"أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ"
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ]
لَمَّا أَشْرَقَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ بِنُورِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، كَانَ الْغُلَامُ الْيَثْرِبيُّ (^١) مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَتًى يَافِعًا … وَكَانَ يَمْتَازُ مِنْ أَتْرَابِهِ بِحِدَّةِ الذَّكَاءِ، وَقُوَّةِ الْعَارِضَةِ (^٢)، وَرَوْعَةِ الْبَيَانِ، وَعُلُوِّ الْهِمَّة.
وَكَانَ إِلَى ذَلِكَ، قَسِيمًا وَسِيمًا (^٣) أَكْحَلَ الْعَيْنِ جَعْدَ (^٤) الشَّعْرِ بَرَّاقَ الثَّنَايَا، يَمْلأُ عَيْنَ مُجْتَلِيهِ (^٥) وَيَمْلِكُ عَلَيْهِ فُؤَادَهُ.
أَسْلَمَ الْفَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى يَدَيِ الدَّاعِيَةِ الْمَكِّيِّ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ. وَفِي لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ امْتَدَّتْ يَدُهُ الْفَتِيَّةُ فَصَافَحَتْ يَدَ النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ وَبَايَعَتْهُ …
فَقَدْ كَانَ مُعَاذٌ مَعَ الرَّهْطِ الإِثْنَيْنِ وَالسَّبْعِينَ الَّذِينَ قَصَدُوا مَكَّةَ؛ لِيَسْعَدُوا بِلِقَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَشْرُفُوا بِبَيْعَتِهِ، وَلِيَخُطُّوا فِي سِفْرِ التَّارِيخِ أَرْوَعَ صَفْحَةٍ وَأَزْهَاهَا …
* * *
وَمَا إِنْ عَادَ الْفَتَى مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى كَوَّنَ هُوَ وَنَفَرٌ صَغِيرٌ مِنْ لِدَاتِهِ جَمَاعَةً لِكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَانْتِزَاعِهَا مِنْ بُيُوتِ الْمُشْرِكِينَ فِي "يَثْرِبَ" فِي السِّرِّ أَوْ فِي الْعَلَنِ … وَكَانَ مِنْ أَثَرِ حَرَكَةِ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَانِ الصِّغَارِ أَنْ أَسْلَمَ رَجُلٌ كَبِيرٌ مِنْ رِجَالَاتِ "يَثْرِبَ"، هُوَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ (^٦).
* * *
_________________
(١) الْيَثْرِبيُّ: نسبة إِلَى يَثْرِب، وهي المدينة المنورة.
(٢) قوَّة العارضة: قوَّة البديهة وروعة البيان.
(٣) قسيمًا وسيمًا: بهي الطّلعة جميل الملامح.
(٤) جَعْدُ الشّعر: ذو شعر أَجْعَد وضِدُّه: سَبِطُ الشَّعْر.
(٥) مجْتَلِيه: النّاظر إليه.
(٦) عَمْرو بن الجَمُوح: انظره ص ٧٥.
[ ١ / ٤٩٣ ]
كَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ بَنِي "سَلَمَةَ"، وَشَرِيفًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ.
وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ صَنَمًا مِنْ نَفِيسِ الْخَشَبِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ الْأَشْرَافُ.
وَكَانَ شَيْخُ بَنِي "سَلَمَةَ" يُعْنَى بِصَنَمِهِ هَذَا أَشَدَّ الْعِنَايَةِ فَيُجَلِّلُهُ بِالْحَرِيرِ، وَيُضَمِّخُهُ (^١) كُلَّ صَبَاحِ بِالطِّيبِ.
فَقَامَ الْفِتْيَانُ الصِّغَارُ إِلَى صَنَمِهِ تَحْتَ جُنْحِ الظُّلَامِ وَحَمَلُوهُ مِنْ مَكَانِهِ، وَخَرَجُوا بِهِ إِلَى خَلْفِ مَنَازِلِ بَنِي "سَلَمَةَ"، وَأَلْقَوْهُ فِي حُفْرَةٍ كَانَتْ تُجْمَعُ فِيهَا الْأَقْذَارُ …
فَلَمَّا أَصْبَحَ الشَّيْخُ افْتَقَدَ صَنَمَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وَبَحَثَ عَنْهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ حَتَّى أَلْفَاهُ مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ فِي الْحُفْرَةِ غَارِفًا فِي الْأَقْذَارِ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ مَنْ عَدَا عَلَى إِلَهِنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟!.
