حَبْرُ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ
"إِنَّهُ فَتَى الْكُهُولِ، لَهُ لِسَانٌ سَؤُولٌ، وَقَلْبٌ عَقُولٌ"
[عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
هَذَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ مَلَكَ الْمَجْدَ مِنْ أَطْرَافِهِ، فَمَا فَاتَهُ مِنْهُ شَيْءٌ:
فَقَدِ اجْتَمَعَ لَهُ مَجْدُ الصُّحْبَةِ، وَلَوْ تَأَخَّرَ مِيلَادُهُ قَلِيلًا لَمَا شَرْفَ بِصُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَمَجْدُ الْقَرَابَةِ، فَهُوَ ابْنُ عَمِّ نَبِيٍّ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَمَجْدُ الْعِلْمِ، فَهُوَ حَبْرُ (^١) أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ وَبَحْرُ عِلْمِهَا الزَّاخِرُ.
وَمَجْدُ التُّقَى، فَقَدْ كَانَ صَوَّامًا بِالنَّهَارِ قَوَّامًا بِاللَّيْلِ، مُسْتَغْفِرًا بِالْأَسْحَارِ، بَكَّاءً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى خَدَّدَ (^٢) الدَّمْعُ خَدَّيْهِ.
إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَبَّانِيُّ (^٣) أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ، وَأَعْلَمُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَفْقَهُهَا بِتَأْوِيلِهِ، وَأَقْدَرُهَا عَلَى النُّفُوذِ إِلَى أَغْوَارِهِ، وَإِدْرَاكِ مَرَامِيهِ وَأَسْرَارِهِ.
* * *
وُلِدَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، كَانَ لَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَطْ … وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ حَفِظَ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ نَبِيِّهِمْ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَسِتِّينَ حَدِيثًا أَثْبَتَهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
* * *
_________________
(١) الْحَبْرُ: الْعالم المتبحر في الْعلم.
(٢) خدد الدّمع خديه: حفر الدّمع خديه.
(٣) الرّباني: الْعالم الْعارف بالله.
[ ١ / ١٧٣ ]
وَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ حَمَلَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَنَّكَهُ (^١) بِرِيقِهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ النَّبِيِّ الْمُبَارَكُ الطَّاهِرُ، وَدَخَلَتْ مَعَهُ التَّقْوَى وَالْحِكْمَةُ …
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (^٢).
* * *
وَمَا إِنْ حُلَّتْ عَنِ الْغُلَامِ "الْهَاشِمِيِّ" تَمَائِمُهُ، وَدَخَلَ سِنَّ التَّمْيِيزِ (^٣) حَتَّى لَازَمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُلَازَمَةَ الْعَيْنِ لِأُخْتِهَا.
فَكَان يُعِدُّ لَهُ مَاءَ وُضُوئِهِ إِذَا هَمَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ.
وَيُصَلِّي خَلْفَهُ إِذَا وَقَفَ لِلصَّلَاةِ.
وَيَكُونُ رَدِيفَهُ (^٤) إِذَا عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ.
حَتَّى غَدَا لَهُ كَظِلِّهِ يَسِيرُ مَعَهُ أَنَّى سَارَ، وَيَدُورُ فِي فَلَكِهِ كَيْفَمَا دَارَ.
وَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَحْمِلُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَلْبًا وَاعِيًا، وَذِهْنًا صَافِيًا، وَحَافِظَةً دُونَهَا كُلُّ آلَاتِ التَّسْجِيلِ الَّتِي عَرَفَهَا الْعَصْرُ الْحَدِيثُ.
* * *
حَدَّثَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ:
هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِالْوُضُوءِ ذَاتَ مَرَّةٍ؛ فَمَا أَسْرَعَ أَنْ أَعْدَدْتُ لَهُ الْمَاءَ، فَسُرَّ بِمَا صَنَعْتُ …
وَلَمَّا هَمَّ بِالصَّلَاةِ أَشَارَ إِلَيَّ: أَنْ أَقِفَ بِإِزَائِهِ (^٥)، فَوَقَفْتُ خَلْفَهُ.
فَلَمَّا انْتَهَتِ الصَّلَاةُ مَالَ عَلَيَّ وَقَالَ:
(مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكُونَ بِإِزَائِي يَا عَبْدَ اللَّهِ؟!).
