"إِنَّ تَارِيخَ النُّبُوَّاتِ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا أَصْهَرَ إِلَى نَبِيٍّ مَرَّتَيْنِ سِوَى عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ ﵁ وَأَرْضَاهُ"
إِنَّهُ ذُو النُّورَيْنِ …
وَصَاحِبُ الْهِجْرَتَيْنِ …
وَزَوْجُ الابْنَتَيْنِ …
عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ﵁ وَأَرْضَاهُ.
* * *
كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الذُّرْوَةِ (^١) مِنْ قَوْمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَرِيضُ (^٢) الْجَاهِ.
وَافِرُ الثَّرَاءِ (^٣) … سَابِغُ (^٤) النِّعْمَةِ …
جَمُّ (^٥) التَّوَاضُعِ … شَدِيدُ الْحَيَاء …
فَأَحَبَّهُ قَوْمُهُ أَشَدَّ الْحُبِّ وَأَصْدَقَهُ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تُرَقِّصُ صَبِيَّهَا الصَّغِيرَ وَتَقُولُ:
أُحِبُّكَ وَالرَّحْمَانْ
حُبَّ قُرَيْشٍ لِعُثْمَانْ
_________________
(١) الذّروة: المقام الرّفيع في قومه.
(٢) عريض الجاه: ذو قدر عظيم.
(٣) وافر الثّراء: كثير المال.
(٤) سابغ النعمة: تام النّعمة كاملها.
(٥) جَمٌّ: كثير التّواضع.
[ ١ / ٥٣٥ ]
وَلَمَّا أَهَلَّ (^١) الْإِسْلَامُ بِنُورِهِ عَلَى مَكَّةَ كَانَ عُثْمَانُ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الاِسْتِضَاءَةِ بِمِشْكَاتِهِ (^٢) …
* * *
وَلإِسْلَامِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قِصَّةٌ مَا زَالَ يَرْوِيهَا الرُّوَاةُ.
ذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ بَلَغَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَوَّجَ ابْنَتَهُ رُقَيَّةَ مِنَ ابْنِ عَمِّهَا عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ …
نَدِمَ أَشَدَّ النَّدَم لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقُ إِلَيْهَا …
وَلَمْ يَحْظَ بِخُلُقِهَا الرَّفِيعِ وَبَيْتِهَا الْعَرِيقِ (^٣) …
فَدَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ مَهْمُومًا.
فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ خَالَتَهُ "سُعْدَى بِنْتَ كُرَيْزٍ"، وَكَانَتْ هَذِهِ امْرَأَةً حَازِمَةً، عَاقِلَةً، طَاعِنَةً (^٤) فِي السِّنِّ؛ فَسَرَّتْ (^٥) عَنْهُ …
وَبَشَّرَتْهُ بِظُهُورِ نَبِيٍّ يُبْطِلُ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ (^٦) …
وَيَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ الْوَاحِدِ الدَّيَّانِ (^٧) …
وَرَغَّبَتْهُ فِي دِينِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَبَشَّرَتْهُ بِأَنَّهُ سَيَنَالُ عِنْدَهُ مَا يَبْتَغِيهِ.
قَالَ عُثْمَانُ: فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا أُفَكِّرُ فِيمَا قَالَتْهُ خَالَتِي …
فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، وَحَدَّثْتُهُ بِمَا أَخْبَرَتْنِي بِهِ، فَقَالَ:
وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَتْ خَالَتُكَ، فِيمَا أَخْبَرَتْكَ، وَبَشَّرَتْكَ بِالْخَيْرِ يَا عُثْمَانُ …
_________________
(١) أَهَلَّ: ابتدأ كما يبدأ الشهر بظهور الهلال.
(٢) المشكاة: ما يوضع عليه المصباح.
(٣) بيتها العريق: أي كريمة الآباء والأجداد.
(٤) طَاعِنَة في السّن: متقدمة في السّن.
(٥) سرَّت عنه: كشفت عنه الهم.
(٦) الْأوْثَان: الأصنام.
(٧) الدَّيَّان: اسم من أسماء الله ﷿، وهو المحاسب والمجازي.
[ ١ / ٥٣٦ ]
وَإِنَّكَ لَرَجُلٌ عَاقِلٌ حَازِمٌ (^١) مَا يَخْفَى عَلَيْكَ الْحَقُّ، وَلَا يَشْتَبِهُ عِنْدَكَ مَعَ الْبَاطِلِ … ثُمَّ قَالَ لي:
مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي يَعْبُدُهَا قَوْمُنَا؟! ..
أَلَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةٍ صُمٍّ (^٢) لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ؟.
فَقُلْتُ: بَلَى.