ثمَّ أَخْرَجَهُ وَغَسَلَهُ، وَطَهَّرَهُ، وَطَيَّبَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَكَانِهِ، وَقَالَ لَهُ: أَيْ "مَنَاهُ" (^٢)، وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ مَنْ صَنَعَ بِكَ هَذَا لأَخْرَيْتُهُ …
فَلَمَّا أَمْسَى الشَّيْخُ وَنَامَ تَسَلَّلَ الْفِتْيَةُ إِلَى صَنَمِهِ وَفَعَلُوا بِهِ مَا فَعَلُوهُ فِي اللَّيْلَةِ السَّابِقَة.
فَمَا زَالَ يَبْحَثُ عَنْهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي حُفْرَةٍ أُخْرَى مِنْ تِلْكَ الْحُفَرِ …
فَأَخْرَجَهُ وَغَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَعَطَّرَهُ وَتَوَعَّدَ (^٣) مَنْ عَدَوْا عَلَيْهِ أَشَدَّ الْوَعِيدِ …
فَلَمَّا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ أَلْقَوْهُ، وَغَسَلَهُ …
_________________
(١) يُضَمِّخه: يَدهنه ويطيِّبه.
(٢) أَيْ مَنَاة: يا مناة، وهُوَ اسم صَنَمِه.
(٣) تَوَعَّدَه: أنذره بالشَّرِّ.
[ ١ / ٤٩٤ ]
ثُمَّ جَاءَ بِسَيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ يُخَاطِبُهُ: وَاللَّهِ إِنِّي مَا أَعْلَمُ مَنْ يَفْعَلُ بِكَ هَذَا الَّذِي تَرَاهُ …
فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ - يَا "مَنَاةُ" - فَادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ …
وَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ …
فَلَمَّا أَمْسَى الشَّيْخُ وَنَامَ، عَذَا الْفِتْيَةُ عَلَى الصَّنَمِ، وَأَخَذُوا السَّيْفَ الْمُعَلَّقَ فِي رَقَبَتِهِ … وَرَبَطُوهُ بِعُنُقِ كَلْبٍ مَيِّتٍ وَأَلْقَوْهُمَا فِي حُفْرَةٍ مِنْ تِلْكَ الْحُفْرِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الشَّيْخُ جَدَّ فِي طَلَبِ صَنَمِهِ حَتَّى وَجَدَهُ مُلْقًى بَيْنَ الْأَقْذارِ مَقْرُونًا بِكَلْبٍ مَيِّتٍ مُنَكَّسًا عَلَى وَجْهِهِ … عِنْدَ ذَلِكَ نَظَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ:
تَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ إِلَهًا لَمْ تَكُنْ … أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئرٍ فِي قَرَنْ (^١)
ثُمَّ أَسْلَمَ شَيْخُ بَنِي "سَلَمَةَ" وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.
* * *
وَلَمَّا قَدِمَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا، لَزِمَهُ الْفَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مُلَازَمَةَ الظِّلِّ لِصَاحِبِهِ، فَأَخَذَ عَنْهُ الْقُرْآنَ، وَتَلَقَّى عَلَيْهِ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، حَتَّى غَدًا مِنْ أَقْرَإِ الصَّحَابَةِ لِكِتَابِ اللهِ، وَأَعْلَمِهِمْ بِشَرْعِهِ …
حَدَّثَ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ قَالَ:
دَخَلْتُ مَسْجِدَ "حِمْصَ" فَإِذَا أَنَا بِفَتًى جَعْدِ الشَّعْرِ، قَدِ اجْتَمَعَ حَوْلَهُ النَّاسُ …
فَإِذَا تَكَلَّمَ كَأَنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ (^٢) نُورٌ وَلُؤْلُوٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟!.