_________________
(١) حنكه: دلَّك حلقه بريقه قبل أن يرضع.
(٢) سورة البقرة: آية ٢٦٩.
(٣) سن التّمييز: هُوَ سن السّابعة، وقيل غير ذلك.
(٤) رديف الرّجل: من يركب خلفه.
(٥) بإزائه: بجانبه.
[ ١ / ١٧٤ ]
فَقُلْتُ: أَنْتَ أَجَلُّ فِي عَيْنِي وَأَعَزُّ مِنْ أَنْ أُوَازِيَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ آتِهِ الْحِكْمَةَ) (^١).
وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ ﵊ فَآتَى الْغُلَامَ الْهَاشِمِيَّ مِنَ الْحِكْمَةِ مَا فَاقَ بِهِ أَسَاطِينَ (^٢) الْحُكَمَاءِ.
وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّكَ تَوَدُّ أَنْ تَقِفَ عَلَى صُورَةٍ مِن صُوَرِ حِكْمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ … فَإِلَيْكَ (^٣) هَذَا الْمَوْقِفَ، فَفِيهِ بَعْضٌ مِمَّا تُرِيدُ:
* * *
لَمَّا اعْتَزَلَ (^٤) بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَخَذَلُوهُ فِي نِزَاعِهِ مَعَ مُعَاوِيَةَ ﵄، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لِعَلِيٍّ ﵁:
ائْذَنْ لِي، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ آتِيَ الْقَوْمَ وَأُكَلِّمَهُمْ.
فَقَالَ: إِنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ مِنْهُمْ.
فَقَالَ: كَلَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَرَ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا (^٥) مِنْهُمْ فِي الْعِبَادَةِ.
فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا بْنَ عَبَّاسٍ … مَا جَاءَ بِكَ؟!
فَقَالَ: جِئْتُ أُحَدِّثُكُمْ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُحَدِّثُوهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُلْ نَسْمَعْ مِنْكَ.
_________________
(١) ورد أصل هذا الخبر في الْبخاري، ومسلم، ومسند الْإمام أحمد بن حنبل.
(٢) أساطين الْحكماء: أكابر الْحكماء والْمتفردون منهم.
(٣) إليك: خُذْ.
(٤) اعتزل بعضُ أصحاب عَلِيّ: تخلوا عن عَلِيٍّ وتركوه.
(٥) اجتهادًا في العبادة: إكثارًا من الْعبادة وعكوفًا عَلَيْهَا.
[ ١ / ١٧٥ ]
فَقَالَ: أَخْبِرُونِي مَا تَنْقِمُونَ (^١) عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، وَزَوْجِ ابْنَتِهِ، وَأَوَّلِ مَنْ آمَنَ بِهِ؟!.
قَالُوا: نَنْقِمُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ.
قَالَ: وَمَا هِيَ؟!
قَالُوا: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ حَكَمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللهِ (^٢) …
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ قَاتَلَ عَائِشَةَ وَمُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَأْخُذْ غَنَائِمَ وَلَا سَبَايَا …
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ مَحَا عَنْ نَفْسِهِ لَقَبَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ بَايَعُوهُ وَأَمَّرُوهُ.
فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْمَعْتُكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَحَدَّثْتُكُمْ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ مَا لَا تُنْكِرُونَهُ، أَفَتَرْجِعُونَ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ؟.
قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَاللَّهُ ﷾ يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣).
أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ (^٤)، أَفَحُكُمُ الرِّجَالِ فِي حَقْنِ (^٥) دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَصَلَاحٍ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَحَقُّ، أم حُكْمُهُمْ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِرْهَمٍ؟!.
فَقَالُوا: بَلْ فِي حَقْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ.
_________________
(١) ما تنقمون عَلَى ابن عمّ رَسُول الله: ما تأخذون عَلَيْهِ، وما تنكرون من فعله.
(٢) يشيرون بذلك إلى قبول عَلِيّ بأن يحكم بينه وبين معاوية كُلُّ من أبي مُوسَى الْأَشعري وعَمْرو بن الْعَاص.
(٣) سورة الْمائدة: آية ٩٥.
(٤) أنشدكم الله: أستحلفكم بالله.
(٥) حقن دمائهم: صون دمائهم.