فَقَالَ: وَإِنَّ مَا قَالَتْهُ خَالَتُكَ - يَا عُثْمَانُ - قَدْ تَحَقَّقَ …
فَلَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ الْمُرْتَقَبَ (^٣)، وَبَعَثَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ.
فَقُلْتُ: وَمَنْ هُوَ؟!.
فَقَالَ: إِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
فَقُلْتُ: الصَّادِقُ الْأَمِينُ (^٤)؟.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَعَمْ … إِنَّهُ هُوَ …
فَقُلْتُ: فَهَلْ لَكَ أَنْ تَصْحَبَنِي إِلَيْهِ؟
فَقَالَ: نَعَمْ … وَمَضَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﵊.
فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: (أَجِبْ يَا عُثْمَانُ دَاعِيَ الله …
فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً، وَإِلَى خَلْقِ اللَّهِ عَامَّةً …).
قَالَ عُثْمَانُ: فَوَاللَّهِ مَا إِنْ مَلأْتُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَسَمِعْتُ مَقَالَتَهُ؛ حَتَّى اسْتَرَحْتُ لَهُ، وَصَدَّقْتُ رِسَالَتَهُ …
_________________
(١) حازم حكيم قاطع في الرّأي صائب.
(٢) صُم: لا تسمع من يدعوها.
(٣) الْمُرْتَقَب: المنتظر.
(٤) الصَّادِق الأمين: لقب شُهِر به محمد ﷺ قبل أن يبعث.
[ ١ / ٥٣٧ ]
ثُمَّ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ … وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
* * *
لَمْ يُؤْمِنْ بِالرَّسُولِ ﵊ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي "هَاشِمٍ" حَتَّى ذَلِكَ الْيَوْم …
غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ يُنَاصِبُهُ (^١) الْعَدَاءَ غَيْرُ عَمِّهِ "أَبِي لَهَبٍ" (^٢).
فَقَدْ كَانَ هُوَ وَزَوْجُهُ "أُمُّ جَمِيلٍ" مِنْ أَشَدِّ قُرَيْشٍ قَسْوَةً عَلَيْهِ، وَأَعْنَفِهِمْ إيذاءً لَهُ، وَتَنْكِيلًا (^٣) به … فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَفِي امْرَأَتِهِ:
﴿تَبَّتْ (^٤) يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (^٥)﴾ (^٦).
فَازْدَادَ أَبُو لَهَب ضَغِينَةً (^٧) عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَاشْتَدَّ حِقْدُهُ وَحِقْدُ زَوْجَتِهِ أُمِّ جَمِيلٍ عَلَيْهِ؛ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ، فَأَمَرَا ابْنَهُمَا "عُتْبَةَ" بِأَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ رُقَيَّةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﵊ فَطَلَّقَهَا نِكَايَةً (^٨) بِأَبِيهَا.
* * *
مَا كَادَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَسْمَعُ بِخَبَرِ طَلَاقِ رُقَيَّةَ حَتَّى اسْتَطَارَ (^٩) فَرَحًا … وَبَادَرَ فَخَطَبَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊؛ فَزَوَّجَهَا الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مِنْهُ.
وَزَفَّتْهَا (^١٠) أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ …
_________________
(١) يناصبه الْعَدَاء: يعلن العدواة ضده.
(٢) أبو لهب: هو عبد العزى بن عبد المطلب مات عَلَى الكفر بعد غزوة بَدْر.
(٣) تنكيلًا به: يجعله عظة لغيره.
(٤) تَبَّتْ: هلكت وخسرت.
(٥) مَسَدٍ: القوي من الحبال.
(٦) سورة المسد.
(٧) الضّغينة: الحقد والحسد وإضمار الكراهية في الصدور.
(٨) نكاية: إغاظةً له وقهرًا.
(٩) استطار فرحًا: كاد يطير من شدة الفرح.
(١٠) زفَّتْهَا: قدمتها إلى زوجها.
[ ١ / ٥٣٨ ]
وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ مِنْ أَبْهَى قُرَيْشٍ طَلْعَةً (^١)، وَكَانَتْ هِيَ تُضَاهِيهِ قَسَامَةً (^٢) وَصَبَاحَةً، فَكَانَ يُقَالُ لَهَا حِينَ زُفَّتْ إِلَيْهِ:
أَحْسَنُ زَوْجَيْنِ رَآهُمَا إِنْسَانْ
رُقَيَّةٌ، وَزَوْجُهَا عُثْمَانْ
* * *
لَمْ يَسْلَمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - عَلَى الرَّغْمِ مِنْ سَابِقِ فَضْلِهِ، وَسَابِغِ (^٣) مَعْرُوفِهِ - مِنْ أَذَى قَوْمِهِ حِينَ أَسْلَمَ.