فَقَالُوا: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ.
* * *
_________________
(١) في قَرَن: أي مربوطًا معه في حبلٍ واحد.
(٢) فيه: فمه.
[ ١ / ٤٩٥ ]
وَرَوَى أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ (^١) قَالَ: أَتَيْتُ مَسْجِدَ "دِمَشْقَ"؛ فَإِذَا حلقَةٌ (^٢) فِيهَا كُهُولٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَإِذَا شَابٌّ فِيهِمْ أَكْحَلُ الْعَيْنِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا، كُلَّمَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إِلَى الْفَتَى؛ فَقُلْتُ لِجَلِيسٍ لِي: مَنْ هَذَا؟!.
فَقَالَ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ.
* * *
وَلَا غَرْوَ (^٣) فَمُعَاذُ رُبِّي فِي مَدْرَسَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مُنْذُ نُعُومَةِ الْأَطْفَارِ (^٤) وَتَخَرَّجَ عَلَى يَدَيْهِ؛ فَنَهَلَ الْعِلْمَ مِنْ يَنَابِيعِهِ الْغَزِيرَةِ …
وَأَخَذَ الْمَعْرِفَةَ مِنْ مَعِينِهَا الْأَصِيلِ، فَكَانَ خَيْرَ تِلْمِيذٍ لِخَيْرِ مُعَلِّمٍ.
وَحَسْبُ (^٥) مُعَاذٍ شَهَادَةً أَنْ يَقُولَ عَنْهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: (أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) …
وَحَسْبُهُ فَضْلًا عَلَى أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ أَحَدَ النَّفَرِ السِّتَّةِ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَلِذَا كَانَ أَصْحَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِذَا تَحَدَّثُوا وَفِيهِمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ نَظَرُوا إِلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا لِعِلْمِهِ.
* * *
وَقَدْ وَضَعَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ وَصَاحِبَاهُ مِنْ بَعْدِهِ؛ هَذِهِ الطَّاقَةَ الْعِلْمِيَّةَ الْفَرِيدَةَ فِي خِدْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.
_________________
(١) أبو مسلم الخولاني: أحد كبار التَّابعين وهُوَ من اليمن … انظره في كتاب "صور من حياة التَّابعين" للمؤلف، الناشر دار الأدب الإسلامي.
(٢) الْحَلْقة: مجلس العلم، وكانوا يتحلّقون في هذه المجالس حَوْلَ الشيخ.
(٣) لا غرو: لَا عَجَب.
(٤) نعومة الأظفار: كناية عن صغر السِّنِّ لأن الصّغير تكون أظفاره ناعمة.
(٥) حسْب مُعَاذ شهادة: يكفيه شهادة.
[ ١ / ٤٩٦ ]
فَهَذَا هُوَ النَّبِيُّ ﵊ يَرَى جُمُوعَ قُرَيْشٍ تَدْخُلُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، بَعْدَ فَتْح مَكَّةَ.
وَيَشْعُرُ بِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ الْجُدُدِ إِلَى مُعَلِّمٍ كَبِيرٍ يُعَلِّمُهُمُ الْإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهُهُمْ بِشَرَائِعِهِ، فَيَعْهَدُ بِخِلَافَتِهِ عَلَى مَكَّةَ لِعَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ، وَيَسْتَبْقِي مَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهَهُمْ فِي دِينِ الله.
* * *
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُ مُلُوكِ "الْيَمَنِ" إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، تُعْلِنُ إِسْلَامَهَا وَإِسْلَامَ مَنْ وَرَاءَهَا، وَتَسْأَلُهُ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهَا مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمُ؛ انْتَدَبَ لِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ نَفَرًا مِنَ الدُّعَاةِ الْهُدَاةِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁.
وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يُوَدِّعُ بَعْثَةَ الْهُدَى وَالنُّورِ هَذِهِ … وَطَفِقَ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَةِ مُعَاذٍ … وَمُعَاذُ رَاكِبٌ …
وَأَطَالَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مَشْيَهُ مَعَهُ؛ حَتَّى لَكَأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَمَلَّى مِنْ مُعَاذٍ …
ثُمَّ أَوْصَاهُ وَقَالَ لَهُ: (يَا مُعَاذُ إِنَّكَ عَسَى أَلَّا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هذا … وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي …).
فَبَكَى مُعَاذٌ جَزَعًا لِفِرَاقِ نَبِيِّهِ وَحَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَبَكَى مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ.
* *
وَصَدَقَتْ نُبُوءَةُ الرَّسُولِ الكَرِيم ﷺ، فَمَا اكْتَحَلَتْ عَيْنَا مُعَاذٍ ﵁ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﵊ بَعْدَ تِلْكَ السَّاعَةِ …
[ ١ / ٤٩٧ ]
فَقَدْ فَارَقَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ الْحَيَاةَ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ مُعَاذٌ مِنَ "الْيَمَنِ".
وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ مُعَاذًا بَكَى لَمَّا عَادَ إِلَى "يَثْرِبَ" فَأَلْفَاهَا (^١) قَدْ أَقْفَرَتْ مِنْ أُنْسِ حَبِيبِهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
* * *
وَلَمَّا وَلِي الْخِلَافَةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁؛ أَرْسَلَ مُعَاذًا إِلَى بَنِي "كِلَابٍ" لِيَقْسِمَ فِيهِمْ أُعْطِيَاتِهِمْ، وَيُوَزِّعَ عَلَى فُقَرَائِهِمْ صَدَقَاتِ أَغْنِيَائِهِمْ، فَقَامَ بِمَا عُهِدَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ، وَعَادَ إِلَى زَوْجِهِ بِحِلْسِهِ (^٢) الَّذِي خَرَجَ بِهِ يَلُفُّهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ مَا جِئْتَ بِهِ مِمَّا يَأْتِي بِهِ الْوُلَاةُ مِنْ هَدِيَّةٍ لِأَهْلِيهِمْ؟!.
فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ مَعِي رَقِيبٌ يَقِظٌ يُحْصِي عليَّ (^٣).
فَقَالَتْ: قَدْ كُنْتَ أَمِينًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَبَعَثَ مَعَكَ رَقِيبًا يُحْصِي عَلَيْكَ؟!!.
وَأَشَاعَتْ ذَلِكَ فِي نِسْوَةِ عُمَرَ، وَاشْتَكَتْهُ لَهُنَّ …
فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ؛ فَدَعَا مُعَاذًا وَقَالَ:
أأنا بَعَثْتُ مَعَكَ رَقِيبًا يُحْصِي عَلَيْكَ؟!.
فَقَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّنِي لَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَعْتَذِرُ بِهِ إِلَيْهَا إِلَّا ذَلِكَ … فَضَحِكَ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ شَيْئًا وَقَالَ لَهُ:
أَرْضِهَا بِهِ …
* *
وَفِي أَيَّامِ الْفَارُوقِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَالِيهِ عَلَى الشَّامِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ:
_________________
(١) فألفاها: فَوَجَدَها.
(٢) الْحِلْسُ: ما يوضع عَلَى ظَهْرِ الدابَّة تحت السَّرج.
(٣) يريد بالرّقيب: اللَّهَ جَلَّ وعَزَّ عَلَى سبيل التَّورية.
[ ١ / ٤٩٨ ]
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَدْ كَثُرُوا وَمَلأُوا الْمَدَائِنَ، وَاحْتَاجُوا إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ بِالدِّينِ فَأَعِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِرِجَالٍ يُعَلِّمُونَهُمْ؛ فَدَعَا عُمَرُ النَّفَرَ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵊.
وَهُمْ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ (^١)، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ (^٢) وَقَالَ لَهُمْ:
إِنَّ إِخْوَانَكُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَدِ اسْتَعَانُونِي بِمَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ في الدِّينِ فَأَعِينُونِي - رَحِمَكُمْ اللَّهُ - بِثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ؛ فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ فَاقْتَرِعُوا وَإِلَّا انْتَدَبْتُ ثَلَاثَةً مِنْكُمْ.
