"يَرْحَمَ اللَّهُ ابْنَ رَوَاحَةَ؛ إِنَّهُ يُحِبُّ الْمَجَالِسَ الَّتِي تَتَبَاهَى بِهَا الْمَلَائِكَةُ"
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ]
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِينَّهُ
لَتَنْزِينَّ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ
مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ؟!
هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ (^١)
وَضَعَ هَذَا النَّشِيدُ الْمُلْتَهِبُ بِشَتَّى الْمَشَاعِرِ نِهَايَةً لِحَيَاةِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ عَبْدِ اللهِ بْن رَوَاحَةَ …
وَخَتَمَ آخِرَ فَصْلِ مِنْ فُصُولِ سِيرَتِهِ؛ الْحَافِلَةِ بِالْبُطُولَاتِ ..
الْغَنِيَّةِ بِالْمَآثِرِ وَالْمَفَاخِرِ …
الْمُشْرِقَةِ بِنُورِ التُّقَى وَأَلقِ الْعِبَادَةِ …
* * *
كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَوْمَ أَهَلَّ نُورُ النُّبُوَّةِ عَلَى مَكَّةَ؛ شَاعِرًا فَحْلًا (^٢) مِنْ شُعَرَاءِ يَثْرِبَ …
وَسَيَّدًا مَرْمُوقًا مِنْ سَادَاتِ الْخَزْرَجِ.
فَمَا إِنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الْهُدَى وَالْحَقِّ؛ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ.
_________________
(١) شَنَّة: قربة بالية من الجلد، والمراد: الرّحِم.
(٢) شَاعِرًا فَحْلًا: مجيدًا بارعًا.
[ ٢ / ٢١ ]
فَوَضَعَ سِنَانَهُ (^١) وَلِسَانَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ﷿.
وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ ﵊.
وَلَقَدْ نَافَحَ (^٢) عَنِ النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ بِشِعْرِهِ أَعْظَمَ الْمُنَافَحَةِ، وَأَقْوَاهَا …
وذَادَ (^٣) عَنْ دَعْوَتِهِ بِبَيَانِهِ أَصْدَقَ الذَّوْدِ وَأَنْجَعَهُ (^٤).
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَفِي صَاحِبَيْهِ: حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ (^٥)، وَكَعْبِ بْنِ مَالِكِ (^٦) الاسْتِثْنَاءَ الْخَاصَّ بِمُؤْمِنِي الشُّعَرَاءِ وَأَخْيَارِهِمْ.
فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ …﴾ (^٧).
ثُمَّ اسْتَثْنَى اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - كُلَّا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن رَوَاحَةَ وَصَاحِبَيْهِ.
فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِل:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾
_________________
(١) السِّنَان: نصل الرمح.
(٢) نَافح: دافع.
(٣) ذَاد: دافع عن.
(٤) أنجعه: أشده تأثيرًا.
(٥) حَسَّانَ بْنِ ثَابت: انظر طرفًا من أخباره في كتاب "شعر الدعوة في العصر النبوي" للمؤلف؛ الناشر دار الأدب الإسلامي.
(٦) كَعْبِ بْنِ مَالِك: انظره ص ٣٢١.
(٧) سورة الشعراء ٢٢٤ - ٢٢٦.
[ ٢ / ٢٢ ]
وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا …﴾ (^١).
فَهَلْ هُنَاكَ أَكْرَمُ كَرَامَةً، وَأَعَزُّ عِزًّا مِنْ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ فِي شَأْنِ امْرِئٍ قُرْآنًا …؟!.
وَأَنْ يُتْلَى نَعْتُهُ (^٢) الَّذِي نَعَتَهُ اللَّهُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَأَطْرَافَ النَّهَارِ؟!.
وَأَنْ تَسْتَمِرَّ تِلَاوَتُهُ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا؟!.
* * *
شَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ؛ أَكْرِمْ بِهَا مِنْ بَيْعَةٍ.
وَجَعَلَهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﵊ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ أَمْرَهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ …
فَنِعْمَ الْمُؤَمِّرُ، وَنِعْمَ الْأَمِيرُ.
وَمُنْذُ أَسْلَمَ فَتَى الْخَزْرَج؛ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
فَقَضَى جَمِيعَ عُمُرِهِ عَابِدًا مُجَاهِدًا …
قَوَّامًا بِاللَّيْلِ؛ صَوَّامًا بِالنَّهَارِ …
* * *
أَخْبَرَ عَنْهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ (^٣) ﵁، قَالَ:
لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ النَّبِيِّ ﵊ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ الشَّدِيد الْحَرِّ …
حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَضَعُ يَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِي الْقَوْمِ صَائِمٌ
_________________
(١) سورة الشعراء الآية ٢٢٧.