[ ١ / ١٧٦ ]
فَقَالَ: أَخَرَجْنَا (^١) مِنْ هَذِهِ؟
قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ عَلِيًّا قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ (^٢) كَمَا سَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ. أَفَكُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْبُوا أُمَّكُمْ عَائِشَةَ وَتَسْتَحِلُّونَهَا كَمَا تُسْتَحَلُّ السَّبَايَا؟! … فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ؛ فَقَدْ كَفَرْتُمْ … وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِأُمِّكُمْ كَفَرْتُمْ أَيْضًا؛ فَاللَّهُ ﷾ يَقُولُ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (^٣).
فَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ مَا شِئْتُمْ.
ثُمَّ قَالَ: أَخَرَجْنَا مِنْ هَذِهِ أَيْضًا؟
قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ عَلِيًّا قَدْ مَحَا عَنْ نَفْسِهِ لَقَبَ إِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ طَلَبَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ "الْحُدَيْبِيَّةِ" أَنْ يَكْتُبُوا فِي الصُّلْحِ الَّذِي عَقَدَهُ مَعَهُمْ "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" قَالُوا: لَوْ كُنَّا نُؤْمِنَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَن الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ"، فَنَزَلَ عِنْدَ طَلَبِهِمْ وَهُوَ يَقُولُ:
(وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي). فَهَلْ خَرَجْنَا مِنْ هَذِهِ؟
فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
وَكَانَ مِنْ ثَمَرَةٍ هَذَا اللِّقَاءِ، وَمَا أَظْهَرَهُ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ مِنْ حِكْمَةٍ
_________________
(١) أخرَجْنا من هذه؟: هل انْتَهَيْنَا من هذه؟.
(٢) لم يَسْبِ: لم يأخذ سبايا، والسّبايا: النّساء اللّواتي يؤسرن في الْحرب.
(٣) سورة الأَحزاب: آية ٦.
[ ١ / ١٧٧ ]
بَالِغَةٍ وَحُجَّةٍ دَامِغَةٍ أَنْ عَادَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا إِلَى صُفُوفِ عَلِيٍّ، وَأَصَرَّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ عَلَى خُصُومَتِهِمْ لَهُ عِنَادًا وَإِعْرَاضًا عَنِ الْحَقِّ.
* * *
وَقَدْ سَلَكَ الْفَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى الْعِلْمِ كُلَّ سَبِيلٍ، وَبَذَلَ مِنْ أَجْلِ تَحْصِيلِهِ كُلَّ جُهْدٍ.
فَقَدْ ظَلَّ يَنْهَلُ (^١) مِنْ مَعِينِ (^٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ، فَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِجِوَارِ رَبِّهِ اتَّجَهَ إِلَى الْبَقِيَّةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَطَفِقَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ وَيَتَلَقَّى عَنْهُمْ. حَدَّثَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ:
كَانَ إِذَا بَلَغَنِي الْحَدِيثُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَتَيْتُ بَابَ بَيْتِهِ فِي وَقْتِ قَيْلُولَتِهِ (^٣) وَتَوَسَّدْتُ رِدَائِي عِنْدَ عَتَبَةِ دَارِهِ، فَيَسْفِي (^٤) عَلَيَّ الرِّيحُ مِنَ التُّرَابِ مَا يَسْفِي، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَسْتَأْذِنَ عَلَيْهِ لأَذِنَ لِي …
وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ لِأُطَيِّبَ نَفْسَهُ.
فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ رَآنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَقَالَ:
يَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكَ؟! … هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟.
فَأَقُولُ: أَنَا أَحَقُّ بِالْمَجِيءٍ إِلَيْكَ، فَالْعِلْمُ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي، ثُمَّ أَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ.
* * *
وَكَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُذِلُّ نَفْسَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ؛ فَقَدْ كَانَ يُعْلِي مِنْ قَدْرِ الْعُلَمَاءِ. فَهَا هُوَ ذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (^٥) كَاتِبُ الْوَحْيَ وَرَأْسُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْقَضَاءِ وَالْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْفَرَائِضِ (^٦) يَهِمُّ بِرُكُوبِ دَابَّتِهِ فَيَقِفُ الْفَتَى
_________________
(١) ينهل: يشرب.
(٢) الْمعين: الْماء الْجاري.