فَلَقَدْ عَزَّ عَلَى عَمِّهِ "الْحَكَم" أَنْ يَصْبَأَ (^٤) فَتَى بَنِي "عَبْدِ شَمْسٍ" عَنْ دِينِ قُرَيْشٍ … وَكَبُرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ …
فَتَصَدَّى (^٥) لَهُ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ أَعْنَفَ التَّصَدِّي وَأَقْسَاهُ …
وَأَخَذَهُ، وَشَدَّ عَلَيْهِ الْوِثَاقَ (^٦) وَقَالَ:
أَوَ تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ، وَتَدْخُلُ فِي دِينِ مُحْدَثٍ (^٧)؟!
وَاللَّهِ لَا أَدَعُكَ حَتَّى تَنْبُذَ (^٨) مَا أَنْتَ عَلَيْهِ …
فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ لَا أَدَعُ دِينِي أَبَدًا، وَلَا أُفَارِقُ نَبِيِّي مَا امْتَدَّتْ بِيَ الْحَيَاةُ …
فَمَا زَالَ عَمُّهُ "الْحَكَمُ" يُنَكِّلُ بِهِ.
وَمَا زَالَ هُوَ يَشْتَدُّ صَلَابَةً فِي دِينِهِ، وَاسْتِمْسَاكًا بِعَقِيدَتِهِ حَتَّى يَئِسَ عَمُّهُ مِنْهُ، وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ، وَكَفَّ عَنْهُ.
_________________
(١) الطَّلْعَة: ملامح الْوجه.
(٢) تضاهيه قَسَامَة: تشبهه في حُسن تقاسيم الوجه وملامحه.
(٣) السابع: الكثير.
(٤) يَصْبأ: يترك دينه إلى دين آخر.
(٥) تَصَدَّى له: توجه له لمقاومته.
(٦) الوثاق: القيد والحبل.
(٧) دين مُحْدَث: دين جديد حديث.
(٨) تَنْبُذ: تترك.
[ ١ / ٥٣٩ ]
لَكِنَّ قُرَيْشًا ظَلَّتْ تُضْمِرُ لَهُ الْعَدَاوَةَ، وَتُلْحِقُ بِهِ الْأَذَى؛ حَتَّى حَمَلَتْهُ (^١) عَلَى الْفِرَارِ بِدِينِهِ، وَمُفَارَقَةِ نَبِيِّهِ ﵊.
فَكَانَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ هِجْرَةً إِلَى "الْحَبَشَةِ" هُوَ وَزَوْجُهُ رُقَيَّةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا … وَلَمَّا أَزِفَ (^٢) رَحِيلُهُمَا وَدَّعَهُمَا الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
(صَحِبَ اللَّهُ عُثْمَانَ وَزَوْجَهُ رُقَيَّةَ …
صَحِبَ اللَّهُ عُثْمَانَ وَزَوْجَهُ رُقَيَّةَ …
إِنَّ عُثْمَانَ لأَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ بَعْدَ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ).
* * *
لَمْ يُطِلْ عُثْمَانُ وَزَوْجُهُ الْمُكْثَ (^٣) فِي "الْحَبَشَةِ" كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ وَبِرْقَيَّةَ الشَّوْقُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَالْحَنِينُ إِلَى مَكَّةَ …
فَعَادَا إِلَيْهَا، وَلَبِثَا (^٤) فِيهَا إِلَى أَنْ أَذِنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَانْطَلَقَا مَعَ الْمُهَاجِرِينَ.
* * *
شَهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مَعَ الرَّسُولِ ﵊ مَشَاهِدَهُ (^٥) كُلَّهَا، وَحَضَرَ مَعَهُ غَزَوَاتِهِ جَمِيعَهَا …
وَلَمْ يُحْرَمْ مِنْ غَزْوَةٍ غَيْرِ غَزْوَةِ "بَدْرٍ" …
فَقَدْ شُغِلَ عَنْهَا بِتَمْرِيضِ (^٦) زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا.
_________________
(١) حَمَلته عَلَى الفرار: دفعته على الهروب.
(٢) أزف: حان.
(٣) الْمُكْث: البقاء.
(٤) لَبِثا: استقرا.
(٥) مشاهده: غزواته وحروبه.
(٦) تمريض زوجته: رعايتها أثناء المرض.
