ، وَقَالَ:
أَلَا تَقْعُدُ فَتَسْمَعَ؛ فَإِنْ رَضِيتَ مَا نَقُولُهُ وَرَغِبْتَ فِيهِ؛ قَبِلْتَ دَعْوَتَنَا … وَإِنْ كَرهْتَهُ تَحَوَّلْنَا عَنْكَ السَّاعَةَ …
فَاسْتَلانَ هَذَا الْكَلَامُ قَلْبَ سَعْدٍ، وَقَالَ:
وَاللهِ أَنْصَفْتَ … هَاتِ مَا عِنْدَكَ.
فَانْطَلَقَ مُصْعَبٌ؛ فَعَرَضَ الْإِسْلَامَ عَلَى سَعْدِ بْن مُعَاذٍ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ الْعَرْضُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرآنِ مَا خَشَعَ لَهُ قَلْبُهُ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ جَوَارِحُهُ (^٣)، وَسَبَحَتْ مَعَهُ رُوحُهُ.
فَمَا لَبِثَ أَنْ قَالَ لِمُصْعَبٍ:
كَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي هَذَا الْخَيْرِ؟ …
وَاللهِ! مَا سَمِعْتُ كَلَامًا أَبَرَّ وَلَا أَكْرَمَ مِنْ هَذَا الْكَلَام.
_________________
(١) مَا طَمِعْت: ما رَجَوْتَ وما حَرَصْتَ على.
(٢) أَتَغْشَانَا في ديارنا: أتحضر في ديارنا.
(٣) الجَوَارِح: الأعضاء.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وَلَمْ يَبْرَحْ سَيِّدُ الْأَوْسِ مَكَانَهُ؛ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَعْلَنَ كَلِمَةَ الْحَقِّ، وَانْضَمَّ إِلَى رَكْبِ الْإِيمَانِ.
* * *
أَخَذَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ حَرْبَتَهُ، وَعَادَ أَدْرَاجَهُ إِلَى نَادِي قَوْمِهِ …
فَلَمَّا رَأَوْهُ مُقْبِلًا؛ قَالُوا:
نَحْلِفُ بِاللهِ لَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ …
فَلَمَّا بَلَغَ النَّادِيَ قَالَ:
يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ؛ كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟.
قَالُوا: سَيِّدُنَا حَقًّا، وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَكْمَلُنَا عَقْلًا.
قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ؛ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ …
فَمَا أَمْسَى فِي دِيَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَل رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ؛ إِلَّا مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً …
* * *
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ انْتَقَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ أَوَّلُ مُبَشِّرِ بِالْإِسْلَامِ إِلَى مَنْزِلِ سَيِّدِ الْأَوْسِ سَعْدِ بْن مُعَاذٍ، وَاتَّخَذَ يَيْتَهُ مَوْئِلًا (^١) لِلدَّعْوَةِ …
حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ؛ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ مُسْلِمُونَ وَنِسَاءٌ مُسْلِمَاتٌ …
وَبِذَلِكَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ يَثْرِبَ فِي وُجُوهِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ …
_________________
(١) مَوْئِلًا: ملاذًا ومرجعًا.
[ ٢ / ١٠٣ ]
فَطَفِقُوا يَتَوَافَدُونَ عَلَيْهَا جَمَاعَاتٍ وَفُرَادَى …
وَيَجِدُونَ فِي رِحَابِهَا الْحِمَايَةَ وَالْأَمْنَ.
* * *
لَقَدْ كَانَ إِسْلَامُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ خَيْرًا لِلْإِسْلَامِ وَبَرَكَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ …
وَكَانَ لَهُ مِنْ جَلِيلِ الْمَوَاقِفِ فِي نُصْرَةِ الدَّعْوَةِ مَا مَلَأَ نَفْسَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ حُبًا لَهُ وَإِعْجَابًا بِهِ.