فَقَالُوا: وَلِمَ نَقْتَرِعُ؟ ..
"فَأَبُو أَيُّوبَ" شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَ"أَبيُّ" رَجُلٌ مَرِيضٌ، وَبَقِينَا نَحْنُ الثَّلَاثَةُ، فَقَالَ عُمَرُ:
ابْدَؤُوا "بِحِمْصَ" فَإِذَا رَضِيتُمْ حَالَ أَهْلِهَا؛ فَخَلِّفُوا أَحَدَكُمْ فِيهَا وَلْيَخْرُجُ وَاحِدٌ مِنْكُمْ إِلَى "دِمَشْقَ"، وَالْآخَرُ إِلَى فِلَسْطِينَ".
فَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثَّلَاثَةُ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ الْفَارُوقُ فِي "حِمْصَ" …
ثُمَّ تَرَكُوا فِيهَا عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، وَذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى "دِمَشْقَ"، وَمَضَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ إِلَى "فِلَسْطِينَ".
* * *
وَهُنَاكَ أُصِيبَ مُعَاذٌ بِالْوَبَاءِ.
_________________
(١) أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيِّ: انظره ص ٦٥.
(٢) أَبُو الدَّرْدَاء: انظره ص ٢٠١.
[ ١ / ٤٩٩ ]
فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَجَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَا النَّشِيدَ:
مَرْحَبًا بِالْمَوْتِ مَرْحَبًا …
زَائِرٌ جَاءَ بَعْدَ غِيَابِ …
وَحَبِيبٌ وَفَدَ عَلَى شَوْقٍ …
ثُمَّ جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَقُولُ:
اللَّهُمَّ إِنَّكَ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الدُّنْيَا وَطُولَ الْبَقَاءِ فِيهَا لِغَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَجَرْيِ الْأَنْهَارِ ..
وَلَكِنْ لِظَمَإ الْهَوَاجِرِ، وَمُكَابَدَةِ السَّاعَاتِ، وَمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ عِنْدَ حِلَقِ الذِّكْرِ …
اللَّهُمَّ فَتَقَبَّلْ نَفْسِي بِخَيْرِ مَا تَتَقَبَّلُ بِهِ نَفْسًا مُؤْمِنَةً.
ثُمَّ فَاضَتْ رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ بَعِيدًا عَنِ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرِ …
دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ، مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِهِ (*).
_________________
(١) (*) للاستزادة من أخبار مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ انظر:
(٢) الإصابة: ٣/ ٤٢٦ أو "الترجمة" ٨٠٣٧.
(٣) الاستيعاب "بهامش الإصابة": ٣/ ٣٥٥.
(٤) أسد الغابة: ٤/ ٣٤٧.
(٥) سير أعلام النبلاء: ١/ ٣١٨.
(٦) الطبقات الكبرى: ٣/ ٥٨٣.
(٧) حلية الأولياء: ١/ ٢٨٨.
(٨) صفة الصّفوة: ١/ ١٩٥.
(٩) تهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ٩٨.
(١٠) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢/ ٢٤.
(١١) الجمع بين رجال الصحيحين: ٢/ ٤٨٧.
(١٢) البداية والنهاية: ٧/ ٩٤.
(١٣) دول الإسلام: ١/ ٥.
(١٤) تهذيب التّهذيب: ١٠/ ١٨٦.
(١٥) وفيات الأعيان.
(١٦) جمهرة الأولياء: ٢/ ٤٨.
(١٧) طبقات فقهاء اليمن: ٤٤.
(١٨) البدء والتاريخ: ٥/ ١١٧.
(١٩) الزهد، لأحمد بن حنبل: ١٨٠.
(٢٠) تذكرة الحفَّاظ: ١/ ١٩.
(٢١) المعارف لابن قتيبة: ١/ ١١١.
(٢٢) أَصْحَاب بَدْر "منظومة للشيخ حسين الغلامي": ٢٠٤.
(٢٣) حياة الصّحابة: "انظر الفهارس في الرابع".
[ ١ / ٥٠٠ ]