(٣) قيلولته: وقت نومه في منتصف النَهار.
(٤) تسفي الرّيح التّراب: تذروه وتحمله إليه.
(٥) زيد بن ثابت: انظره ص ٣٥١.
(٦) الْفرائض: عِلْم قسمة التّركة عَلَى مستحقيها.
[ ١ / ١٧٨ ]
"الْهَاشِمِيُّ" عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وِقْفَةَ الْعَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ، وَيُمْسِكُ لَهُ رِكَابَهُ، وَيَأْخُذُ بِزِمَامِ دَابَّتِهِ.
فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: دَعْ عَنْكَ يَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا.
فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: أَرِنِي يَدَكَ …
فَأَخْرَجَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَدَهُ، فَمَالَ عَلَيْهَا وَقَبَّلَهَا وَقَالَ:
هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا.
* * *
وَقَدْ دَأَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّى بَلَغَ فِيهِ مَبْلَغَا أَدْهَشَ الْفُحُولَ … فَقَالَ فِيهِ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ (^١):
كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قُلْتُ: أَجْمَلُ النَّاسِ ..
فَإِذَا نَطَقَ قُلْتُ: أَفْصَحُ النَّاسِ …
فَإِذَا تَحَدَّثَ قُلْتُ: أَعْلَمُ النَّاسِ.
* **
وَلَمَّا اكْتَمَلَ لابْنِ عَبَّاسٍ مَا طَمَحَ إِلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ تَحَوَّلَ إِلَى مُعَلِّمٍ يُعَلِّمُ النَّاسَ، فَأَصَبَحَ بَيْتُهُ جَامِعَةً لِلْمُسْلِمِينَ …
نَعَمْ أَصْبَحَ جَامِعَةً بِكُلِّ مَا تَعْنِيهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي عَصْرِنَا الْحَدِيثِ …
وَكُلُّ مَا بَيْنَ جَامِعَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَامِعَاتِنَا مِنْ فَرْقٍ، هُوَ أَنَّ جَامِعَاتِ الْيَوْمِ يُحْشَدُ فِيهَا عَشَرَاتُ الأَسَاتِذَةِ، وَأَحْيَانًا الْمِئَاتُ … أمَّا جَامِعَة ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ
_________________
(١) التَّابعون: هم الرّعيل الأول بعد صَحابة النَّبي ﷺ، وقد قسمهم علماء الحديث إِلَى طبقات، أولهم من لحِقَ الْعشرةَ المبشرين بالجنة وآخرهم من لَقِيَ صغار الصَّحَابة أو من تأخرت وفاتهم … انظر كتاب "صور من حياة التَّابعين" للمؤلف، النّاشر دار الأدب الإسلامي.
[ ١ / ١٧٩ ]
قَامَتْ عَلَى أَكْتَافِ أُسْتَاذٍ وَاحِدٍ، هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَفْسُهُ.
رَوَى أَحَدُ أَصْحَابِهِ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَجْلِسًا لَوْ أَنَّ جَمِيعَ قُرَيْشٍ افْتَخَرَتْ بِهِ لَكَانَ لَهَا مَفْخَرَةً … فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا فِي الطُّرْقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى ضَاقَتْ بِهِمْ، وَسَدُّوهَا فِي وُجُوهِ النَّاسِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ بِاحْتِشَادِ النَّاسِ عَلَى بَابِهِ، فَقَالَ: ضَعْ لِي وَضُوءًا (^١) … فَتَوَضَّأَ وَجَلَسَ، وَقَالَ:
اُخْرُجْ وَقُلْ لَهُمْ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْقُرْآنِ وَحُرُوفِهِ فَلْيَدْخُلْ … فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ، فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا عَنْهُ وَأَكْثَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:
أَفْسِحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكُمْ، فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ لِي: أُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَتَأْوِيلِهِ فَلْيَدْخُلْ … فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ.
فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا عَنْهُ وَأَكْثَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:
أَفْسِحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكُمْ، فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ لِي: أُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْفِقْهِ فَلْيَدْخُلْ … فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ، فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:
أَفْسِحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكُمْ، فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ لِي: اُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْفَرَائِضِ وَمَا أَشْبَهَهَا
_________________
(١) الْوضوء بفتح الْواو: الماء الذي يُتَوَضَّأَ به.