فَفِي يَوْمِ بَدْرٍ حِينَ خَرَجَ الرَّسُول ﷺ لِاعْتِرَاضِ عِيرِ قُرَيْشٍ؛ مَا لَبِثَ أَنْ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي مَوْقِفٍ حَرِجٍ …
ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا خَرَجُوا مَعَ النَّبِيّ ﷺ إِلَّا لِلاسْتِيلاء عَلَى قَافِلَةٍ لَا يَزِيدُ عَدَدُ حُمَاتِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ رَجُلًا …
ثُمَّ تَحَوَّلَ الْأَمْرُ فَجْأَةً إِلَى مُجَابَهَةٍ مَعَ جَيْشٍ لَجِبٍ؛ يَقُودُهُ الْعِنَادُ وَتُثِيرُهُ الْأَحْقَادُ، وَيَدْفَعُهُ التَّحَدِّي.
وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الرَّسُولِ الكَرِيم ﷺ إِلَّا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا … وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّخِذَ الْقَرَارَ الْحَاسِمَ …
فَإِمَّا أَنْ يَعُودَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ تَارِكًا جَيْشَ الْمُشْرِكِينَ يَجُوسُ (^١) خِلَالَ الدِّيَارِ وَيُبَاهِي بِقُوَّتِهِ أَمَامَ الْقَبَائِلِ الضَّارِبَةِ (^٢) بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ …
وَإِمَّا أَنْ يُنَازِلَ جَيْشَ الْمُشْرِكِينَ الْكَبِيرَ بِجَيْشِهِ الصَّغِيرِ.
وَكَانَ هَذَا الْقَرَارُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَوْقِفِ الْأَنْصَارِ …
ذَلِكَ لِأَنَّ جُلَّ جَيْشِهِ مِنْهُمْ …
_________________
(١) يَجُوس خلال الديار: يتجول في أرجاء الديار.
(٢) الضَّارِبَة: المقيمة.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وَهُمُ الَّذِينَ سَيَحْمِلُونَ عِبْءَ الْمَعْرَكَةِ عَلَى كَوَاهِلِهِمْ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ حِينَ بَايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ؛ تَعَهَّدُوا لَهُ بِحِمَايَتِهِ مِمَّا يَحْمُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ …
وَلَمْ يَعِدُوهُ بِالْقِتَالِ مَعَهُ خَارِجَ دِيَارِهِمْ.
عِنْدَ ذَلِكَ وَقَفَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَعْلَنَ فِي كَلِمَاتٍ حَاسِمَةٍ حَازِمَةٍ؛ عَزْمَ الْأَنْصَارِ عَلَى خَوْضِ الْمَعْرَكَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقَالَ:
"يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَاكَ …
وَأَعْطَيْنَاكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ …
فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ …
فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ؛ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ …
إِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ؛ صُدُقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ …
وَلَعَلَّ اللَّهَ يُرِيَكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ (^١) بِهِ عَيْنُكَ".
فَسُرَّ الرَّسُولُ ﷺ بِذَلِكَ أَشَدَّ السُّرُورِ وَأَعْظَمَهُ، وَعَقَدَ رَايَةَ الْأَنْصَارِ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَرَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ …
* * *
وَفِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ كَانَ لِسَعْدٍ مَوْقِفٌ مَشْهُودٌ …
ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ حِينَ رَأَى شِدَّةَ وَطْأَةِ الْأَحْزَابِ (^٢) عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ أَرَادَ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمْ.
_________________
(١) تَقَرُّ بِهِ عَيْنُك: تَسْعَدُ به وترضى.
(٢) الأحزَاب: الجماعات من الناس، وهم هنا جنود الكفار من قريش وغَطَفَان وبني قريظة وبهم سُمِّيت هذه الغزوة "غزوة الأحزاب".
[ ٢ / ١٠٥ ]
فَفَاوَضَ قَادَةَ غَطْفَانَ عَلَى إِعْطَائِهِمْ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ؛ إِذَا تَرَكُوا قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَرَضُوا بِذَلِكَ.