[ ١ / ٥٤٠ ]
وَلَمَّا عَادَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ مِنْ "بَدْرٍ"؛ وَجَدَ رُقَيَّةَ قَدْ لَحِقَتْ بِجِوَارِ رَبِّهَا فَحَزِنَ عَلَيْهَا أَشَدَّ الْحُزْنِ …
وَوَاسَى (^١) عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَلَى مُصَابِهِ بِهَا أَكْرَمَ الْمُوَاسَاةِ؛ فَعَدَّهُ مِنْ أَهْلِ "بَدْرٍ" …
وَأَسْهَمَ (^٢) لَهُ فِي غَنِيمَتِهَا، وَزَوَّجَهُ مِنِ ابْنَتِهِ الثَّانِيَةِ أُمِّ كُلْثُومٍ …
فَدَعَاهُ النَّاسُ "ذَا النُّورَيْنِ".
وَكَانَ زَوَاجُهُ الثَّانِي مِنِ ابْنَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، مَنْقَبَةً (^٣) لَمْ يَظْفَرُ بِهَا زَوْجٌ سِوَاهُ.
ذَلِكَ أَنَّ تَارِيخَ النُّبُوَّاتِ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا أَصْهَرَ (^٤) إِلَى نَبِيٍّ مَرَّتَيْنِ سِوَى عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ ﵁ وَأَرْضَاهُ.
* * *
وَلَقَدْ كَانَ إِسْلَامُ عُثْمَانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ … وَأَجْزَلِ (^٥) الْخَيْرِ الَّذِي أَمَدَّ بِهِ الْإِسْلَامَ.
فَمَا مَسَّ الْمُسْلِمِينَ ضُرٌّ إِلَّا كَانَ عُثْمَانُ أَوَّلَ مَنْ وَاسَاهُمْ (^٦) فِيهِ …
وَلَا نَزَلَ بِالْإِسْلَامِ خَطْبٌ (^٧) إِلَّا كَانَ ابْنُ عَفَّانَ طَلِيعَةَ كَاشِفِيهِ (^٨) …
* * *
مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ لَمَّا عَزَمَ عَلَى غَزْوَةِ" تَبُوكَ" (^٩) كَانَتْ حَاجَتُهُ إِلَى الْمَالِ، لَا تَقِلُّ عَنْ حَاجَتِهِ إِلَى الرِّجَالِ.
_________________
(١) واسَى: عزَّاه.
(٢) وأسْهم له: جعل له نصيبًا من غنائم بدر.
(٣) مَنْقَبَة: فضيلة.
(٤) أصْهَر إليه: تزوج ابنته.
(٥) أجْزَل: أكثر.
(٦) واساهم: أعانهم وساعدهم.
(٧) الْخَطْب: المصيبة.
(٨) طَلِيعَة كَاشِفيه: في أول من يكشف هذه المصيبة.
(٩) غَزْوَة تَبُوك: غزوة النّبي ضد الرّوم، وكانت تسمى "غزوة العسرة".
[ ١ / ٥٤١ ]
فَجَيْشُ الرُّومِ كَثِيرُ الْعَدَدِ، وَافِرُ الْعُدَدِ وَهُوَ يُقَاتِلُ عَلَى أَرْضِهِ.
أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَكَانَتْ رِحْلَتُهُمْ طَوِيلَةً …
وَمَئُونَتُهُمْ قَلِيلَةً.
وَرَوَاحِلُهُمْ (^١) أَقَلَّ ..
وَكَانُوا يُعَانُونَ مِنْ جَدْبٍ (^٢) قَلَّمَا أُصِيبَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ بِمِثْلِهِ.
فَاضْطُرَّ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى رَدِّ نَفَرٍ كَبِيرٍ مِنْهُمْ عَنِ الْجِهَادِ … وَحِرْمَانِهِمْ مِنَ الاِسْتِشْهَادِ …
لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ رَاحِلَةً تَحْمِلُهُمْ.
فَتَوَلَّوْا (^٣)، وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ …
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ صَعِدَ الرَّسُولُ ﵊ الْمِنْبَرَ، وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ … ثُمَّ طَفِقَ يَحُضُّ (^٤) الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْبَذْلِ … وَيُمَنِّيهِمْ (^٥) بِعَظِيمِ الْأَجْرِ.
فَوَقَفَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَقَالَ:
عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا (^٦) وَأَقْتَابِهَا (^٧) يَا رَسُولَ اللَّهِ …
فَنَزَلَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ عَنِ الْمِنْبَرِ دَرَجَةً؛ غَيْرَ أَنَّهُ وَقَفَ يَحُضُّ النَّاسَ عَلَى الْبَذْلِ مِنْ جَدِيدٍ؛ فَنَهَضَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ثَانِيَةً وَقَالَ:
_________________
(١) الرّواحِل: الرّكائب التي يحتاج إليها المسافرون والرّاحلة واحدة الرّواحل.