[ ١ / ١٨٠ ]
فَلْيَدْخُلْ … فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ، فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَفْسِحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكُمْ، فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ لِي: اُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ وَغَرِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ فَلْيَدْخُلْ … فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ.
قَالَ رَاوِي الْخَبَرِ: فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشًا فَخَرَتْ بِذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ لَهَا فَخْرًا.
* * *
وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ رَأَى أَنْ يُوَزِّعَ الْعُلُومَ عَلَى الْأَيَّامِ حَتَّى لَا يَحْدُتَ عَلَى بَابِهِ مِثْلُ ذَلِكَ الزِّحَامِ …
فَصَارَ يَجْلِسُ فِي الْأَسْبُوعِ يَوْمًا لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا التَّفْسِيرُ.
وَيَوْمًا لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا الْفِقْهُ.
ويَوْمًا لَا تُذكَرُ فِيهِ إِلَّا الْمَغَازِي (^١).
وَيَوْمًا لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا الشِّعْرُ.
وَيَوْمًا لَا تُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا أَيَّامُ الْعَرَبِ.
وَمَا جَلَسَ إِلَيْهِ عَالِمٌ قَطُّ إِلَّا خَضَعَ لَهُ ..
وَمَا سَأَلَهُ سَائِلٌ قَطُّ إِلَّا وَجَدَ عِنْدَهُ عِلْمًا.
* * *
وَقَدْ غَدًا ابْنُ عَبَّاسٍ، بِفَضْلِ عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ، مُسْتَشَارًا لِلْخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ عَلَى الرَّغْم مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ.
_________________
(١) الْمغازي: غزوات رَسُول الله ﷺ.
[ ١ / ١٨١ ]
فَكَانَ إِذَا عَرَضَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمْرٌ أَوْ وَاجَهَتْهُ مُعْضِلَةٌ (^١) دَعَا جِلَّةَ (^٢) الصَّحَابَةِ وَدَعَا مَعَهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَإِذَا حَضَرَ رَفَعَ مَنْزِلَتَهُ وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ وَقَالَ لَهُ:
لَقَدْ أَعْضَلَ عَلَيْنَا أَمْرٌ أَنْتَ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ.
وَقَدْ عُوتِبَ مَرَّةً فِي تَقْدِيمِهِ لَهُ وَجَعْلِهِ مَعَ الشُّيُوخِ، وَهُوَ مَا زَالَ فَتًى، فَقَالَ:
إِنَّهُ فَتَى الْكُهُولِ، لَهُ لِسَانٌ سَؤُولٌ وَقَلْبٌ عَقُولٌ.
* * *
عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حِينَ انْصَرَفَ إِلَى الْخَاصَّةِ لِيُعَلِّمَهُمْ وَيُفَقِّهَهُمْ، لَمْ يَنْسَ حَقَّ الْعَامَّةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَعْقِدُ لَهُمْ مَجَالِسَ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ.
فَمِنْ مَوَاعِظِهِ قَوْلُهُ مُخَاطِبًا أَصْحَابَ الذُّنُوبِ:
يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ لَا تَأْمَنْ عَاقِبَةَ ذَنْبِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَتْبَعُ الذَّنْبَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ نَفْسِهِ.
فَإِنَّ عَدَمَ اسْتِحْيَائِكَ مِمَّنْ عَلَى يَمِينِكَ وَعَلَى شِمَالِكَ وَأَنْتَ تَقْتَرِفُ (^٣) الذَّنْبَ لَا يَقِلُّ عَن الذَّنْبِ.
وَإِنَّ ضَحِكَكَ عِنْدَ الذَّنْبِ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ.
وَإِنَّ فَرَحَكَ بِالذَّنْبِ إِذَا ظَفِرْتَ بِهِ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ.
_________________
(١) الْمعضلة: الْمشكلة الصّعبة.
(٢) حِلّة الصّحابة: شيوخ الصّحابة ومتقدموهم.
(٣) تقترف الذَّنب: ترتكب الذّنب.
[ ١ / ١٨٢ ]
وَإِنَّ حُزْنَكَ عَلَى الذَّنْبِ إِذَا فَاتَكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ.