فَلَمَّا عَرَفَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مَا يَدُورُ بَيْنَ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ ﷺ وَغَطْفَانَ؛ أَقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﵇، وَقَالَ:
أَهَذَا أَمْرٌ تُحِبُّهُ؟ … فَنَصْنَعُهُ (^١) لَكَ.
أَمْ شَيْءٌ أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ؟ … فَنَسْمَعُ وَنُطِيعُ.
أم هُوَ أَمْرٌ تَصْنَعُهُ لَنَا؟ … لِتُخَفِّفَ عَنَّا.
فَقَالَ ﵇:
(بَلْ هُوَ أَمْرٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ …
وَوَاللَّهِ! مَا صَنَعْتُهُ إِلَّا لِأَنَّنِي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ (^٢) عَنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ).
فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ …
وَاللَّهِ! لَقَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ؛ فَمَا طَمِعُوا أَنْ يَنَالُوا مِنَّا ثَمَرَةً إِلَّا بِشِرَاءٍ أَوْ قِرًى (^٣) …
وَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِكَ؛ نُعْطِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِنَا؟! …
وَاللَّهِ! - يَا رَسُولَ اللَّهِ - مَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ … حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.
_________________
(١) نَصْنَعُهُ لك: نؤدِّيه لكَ.
(٢) قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ يَدٍ وَاحِدَة: أي تجمَّعَت على عداوتكم.
(٣) القِرى: إكرام الضيف.
[ ٢ / ١٠٦ ]
فَسُرَّ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ بِمَقَالَةِ سَعْدٍ، وَصَرَفَ الْأَمْرَ.
* * *
وَفِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ هَذَا؛ أُصِيبَ سَعْدٌ بِسَهْمٍ قَطَعَ أَكْحَلَهُ (^١)، وَأَوْرَدَهُ مَوَارِدَ الْمَوْتِ …
وَفِيمَا كَانَ فَتَى الْإِسْلَامِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يُحْتَضَرُ؛ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهِ، وَيُسَجِّيهِ (^٢) بِثَوْبٍ أَبْيَضَ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ فِي لَوْعَةٍ وَحُزْنٍ، وَيَقُولُ:
(اللَّهُمَّ إِنَّ سَعْدًا جَاهَدَ فِي سَبِيلِكَ …
وَصَدَّقَ رَسُولَكَ
وَقَضَى الَّذِي عَلَيْهِ …
فَتَقَبَّلْ رُوحَهُ بِخَيْرِ مَا تَقَبَّلْتَ بِهِ رُوحًا).
فَانْبَسَطَتْ أَسَارِيرُ سَعْدٍ وَهْوَ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ:
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَمَا إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ …
ثُمَّ فَاضَتْ رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ (*).
_________________
(١) الأكحل: عرق في وسط الذراع يكثر فصده، وهو عرق الحياة فإذا قطع في اليد لم يتوقف الدمُ.
(٢) يُسَجِّيه: يغطيه. (*) للاستزادة من أخبار سَعْدِ بْن مُعَاذ انظر:
(٣) الإصابة: ٢/ ٣٧ أو "الترجمة" ٣٢٠٤.
(٤) الاستيعاب بهامش الإصابة: ٢/ ٢٧.
(٥) الطبقات الكبرى: ٢/ ٧٧، ٣/ ٢٤١، ٤٢٧.
(٦) كنز العمال: ٧/ ٤٠.
(٧) مجمع الزوائد: ٩/ ٣٠٨.
(٨) أسد الغابة: ٢/ ٣٧٣.
(٩) صفة الصفوة: ١/ ٤٥٥.
(١٠) تهذيب التهذيب: ٣/ ٤٨١.
(١١) البداية والنهاية: ٣/ ١٥٢، ٤/ ١١٠، ١١٨.
[ ٢ / ١٠٧ ]