(٢) جَدْب: قلة الزّرع، وعدم المطر.
(٣) تَوَلَّوا: عادوا من حيث جاءوا.
(٤) طَفِقَ يحض: أخذ يحث.
(٥) يُمَنِّيهِمْ: يجعلهم يؤملون ويتمنون الأجر العظيم.
(٦) الْأَحلاس: كُلُّ مَا يوضَعُ عَلَى ظهر الدّابَّة تحت الرِّحَال والسُّروج.
(٧) الأقتاب: هي الرّحل الذي يوضع على الدابة.
[ ١ / ٥٤٢ ]
عَلَيَّ مِائَهُ بَعِيرٍ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ …
فَتَهَلَّل (^١) وَجْهُ الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ سُرُورًا وَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ دَرَجَةً.
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ وَقَفَ وَجَعَلَ يَحُضُّ النَّاسَ عَلَى الْبَذْلِ كَرَّةً (^٢) أُخْرَى، فَنَهَضَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ثَالِثَةً وَقَالَ:
عَلَيَّ مِائَهُ بَعِيرٍ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ …
عِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الرَّسُولُ ﵊ يُشِيرُ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ رِضًا عَمَّا صَنَعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَيَقُولُ:
(مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْم …
مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ
* * *
ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا كَادَ يَنْزِلُ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى انْطَلَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى بَيْتِهِ.
وَبَعَثَ إِلَيْهِ مَعَ النُّوقِ أَلْفَ دِينَارٍ ذَهَبًا …
فَلَمَّا صُبَّتِ الدَّنَانِيرُ فِي حِجْرِ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ … جَعَلَ يُقَلِّبُهَا بِيَدَيْهِ الطَّاهِرَتَيْنِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَبَطْنًا لِظَهْرٍ (^٣)، وَهُوَ يَقُولُ:
(غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا عُثْمَانُ مَا أَسْرَرْتَ، وَمَا أَعْلَنْتَ …
وَمَا كَانَ مِنْكَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ …
_________________
(١) تَهَلَّل: استبشر فرحًا.
(٢) كرة أخرى: مرة أخرى.
(٣) ظَهْرًا لبطن، وبطنًا لظهر: يعني على كل الوجوه.
[ ١ / ٥٤٣ ]
إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ).
* * *
وَفِي خِلَافَةِ الْفَارُوقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ مُجْدِبَةٌ أَهْلَكَتِ الزَّرْعَ وَالضَّرْعَ (^١) حَتَّى دُعِيَ عَامُهَا لِشِدَّةِ قَحْطِهِ بِعَامِ الرَّمَادَةِ (^٢).
ثُمَّ إِنَّ الْكَرْبَ مَا فَتِئَ يَشْتَدُّ عَلَى النَّاسِ حَتَّى بَلَغَتِ الْأَرْوَاحُ الْحَنَاجِرَ (^٣) … فَأَقْبَلُوا ذَاتَ صَبَاحٍ عَلَى عُمَرَ وَقَالُوا:
يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّ السَّمَاءَ لَمْ تُمْطِرْ، وَإِنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُنْبِتُ … وَقَدْ أَشْفَى (^٤) النَّاسُ عَلَى الْهَلَاكِ …
فَمَا نَصْنَعُ؟!.
فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ بِوَجْهٍ عَصَرَهُ الْهَمُّ عَصْرًا وَقَالَ:
اصْبِرُوا، وَاحْتَسِبُوا (^٥) …
فَإِنِّي أَرْجُو أَلَّا تُمْسُوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْكُمْ.
فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ؛ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ عِيرًا (^٦) لِعُثْمَانَ بْن عَفَّانَ جَاءَتْ مِنَ الشَّامِ، وَأَنَّهَا سَتَصِلُ الْمَدِينَةَ عِنْدَ الصَّبَاحِ.
فَمَا إِنْ قُضِيَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ حَتَّى هَبَّ (^٧) النَّاسُ يَسْتَقْبِلُونَ الْعِيرَ جَمَاعَةً إِثْرَ جَمَاعَةٍ …
_________________
(١) الضَّرع: كناية عن الماشية.
(٢) عام الرَّمادة: عام أجدبت فيه الأرض حتى صار لونها كالرّماد، وجاع الناس، فسمي عام الرّمادة.
(٣) بلغت الأرواح الحناجر: كناية عن شدة الضّيق.
(٤) أَشْفَى النّاسِ عَلَى الهلاك: قاربوا على الهلاك.
(٥) احتسب الشّيء: نوى به وجه الله.
(٦) العِير: القافلة.
(٧) هبَّ النَّاس: نهضوا وبادروا.