(٢) نَعْتُه: وَصْفُه.
(٣) أَبُو الدَّرْدَاء انظره في الكتاب الثالث "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.
[ ٢ / ٢٣ ]
إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ …
وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ …
* * *
وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ رَوَاحَةَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بَدْرًا … وَأُحدًا … وَالْخَنْدَقَ … وَالْحُدَيْبِيَّةَ … وَخَيْبَرَ …
فَأَكْرِمْ بِهَا مِنْ أَيَّامٍ … وَأَعْظِمْ بِهَا مِنْ مَوَاقِفَ.
* * *
وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ؛ بَعَثَ الرَّسُولُ ﵊ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ لِلقَاءِ الرُّومِ، وَاخْتِبَارِ أَمْرِهِمْ.
وَقَدْ أَمَّرَ عَلَى الْجَيْش مَوْلَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ (^١)، وَقَالَ:
(إِنْ قُتِلَ أَوْ أُصِيبَ زَيْدٌ، فَقَائِدُ الْجَيْشِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (^٢) … فَإِنْ قُتِلَ أَوْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ؛ فَقَائِدُ الْجَيْشِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ … فَإِنْ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ أَوْ أُصِيبَ؛ فَلْيَخْتَرِ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ يَجْعَلُونَهُ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ).
* * *
وَلَمَّا هَمَّ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ بِمُغَادَرَةِ الْمَدِينَةِ؛ جَعَلَ النَّاسُ يُوَدِّعُونَ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةٌ، وَيَخُصُّونَ الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ أَمْرَهُمُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَلَى الْجَيْشِ.
فَلَمَّا وَدَّعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ؛ جَعَلَ يَبْكِي.
_________________
(١) زَيْدَ بْنَ حَارِثَة انظره: في الكتاب الثالث "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.
(٢) جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِب انظره: في الكتاب الرابع "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.
[ ٢ / ٢٤ ]
فَقَالُوا: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ؟!.
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا يُبْكِينِي حُبُّ الدُّنْيَا …
وَلَكِنِّي سَمِعْتُ الرَّسُولَ ﵊ يَقْرَأُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يَذْكُرُ فِيهَا النَّارَ؛ حَيْثُ يَقُولُ ﷿:
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (^١).
فَأَيْقَنْتُ بِالْوُرُودِ (^٢)، وَلَكِنِّي لَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بَعْدَهُ بِالصَّدَرِ (^٣)؟!.
* * *
وَلَمَّا تَحَرَّكَ الْجَيْشُ؛ قَالَ الْمُسْلِمُونَ:
صَحِبَكُمُ اللَّهُ، وَدَفَعَ عَنْكُمْ، وَرَدَّكُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ.
فَمَا إِنْ سَمِعَ دُعَاءَهُمْ بِأَنْ يُرَدُّوا إِلَى أَهْلِيهِمْ؛ حَتَّى أَنْشَأَ يَقُولُ:
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً … وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْعِ (^٤) تَقْذِفُ الزَّبَدَا (^٥)
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانَ (^٦) مُجْهِزَةً (^٧) … بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا
حَتَّى يُقَالَ إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي (^٨): … أَرْشَدَهُ اللَّهُ مِنْ غَازٍ، وَقَدْ رَشَدَا
* * *
_________________
(١) سورة مريم ٧١.
(٢) الورود: المرور بالنار.
(٣) الصَّدر: الرجوع.
(٤) ضربة ذات فرع: ضربة شديدة.
(٥) تقذف الزبدا: تقذف الدم قذفًا من شدتها.
(٦) حرَّان: متعطش للدماء.
(٧) مجهزة: قاضية مميتة.
(٨) جَدَثِي: قَبْري.