وَإِنَّ خَوْفَكَ مِنَ الرِّيحِ إِذَا حَرَّكَتْ سِتْرَكَ، وَأَنْتَ تَرْتَكِبُ الذَّنْبَ مَعَ كَوْنِكَ لَا يَضْطَرِبُ فُؤَادُكَ مِنْ نَظَرِ اللَّهِ إِلَيْكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ.
يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ: أَتَدْرِي مَا كَانَ ذَنْبُ أَيُّوبَ ﵇ حِينَ ابْتَلَاهُ اللَّهُ ﷿ بِجَسَدِهِ وَمَالِهِ؟ …
إِنَّمَا كَانَ ذَنْبُهُ أَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِ مِسْكِينٌ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ فَلَمْ يُعِنْهُ.
* * *
وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَنْهَوْنَ النَّاسَ وَلَا يَنْتَهُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ صَوَّامَ نَهَارٍ قَوَّامَ لَيْلٍ.
أَخْبَرَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ:
صَحِبْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ.
وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَقْرَأُ:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (^١).
فَظَلَّ يُكَرِّرُهَا وَيَنْشِجُ (^٢) حَتَّى طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ.
وَحَسْبُنَا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ جَمَالًا، وَأَصْبَحِهِمْ وَجْهًا، فَمَا زَالَ يَبْكِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى خَدَّدَ الدَّمْعُ الْهَتُونُ (^٣) خَدَّيْهِ الْأَسِيلَيْنِ (^٤).
* * *
_________________
(١) سورة ق: آية.١٩.
(٢) ينشج: يبكي بصوت عالٍ.
(٣) الدّمع الْهتون: الدّمع الْمتصبب بغزارة.
(٤) خديه الأسيلين: خديه الْمستويين النّاعمين.
[ ١ / ١٨٣ ]
وَقَدْ بَلَغَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ مَجْدِ الْعِلْمِ غَايَتَهُ.
ذَلِكَ أَنَّ خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانٍ خَرَجَ ذَاتَ سَنَةٍ حَاجًّا …
وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ حَاجًا أَيْضًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صَوْلَةٌ وَلَا إِمَارَةٌ.
فَكَانَ لِمُعَاوِيَةَ مَوْكِبٌ مِنْ رِجَالِ دَوْلَتِهِ.
وَكَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَوْكِبٌ يَفُوقُ مَوْكِبَ الْخَلِيفَةِ مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ.
* **
عُمِّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً مَلأَ فِيهَا الدُّنْيَا عِلْمًا وَفَهُمًا وَحِكْمَةً وَتُقًى.
فَلَمَّا أَتَاهُ الْيَقِينُ (^١) صَلَّى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّة (^٢).
وَالْبَقِيَّةُ الْبَاقِيَةُ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجِلَّةُ التَّابِعِينَ …
وَفِيمَا كَانُوا يُوَارُونَهُ تُرَابَهُ، سَمِعُوا قَارئًا يَقْرَأُ:
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (^٣) (*).
_________________
(١) الْيقين: الْموت.
(٢) مُحَمَّد ابن الْحنفية: هُوَ مُحَمَّد بن عَلَيَّ بن أبي طَالِب، وقد نُسب لأُمِّه لتمييزه من الْحسن والْحسين، لأن أُمَّهُمَا فاطمة بنت النَّبِي ﷺ وَأُمّ مُحَمَّد امرأة من بني حنيفة انظره في كتاب "صور من حياة التَّابعين" للمؤلف، النّاشر دار الأدب الْإسلامي.
(٣) سورة الْفجر: من الآية ٢٧ الآية ٢٧ - ٣٠. (*) للاستزادة من أخبار عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ انظر:
(٤) جامع الأصول: "الْجزء الْعاشر باب فضائل الصّحابة".
(٥) الْإصابة: ٢/ ٣٣٠ أو "التّرجمة" ٤٧٨١.
(٦) الاستيعاب "بهامش الْإصابة": ٢/ ٣٥٠.
(٧) أَسْدُ الْغابة: ٣/ ٢٩٠.
(٨) صفة الصّفوة "الطّبعة الْحلبية": ١/ ٧٤٦.
(٩) حياة الصّحابة: "انظر الْفهارس فِي الْجزء الرّابع".
(١٠) الأعلام ومراجعه.
[ ١ / ١٨٤ ]