[ ١ / ٥٤٤ ]
وَانْطَلَقَ التُّجَّارُ يَتَلَقَّوْنَهَا؛ فَإِذَا هِيَ أَلْفُ بعِيرٍ قَدْ وُسِقَتْ (^١) بُرًّا … وَزَيْتًا … وَزَبِيبًا …
* * *
أَنَاخَتِ الْعِيرُ (^٢) بِبَابِ عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَطَفِقَ الْعِلْمَانُ يُنْزِلُونَ عَنْهَا أَحْمَالَهَا …
فَدَخَلَ التُّجَّارُ عَلَى عُثْمَانَ وَقَالُوا:
بِعْنَا مَا وَصَلَ إِلَيْكَ يَا أَبَا عَمْرٍو.
فَقَالَ: حُبًّا وَكَرَامَةً (^٣) وَلَكِنْ كَمْ تُرْبِحُونَنِي عَلَى شِرَائِي؟
فَقَالُوا: نُعْطِيكَ بِالدِّرْهَم دِرْهَمَيْنِ.
فَقَالَ: أُعْطِيتُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا … فَزَادُوا لَهُ …
فَقَالَ: أُعْطِيتُ أَكْثَرَ مِمَّا زِدْتُمُوهُ … فَزَادُوا لَهُ …
فَقَالَ: أُعْطِيتُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا …
فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو، لَيْسَ فِي الْمَدِينَةِ تُجَّارٌ غَيْرُنَا.
وَمَا سَبَقَنَا إِلَيْكَ أَحَدٌ … فَمَنِ الَّذِي أَعْطَاكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْنَا؟!
فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي بِكُلِّ دِرْهَمٍ عَشَرَةً (^٤) …
فَهَلْ عِنْدَكُمْ زِيَادَةٌ؟.
قَالُوا: لَا يَا أَبَا عَمْرٍو …
_________________
(١) وُسِقَت: حملت.
(٢) أَنَاخَتْ العير: بركت الجمال.
(٣) حُبًّا وكرامة: قبلت قولكم بكل الحب والتكريم.
(٤) أعطاني بكل درهم عشرة: أي ضاعف الله ربحي عشر مرات.
[ ١ / ٥٤٥ ]
فَقَالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ تَعَالَى أَنِّي جَعَلْتُ مَا حَمَلَتْ هَذِهِ الْعِيرُ صَدَقَةً عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ … لَا أَبْتَغِي مِنْ أَحَدٍ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا …
وَإِنَّمَا أَبْتَغِي ثَوَابَ اللَّهِ وَرِضَاهُ.
* * *
وَلَمَّا آلَتِ (^١) الْخِلَافَةُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ "أَرْمِينِيَّةَ" وَالْقُوقَازَ" …
وَنَصَرَ الْمُسْلِمِينَ وَسَوَّدَهُمْ عَلَى "خُرَاسَانَ"، وَكَرْمَانَ"، وَ"سِجِسْتَانَ"، وَ"قُبْرُسَ" (^٢) وَطَرَفٍ غَيْرِ قَلِيلٍ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ.
وَلَقِيَ النَّاسُ فِي عَهْدِهِ مِنَ الثَّرَاءِ (^٣) مَا لَمْ يَحْظُ (^٤) بِهِ شَعْبٌ عَلَى ظَهْرِ الأرض.
* * *
حَدَّثَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (^٥) ﵁ عَمَّا نَعِمَ بِهِ النَّاسُ فِي عَهْدِ ذِي النُّورَيْنِ مِنَ الرَّخَاءِ وَبُلَهْنِيَةِ (^٦) العَيْشِ …
وَمَا غُمِرُوا (^٧) بِهِ مِنَ الْهَنَاءَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَقَالَ:
رَأَيْتُ مُنَادِيَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ يُنَادِي قَائِلًا:
أَيُّهَا النَّاسُ اغْدُوا عَلَى أُعْطِيَاتِكُمْ (^٨).
فَكَانَ النَّاسُ يَغْدُونَ عَلَيْهَا، وَيَأْخُذُونَهَا وَافِيَةً …
_________________
(١) آلت الخلافة إلَى فلان: صارت إليه وتولاها.
(٢) قُبرس: جزيرة في البحر المتوسط.
(٣) الثَّراء: الغنى.
(٤) يحظ به: يفز به.
(٥) الْحَسَن الْبَصْرِي: انظره في كتاب "صور من حياة التَّابعين" للمؤلف.
(٦) بُلَهْنِيَة الْعَيْش: الرّفاهية والرّخاء.
(٧) غُمروا: فازوا به.
(٨) اغدوا عَلَى أعطياتكم: هلموا إلى العطايا التي تستحقونها.