[ ٢ / ٢٥ ]
وَلَمَّا فَصَلَ الْجَيْشُ عَنِ الْمَدِينَةِ كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ يُرْدِفُ (^١) وَرَاءَهُ فَتًى يَتِيمًا يَعِيشُ فِي حِجْرِهِ؛ هُوَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ …
فَسَمِعَهُ الْفَتَى يُخَاطِبُ نَاقَتَهُ قَائِلًا:
إِذَا أَدَّيْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي … مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ
فَشَأْنَكِ؛ فَانْعَمِي، وَخَلَاكِ ذَمٌّ (^٢) … وَلَا أَرْجِعْ إِلَى أَهْلِي وَرَائِي
فَطَفِقَ الْفَتَى يَبْكِي لِقَوْلِهِ …
فَخَفَقَهُ (^٣) ابْنُ رَوَاحَةَ بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ:
مَا عَلَيْكَ - يَا لُكَعُ (^٤) - أَنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ الشَّهَادَةَ …
وَتَرْجِعَ أَنْتَ عَلَى رَحْلِي هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ؟!.
* * *
وَلَمَّا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ أَرْضَ "مَعَانَ" فِي الْأُرْدُنِّ؛ عَرَفُوا أَنَّ مَلِكَ الرُّوم قَدْ نَزَلَ فِى مِنْطَقَةِ "الْبَلْقَاءِ" غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْهُمْ.
وَمَعَهُ مِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلِ مِنَ الرُّومِ …
وَمَعَهُمْ مِثْلُهُمْ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ مِنْ قَبَائِلِ لَحْمٍ، وَجُذَامٍ، وَقُضَاعَةَ، وَغَيْرِهَا …
* * *
_________________
(١) يردف وراءه: يركب خلفه.
(٢) خَلَاكِ ذَمّ: أي لا لوم عليك.
(٣) خَفَقَهُ بِالدِّرَّة: ضربه بها ضربًا خفيفًا، والدرة: أداة يضرب بها.
(٤) يا لكع: يا أحمق.
[ ٢ / ٢٦ ]
أَقَامَ الْمُسْلِمُونَ فِي "مَعَانَ" لَيْلَتَيْنِ.
وَطَفِقُوا يُوَازِنُونَ بَيْنَ عَدَدِهِمُ الْقَلِيلِ، وَعَدَدِ عَدُوِّهِمُ الْكَثِيرِ، وَقَالُوا:
نَكْتُبُ إِلَى الرَّسُولِ ﵊، وَنُوقِفُهُ (^١) عَلَى الْأَمْرِ، ثُمَّ نَمْضِي إِلَى مَا يَأْمُرُنَا بِهِ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
يَا قَوْمُ؛ إِنَّ الَّتِي تَطْلُبُونَ (^٢) قَدْ أَدْرَكْتُمُوهَا …
وَنَحْنُ مَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدٍ، وَلَا قُوَّةٍ …
وَإِنَّمَا نُقَاتِلُهُمْ بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِهِ …
فَانْطَلِقُوا؛ فَهْيَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ …
إِمَّا النَّصْرُ …
وَإِمَّا الشَّهَادَةُ …
فَاسْتَجَابَ الْجَيْشُ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ، وَشَرَعَ يُعِدُّ الْعُدَّةَ لِلقَاءِ الْعَدُوِّ.
وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي؛ نَهَدَ (^٣) الْآلَافُ الثَّلَاثَةُ لِلقَاءِ مِائَتَيْ أَلْفٍ …
وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ عِنْدَ قَرْيَةِ "مُؤْتَةَ".
* * *
كَانَ يَتَقَدَّمُ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَهُوَ حَامِلٌ لِوَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَمَا زَالَ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ؛ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ.
_________________
(١) نُوقِفُهُ عَلَى الْأَمْرِ: نُعْلِمه به.
(٢) يعني الشَّهادة.
(٣) نَهَد: خرج وأسرع.
[ ٢ / ٢٧ ]
وَرِمَاحُ الرُّومِ تَنْهَلُ (^١) مِنْ صَدْرِهِ …
فَتَنَاوَلَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؛ أَخُو عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَصِنْوُهُ (^٢) فِي الشَّجَاعَةِ وَالْبَأْسِ.
وَخَاضَ الْمَعْرَكَةَ كَمَا لَمْ يَخُضْهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ …
فَلَمَّا حَمِيَ الْوَطِيسُ (^٣)، وَاشْتَدَّتْ وَطْأَةُ الرُّومِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ … وَثَبَ عَنْ فَرَسِهِ …
وَعَفَرَ (^٤) قَوَائِمَهَا بِسَيْفِهِ … وَأَوْغَلَ فِي صُفُوفِ الرُّومِ، وَهْوَ يُنْشِدُ:
يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا
طَيِّبَةً وَبَارِدًا شَرَابُهَا
وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا
كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا
عَلَيَّ إِذْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا
ثُمَّ انْدَفَعَ يَجُولُ بِسَيْفِهِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً؛ حَتَّى قُطِعَتْ يَمِينُهُ … فَتَنَاوَلَ الرَّايَةَ بِشِمَالِهِ، وَمَضَى يُقَاتِلُ؛ حَتَّى قُطِعَتْ شِمَالُهُ … فَأَخَذَ الرَّايَةَ بِصَدْرِهِ وَعَضُدَيْهِ (^٥)، ثُمَّ مَا زَالَ يُجَالِدُ حَتَّى قُتِلَ …
* * *
_________________
(١) تنهل: تشرب.