[ ١ / ٥٤٦ ]
أَيُّهَا النَّاسُ أَقْبِلُوا عَلَى أَرْزَاقِكُمْ (^١).
فَكَانُوا يُقْبِلُونَ عَلَيْهَا، فَيُعْطَوْنَهَا غَزِيرَةً وَفِيرَةً (^٢).
وَلَقَدْ سَمِعَتْهُ - وَاللَّهِ - أُذُنَايَ وَهُوَ يَقُولُ:
اغْدُوا عَلَى كِسْوَتِكُمْ.
فَكَانُوا يَأْخُذُونَ الْحُلَلَ السَّابِغَةَ (^٣)، وَكَانَ يَقُولُ:
هَلُمُّوا عَلَى السَّمْنِ وَالْعَسَل أَيْضًا.
وَلَا غَرْوَ فَلَقَدْ كَانَتِ الْأَرْزَاقُ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ دَارَّةً (^٤) …
وَكَانَ الْخَيْرُ كَثِيرًا …
وَذَاتُ الْبَيْنِ (^٥) سَعِيدَةً، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ يَخَافُ مُؤْمِنًا، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُسْلِمُ يَأْلَفُ الْمُسْلِمَ، وَيَوَادُّهُ، وَيَنْصُرُهُ.
* * *
لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ إِذَا شَبِعُوا بَطِرُوا (^٦) …
وَإِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَفَرُوا …
فَعَتَبَ هَؤُلَاءِ عَلَى عُثْمَانَ أُمُورًا؛ لَوْ فَعَلَهَا غَيْرُهُ مَا عَتَبُوهَا عَلَيْهِ …
ولَمْ يَكْتَفِ هَؤُلَاءِ بِالْعَتْبِ، وَلَوْ أَنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِهِ لَهَانَ الْأَمْرُ.
فَلَقَدْ ظَلَّ الشَّيْطَانُ يَنْفُخُ فِي أَرْوَاحِهِمْ مِنْ رُوحِهِ، وَيَبُثُّ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ شَرِّه.
_________________
(١) أرزاقكم: رواتبكم.
(٢) غَزيرَة وفيرة: كثيرة.
(٣) الْحُلَل السَّابِغَة: الحلل الطّويلة الواسعة.
(٤) دارَّة: أي مستمرة.
(٥) ذات الْبَيْنِ: المراد الأحوال بين النَّاسِ.
(٦) البَطر: سوء التّصرف بالنّعمة.
[ ١ / ٥٤٧ ]
حَتَّى تَأَلَّبَتْ (^١) عَلَيْهِ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ أَوْبَاشِ (^٢) الْأَمْصَارِ؛ فَحَصَرُوهُ فِي دَارِهِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَمَنَعُوا عَنْهُ الْمَاءِ الْعَذْبَ.
وَقَدْ تَنَاسَى هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةُ الطَّغَمَةُ (^٣) أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اشْتَرَى "بِئْرَ رُومَةَ" (^٤) مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ؛ لِيَرْتَوِيَ مِنْهُ سُكَّانُ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَرُوَّادُهَا (^٥) …
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ مَاءٌ عَذْبٌ يَرْتَوُونَ مِنْهُ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ حَالُوا دُونَهُ وَدُونَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ …
وَقَدْ تَعَامَى هَؤُلَاءِ عَنْ أَنَّ ذَا النُّورَيْنِ هُوَ الَّذِي وَسَّعَ ثَانِيَ الْحَرَمَيْنِ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ؛ لِيَتَّسِعَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا (^٦) …
وَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَى عُثْمَانَ الْكَرْبُ، وَتَفَاقَمَ (^٧) عَلَيْهِ الشَّرُّ نَفَرَ (^٨) إِلَى حِمَايَتِهِ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَبْنَائِهِمْ.
فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ابْنَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَغَيْرُهُمْ … وَغَيْرُهُمْ …
* * *
لَكِنَّ عُثْمَانَ ذَا النُّورَيْنِ، وَصَاحِبَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَبَاذِلَ الْمَعْرُوفِ؛ آثَرَ (^٩) أَنْ يُرَاقَ دَمُهُ عَلَى أَنْ تُرَاقَ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ دِفَاعًا عَنْهُ …
_________________
(١) تألَّبت عَلَيْه: اجتمعوا على عداوته.
(٢) الأوباش: جموع من قبائل شتى.
(٣) الطَّغمة: الفئة القليلة.
(٤) بِئْر رومة: بئر في المدينة اشتراها عثمان من أحد اليهود.
(٥) رُوادها: زائروها.
(٦) ضاق ذرعًا: أي أصابه الضّيق.
(٧) تفاقم: اشتد وانتشر.
(٨) نفر: بادر بسرعة.
(٩) آثَرَ: فضَّل.
[ ١ / ٥٤٨ ]
وَفَضَّلَ أَنْ تُزْهَقَ رُوحُهُ (^١) عَلَى أَنْ يَقْتَتِلُ الْمُسْلِمُونَ دُونَهُ.
فَعَزَمَ (^٢) عَلَى الَّذِينَ نَفَرُوا إِلَى حِمَايَتِهِ أَنْ يَتْرُكُوهُ لِقَضَاءِ اللَّهِ …
وَقَالَ لَهُمْ: أُقْسِمُ عَلَى مَنْ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ أَنْ يَكُفَّ يَدَهُ.
وَقَالَ لِأَرِقَّائِهِ (^٣): مَنْ أَغْمَدَ مِنْكُمْ سَيْفَهُ (^٤)، فَهُوَ حُرٌّ …
* * *
وَلَقَدْ غَفَتْ عَيْنُ (^٥) خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَحَظَاتٍ قُبَيْلَ مَصْرَعِهِ فَرَأَى
النَّبِيَّ الْكَرِيمَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ …
وَمَعَهُ صَاحِبَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
وَسَمِعَ الرَّسُولَ ﷺ يَقُولُ لَهُ: (أَفْطِرْ عَنْدَنَا اللَّيْلَةَ يَا عُثْمَانُ)؛ فَأَيْقَنَ (^٦) عُثْمَانُ أَنَّهُ لَاحِقٌ بِرَبِّهِ … مُقْبِلٌ عَلَى لِقَاءِ نَبِيِّهِ …
* * *
أَصْبَحَ عُثْمَانُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ صَائِمًا …
وَدَعَا بِسَرَاوِيلَ طَوِيلَةً فَلَبِسَهَا خَشْيَةَ أَنْ تُكْشَفَ عَوْرَتُهُ؛ إِذَا قَتَلَهُ الْأَثَمَةُ (^٧) السَّفَّاحُونَ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ؛ قُتِلَ الْعَبَّادُ الزَّهَّادُ ..
الصَّوَّامُ الْقَوَّامُ …
_________________
(١) تزهق روحه: يموت.
(٢) عَزَم عَلَيْهم: أقسم عليهم.
(٣) أرقائه: عبيده.
(٤) أغمد سيفه: وضع سيفه في غمده وترك القتال.
(٥) غَفَتْ عينه: نام نومًا خفيفًا.
(٦) أيقن: تأكد.
(٧) الأثمة: الآثمون.
[ ١ / ٥٤٩ ]
جَمَّاعُ (^١) الْقُرْآنِ الْكَرِيم …
صِهْرُ رَسُولِ الله ﷺ.
فَلَحِقَ بِجوَارِ رَبِّهِ وَهُوَ ظَمَآنُ صَائِمٌ، وَكِتَابُ اللَّهِ مَنْشُورٌ (^٢) بَيْنَ يَدَيْهِ.
* * *
وَحَسْبُ الْمُسْلِمِينَ عَزَاءً أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ رِضْوَانُ اللَّهِ وَرَحَمَاتُهُ عَلَيْهِ صَحَابِيٌّ …
وَلَا وَلَدُ صَحَابِيٍّ …
إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا شَارَكَ الْبُغَاةَ الطُّغَاةَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ اسْتَحْيَا، وَارْتَدَعَ (*) …
_________________
(١) جَمَّاع الْقُرْآن: جامع الْقُرْآن … كتب في عهده المصحف الأول طبقا للنسخة المحفوظة لدى حفصة بنت عمر بن الخطاب - والذي كان قد جمعه زيد بن ثابت بتكليف من أبي بكر الصديق - وقد راعى في كتابته اختلاف القراءات حسمًا للخلاف، وكلف بذلك: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزّبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
(٢) مَنْشور: مفتوح. (*) للاستزادة من أخبار عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ انظر:
(٣) الإصابة: ٢/ ٤٦٢ أو "الترجمة" ٥٤٤٨.
(٤) أسْدُ الغابة: ٣/ ٣٧٦.
(٥) الاستيعاب "بهامش الإصابة": ٣/ ٦٩.
(٦) تهذيب التهذيب: ٧/ ١٣٩.
(٧) حلية الأولياء: ١/ ٥٥.
(٨) الطبقات الكبرى: ٣/ ٥٣ - ٨٤.
(٩) المعارف: ٨٢
(١٠) العبر: ١٤.
(١١) صفة الصّفوة: ١/ ١١٢.
(١٢) ابن كثير: ٧/ ١٤٤.
[ ١ / ٥٥٠ ]