(٢) صنوه: مثيله.
(٣) حمي الوطيس: اشتدت الحرب.
(٤) عَقَرَ قَوَائِمَهَا: ضرب أرجلها بسيفه.
(٥) العَضُد: ما بين المِرْفق والكتف.
[ ٢ / ٢٨ ]
عِنْدَ ذَلِكَ؛ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَتَنَاوَلَ الرَّايَةَ بَعْدَ أَنْ رَأَى مَصْرَعَ صَاحِبَيْهِ عَنْ كَثَبٍ.
فَجَعَلَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ قَائِلًا:
يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي
هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ (^١)
وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ
إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سَلَفَيْهِ الشَّهِيدَيْنِ وَهُمَا مُضَرْجَانِ بِدِمَائِهِمَا …
فَهَابَتْ نَفْسُهُ الْمَوْقِفَ بَعْضَ الْهَيْبَةِ …
وَتَرَدَّدَتْ بَعْضَ التَّرَدُّدِ
فَأَهَابَ (^٢) بِهَا قَائِلًا:
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ
لَتَنْزِينَّ أَوْ لَتُكْرِهِنَّهْ
مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ
هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ في شَنَّهْ
ثُمَّ حَمَلَ الرَّايَةَ، وَنَزَلَ إِلَى سَاحِ الْوَغَى (^٣) …
وَهُنَا جَاءَهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ بِعَظْمٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّحْمِ، وَقَالَ لَهُ:
_________________
(١) صليت: تعرضت.
(٢) فَأَهَابَ بِهَا: صاح بها وحَمّسها.
(٣) سَاح الْوغَى: ساحة الحرب.
[ ٢ / ٢٩ ]
شُدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ؛ فَأَنْتَ لَمْ تَطْعَمْ شَيْئًا مُنْذُ ثَلَاثٍ …
فَأَخَذَ الْعَظْمَ مِنْ يَدِهِ، وَنَهَسَ (^١) مِنْهُ نَهْسَةٌ بِأَطْرَافِ أَسْنَانِهِ.
غَيْرَ أَنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ رَأَى مَصَارِعَ الْمُسْلِمِينَ أَمَامَهُ؛ فَقَالَ:
بِئْسَ الرَّجُلُ أَنْتَ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ.
يَقَعُ هَذَا كُلُّهُ، وَأَنْتَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ.
ثُمَّ أَلْقَى الْعَظْمَ مِنْ يَدِهِ …
وَجَرَّدَ سَيْفَهُ …
وَأَوْغَلَ (^٢) فِي صُفُوفِ الرُّومِ لَا يَلْوِي (^٣) عَلَى شَيْءٍ …
ثُمَّ إِنَّهُ مَا زَالَ يُقَاتِلُ حَتَّى هَوَى شَهِيدًا.
* * *
رَحِمَ اللَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، وَصَدَقَ رَسُولُهُ الْكَرِيمُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ …
فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْمَجَالِسَ الَّتِي تَتَبَاهَى بِهَا الْمَلَائِكَةُ … (*).
_________________
(١) النَّهْس: تناول اللحم أو غيره من غير تمكن.
(٢) أوغل في صفوف الروم: دخل بعيدًا في صفوفهم.
(٣) لَا يلوي عَلَى شَيْء: لا يقف عند شيء ولا ينتظر. (*) للاستزَاذة من أخبار عَبْد اللَّهِ بْنِ رَوَاحَة انظر:
(٤) حلية الأولياء: ١/ ١١٨.
(٥) أسد الغابة: ٣/ ٢٣٤.
(٦) السيرة لابن هشام "انظر الفهارس".
(٧) الإصابة: ٢/ ٣٠٦ أو "الترجمة" ٤٦٧٦.
(٨) الاستيعاب بهامش الإصابة: ٢/ ٢٩٣.
[ ٢ / ٣٠ ]